المواعظ
 المطران بشار متي وردة

المطران بشار متي وردة

الأحد الثاني من الدنح

كلمة الله: نورٌ لحياتنا (يو 1: 1- 18)

تدعونا أمنّا الكنيسة لنتأمل كشفاً جديداً (دنحا) عن "هوية" ربنا يسوع المسيح. فهو إبنُ الله المحبوب مثلما أُعلنَ يومَ عماذهِ، وهو مسيحُ الربِ الذي أُرسِلَ ليكونَ مع الإنسان، لاسيما الفقراء والمُهَمَشين والمُستضعفينَ، وهو كلمة الله الذي كان مع الله منذُ البدءِ وبه خُلِقَ العالم، وفيه خلاصنا لأنه "النور" الذي يُضيء حياتنا ويقودنا لنعيش حياة أبناء الله، وهذا كلّهُ صارَ لنا نعمةً من الله الآب، مثلما يُعِلِن إنجيل اليوم.

كما ولكشِف اليوم تعليم لحياتنا. فبدءأَ يوحنا إنجيلهُ بعبارةِ: "في البدءِ كان الكلمة"، وهي عبارة تأخذنا إلى الكلمات الأولى في الكتاب المُقدس، في سفر التكوين، إلى البدءِ الأول: "في البَدءِ خلَقَ اللهُ السَّمَواتِ والأَرض" (تك 1: 1)، مُعلناً إيمان الكنيسة بأن "الخليقة كلها" تعود إلى لله الخالق، وهي في الوقت نفسه هدية للإنسان، وإننا، مع يسوع المسيح أمام فعلِ خلقٍ. كما ويُعلمنا ان الكلمة لم يُخلَق، بل كان مع الآب قبل إنشاء العالم، وبهِ وفيه صارَ الخلقُ بدءاً بالنور: "وقالَ اللهَ: "لِيَكُنْ نور"، فكانَ نور (تك 1: 3)، وكانت هذهِ أول كلمة نطقَ بها الله، فأبدعَ الحياة. وعندما تتجسّد كلمة الله في العالم: "الكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا" أصبح نورَ العالم: "ما دُمتُ في العالم، فأنا نورُ العالم" (يو 9: 5). هذا النورَ أخبرنا عن محبةِ الآب ورحمتهِ: "إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب هو الَّذي أَخبَرَ عَنه".

الإنسان الذي خُلِقَ على صورة الله، وأُعطي أن يكون "وكيلَ" الله ليعتني بالخليقة ويُديمَ استمراريتها، إلا أن الإنسان تعجرفَ وتوهَم أنه سيّد الحياة، وحجبَ نورَ الله عن حياتهِ، متوهماً أن له الحكمة (النور) ليحيا من دون الله، فكانت الظلمةُ والشر والخطيئة التي حطّت من كرامتهِ وجعلتهُ عبداً للخطيئة. أرادَ الله أن يُعيدَ للإنسان الكرامة المسلوبة بالخطيئة، فتجسّد: "والكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا"، وفي تجسده تغيّرت العلاقة مع الله، فصارَ بإمكان الإنسان أن يراهُ ويلمُسه ويشعُرَ بقربهِ: "ذاك الَّذي كانَ مُنذُ البَدْء ذاك الَّذي سَمِعناه ذاك الَّذي رَأَيناهُ بِعَينَينا ذاكَ الَّذي تَأَمَّلناه ولَمَسَتْه يَدانا مِن كَلِمَةِ الحَياة ... نُبَشِّرُكم بِه أَنتم أَيضًا لِتَكونَ لَكَم أَيضًا مُشاركَةٌ معَنا ومُشاركتُنا هي مُشاركةٌ لِلآب ولاَبنِه يسوعَ المسيح" (1 يو 1: 1-3). فالتجسّد أولانا إمكانية أن نرى ونسمع ونعِرف الله على نحوٍ جديد، بل أن نُشاركهُ أيضاً حياة الإلوهةِ وهذا صارَ لنا نعمةً بفضل علاقة الآب بالإبنِ، علاقة الله بيسوع المسيح. بل ومنحَ لنا أيضاً هويةً جديدة، إذ صِرنا أبناء الله بالإبن يسوع المسيح: "أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله".

هذا الوحي (التجسّد) لم يكن ليكشِف الله عن جبروتهِ وآلوهيتهِ، ولم يرغَب يوحنا الإنجيلي في أن يُقدم لنا تعاليم عقائدية، بل تعليماً لحياتنا، فالتجسّد صارَ من أجل الإنسان، وفيه يدعو الله الإنسان ليُشاركه حياة الألوهةِ. نحن لسنا إذاً أمام "مشهدَ" نُعجَب به أو تعليم نحفظهُ، بل إننا مدعوون إلى لقاءٍ الكلمة، لقاء المسيح، نورُ العالم، النور الذي يُنير الظُلمة التي نحن فيها ويمنح لنا حياةً جديدة، حياة أبناء الله. والإيمان بيسوع المسيح يعني: بدءُ علاقة جديدة مع الله، علاقة الأبناء بأبيهم، وأن ندع نورَ الله، يسوع المسيح، يدخل فينا ويشعَّ في حياة الآخرين، ليتمجّد عملُ الله فينا ومن خلالنا: "أَنتُم نورُ العالَم ... هكذا فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات" (متّى 5: 14- 16).

التجسد يعني أن الله يُحدّثنا بالقُرب منّا، لأنه بيننا، في وسطنا، صارَ بشراً مثلنا، وسيكون هو أولَ من يُكمِل ما يطلبهُ من الإنسان. إلهنا لم يعد ذاك المُعلّم الذي يسأل موسى ليصعدَ الجبل ليُسلّم إليه كلماتهُ، بل نزلَ هو بنفسهِ ليعيشَ هذه الكلمة أولاً قبل أن يُعلِنها. وفي ذلك تعليمٌ للحياة لنا نحن الذين نسعى لنكون مُعلمينَ أكثر منّا عاملينَ. نحن الذين نجتهِد للحفاظ على "مكانة الشرف" "وإمتيازات المعلم والحكيم".

الإنجيلي يوحنا وكنيستهُ شهودٌ على واقع تجسّد كلمة الله بينهم. ففي التجسّد تركَ إلهنا مجدهُ؛ وكأنهُ تخلّى عنه، ووهبُ ذاتهُ للإنسان دون تحفظ. التجسّد هو عطيةُ الله للإنسان، والله أعطى ذاتهُ كلياً: "لَيسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعظمُ مِن أَن يَبذِلَ نَفَسَه في سَبيلِ أَحِبَّائِه" (يو 15: 13). ولأننا خُلقنا على صورة الله ومثاله، فنحن مدعوون لأن نتمثّل به، فنتعلّم العطاء بسخاء ومحبّة. إلهنا لم يُرسل لنا ملاكه ليُرشدنا إلى طريق الخلاص، بل تجسّد هو، وأخلى ذاتهُ وصارَ إنساناً مثلنا وعاش بيننا. أعطى ذاتهُ للإنسان، ليتعلّم الإنسان ألا يكتفي باعطاء ما يفضل عنهُ بل ما هو عزيزٌ على قلبهِ مثلما فعلَ إبراهيم فجعلهُ الله بركة لجميع أمم الأرض: "خُذِ اَبنَكَ وَحيدَكَ الَّذي تُحِبُّه، إِسحق، وآمضِ إِلى أَرضِ المورِيِّا وأَصعِدْه هُناكَ مُحرَقَةً على أَحَدِ الجِبالِ الَّذي أريكَ" (تك 22: 1- 18).

         لقد صّرنا بربنا يسوع المسيح أبناء النور، وهو ينتظر منّا أن نشهدَ في حياتنا على أن نورهُ قد أشرقَ علينا، فنسلُكَ سيرة أبناء النور (أفسس 5: 8) في كل عملٍ صالح نقومُ به عن محبّة، وإحدى علامات حياة أبناء النور هي المحبّة الأخوية التي بها يعرفوننا إن كُنّا في الظلمات أم في النور: "مَن أَحَبَّ أَخاه أَقامَ في النُّور ولم يَكُنْ فيه سَبَبُ عَثرَة" (1 يو 2: 10). فلنُصلِ ليُنيرَ ربّنا يسوع حياتنا، فنرى بنورهِ. 

الأحد الأول من الدنح

أعلنُ سنةً مرضيةَ لله (لو 4: 14- 30)

أعلنّ ربّنا يسوع عن أصل رسالتهِ ومضمونها من خلال الإستشهاد بآياتٍ من نبؤة إشعيا النبي: "رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لِأَنَّهُ مَسَحَني لِأُبَشِّرَ الفُقَراء وأَرسَلَني لأُعلِنَ لِلمَأسورينَ تَخلِيَةَ سَبيلِهم ولِلعُميانِ عَودَةَ البصَرِ إِلَيهِم وأُفَرِّجَ عنِ الـمَظلومين وأُعلِنَ سَنَةَ رِضاً عِندَ الرَّبّ". في ربّنا يسوع تمّت كلماتُ إشعيا النبي فظهرت هويته: إنهُ ذاك الذي مسحهُ الربّ (الماشيحا؛ المسيح) وهو يتحرّك بدافع الروح القُدس. الروح القٌدس هو الذي وجهّ نشاطه مُعبراً عن إتحادٍ مع الله الآب. تبشيره ورسالتهُ ليست إذاً بدافعٍ بشري ومن منطلقاتٍ ومُبادراتٍ بشرية، كأني به "مُعلّمٌ عظيمٌ" أو "رجلٍ حكيمٍ"، مثلما يظنهُ البعض. بل جاء بدافع من الروح القُدس يحمل رسالة للبشرية، ويدعونا إلى الإصغاء إليه. وهذا هو معنّى: "رُوحُ الرَّبِّ عَلَيّ"، أي أنه يحيا بفعلِ الروح القُدس. الحياة الروحية بالنسبة لنا ليست سلسلةَ تعبّدات تقوية فحسب، بل هي دعوة أن نعيش تحت أنظار الروح القُدس وأن ندعه يقود حياتنا. فالروح القُدس إذاً هو أصل رسالة ربّنا يسوع وسببها.

أما رسالته فموجهةٌ أولاً إلى الفقراء والمأسورين، للعميان وللمظلومين، ولكي يعلن سنة مرضية للربّ. سنةُ كان الشعب يحرِص على أن تكون مُكرسة كلياً لله من خلال شهادة حياة يكون لله فيها الأولوية فيُعيدون كل شيءٍ إلى حالتهِ الأصلية، كما كان في فكرِ الله، فيتحرر العبد ويُعفى الدين وتُعاد مُلكية الأشياء والأشخاص وتُبطَل زراعة الأرض ... وغيرها من التوصيات (أح 25: 8- 17)، فالإنسان أفسدَ تدبير الله في تعاملهُ المُستهلِك والأناني في العالم. وبالإضافة إلى ذلك، فقد بدأت مع ربّنا يسوع بدأت سنةٌ مرضيةٌ لله، أي بدأ الزمن الإلهي، وعلينا أن نعيش حياتنا كل يومٍ واعينَ لحقيقةِ: أن أيامنا هي جزءٌ من زمن الله. هذا الزمن ليس عبثياً أو فوضوياً، بل هو زمنُ الخلاص، لأن الله أرادَ خلاص الإنسان منذ البدءِ.

ربّنا يسوع، الذي أُعلَن للجميع يوم عماذه: "أنت إبني الحبيب بكَ سُررتُ" (مر 1: 11)، أرادَ في شهادة حياتهِ أن يُبيّن معنى: "أنني إبنُ الله الحبيب"، فهذه البُشرى لم تكن مدعاة للإفتخار بل دعوة إلى الألتزام، فالأختيار: أنت محبوب (روحية)، حلَّ على ربّنا يسوع وحملَ معهُ تكليفاً (أخلاقية) بأن يكون مُحبّاً. عاش ربّنّا حياتهُ كفعلِ شكرٍ دائمٍ تحت أنظارِ الله المُحب فكان له الإله والآب، وبيّن لنا كيف نعيش كلمة الله: "أحبب الربًّ إلهكَ من كل قلبِكَ، وكلِّ نفسكَ وكل ذهنِكَ وكل قوّتكِ، وقريبكَ مثل نفسكَ" (مر 12: 29- 31)، من خلال محبّة أصيلة لا غشَّ فيها. محبّة الله تتضمّن بالضرورة الإهتمامَ بما يهتمُ به الله، ولا سيما بالإنسان الفقير والحزين والمُعذّب والمأسور والمريض.

هكذا سيكون لرسالة ربّنا يسوع المسيح إنطلاقة روحية: فالله هو الذي مسحهُ بروحهِ فكرّسه لرسالةٍ، مثلما سيكون لها مضمون يأتي كبُشرى سارّة للإنسان الفقير والمسجون والمظلوم والأعمى. لا يُمكن أن تكون المسيحية علاقة خاصّة بين الله والإنسان الفرد فحسب. بل إنطلاقة من علاقة شخصية نحو رسالة للجماعة، مثلما سيوضحّها متّى لاحقاً: "تَعالَوا، يا مَن بارَكَهم أَبي، فرِثوا المَلكوتَ المُعَدَّ لَكُم مَنذُ إِنشاءِ العَالَم: لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني، وكُنتُ غَريباً فآويتُموني، وعُرياناً فَكسَوتُموني، ومَريضاً فعُدتُموني، وسَجيناً فجِئتُم إِلَيَّ" (متّى 25: 34- 36). هذه هي أخلاقية أبناء ملكوت الله، أخلاقية تعني عملياً: أن يلتزمَ الإنسان بمسؤوليتهُ في أن يكونَ مثلما يُريده الله أن يكون: محبوباً ومُحباً. وهذا أمر يتطلب السير في طريق يقودنا فيهِ بُكرنا ربّنا يسوع المسيح، فنحن نعيش زمن رضى الله.

مع ربّنا يسوع بدأت سنة مرضية لله، اليوم ليس بعدُ يومنا بل هو يوم الله، صارَ مُلكَه. وبدءُ مسيرة الإيمان الناضج يكون عندما نعي حقيقةَ: أننا نعيشُ تحت أنظار الله الآب اليوم؛ وكل يومٍ، وهو الذي يهبُ لنا كلَّ يومٍ لنُبشِر من خلال شهادة حياتنا: أننا أبناؤهُ المحبوبونَ. وكلّما توهّم الإنسان أنه "سيّد وقتهِ" دخل في ظلمةٍ وجهالةٍ: "فقالَ لَه الله:يا غَبِيّ، في هذِهِ اللَّيلَةِ تُستَرَدُّ نَفْسُكَ مِنكَ، فلِمَن يكونُ ما أَعدَدتَه؟ فهكذا يَكونُ مصيرُ مَن يَكنِزُ لِنَفْسِهِ ولا يَغتَني عِندَ الله" (12: 20- 21).

علينا، ومثلما كتبَ بولس إلى الغلاطيين أن نتعلّم صنعَ الخير: "فما دامَت لَنا الفُرْصَةُ إِذًا، فَلْنَصنعَ الخَيرَ إلى جَميعِ النَّاس ولاسِيَّما إِلى إِخوَتِنا في الإِيمان" (6: 10). لا يجوز إضاعةُ الوقت في قضايا وأمور تافهةٍ. فكل يوم وكل لحظةٍ يهبهُا الله لنا يمنحنا فيها فرصة أن نجعل منها فرصة إرضائهِ، لأننا نعيش في زمن رضاهُ. سنة رضى الربّ فرصةٌ فيها نشكر الله على اليوم الذي يُنعِم به علينا، ودعوة إلى المثابرة على مسيرة الإيمان في سبيل تحقيق معنى حياتنا المسيحية، مٌتمثلينَ بربّنا يسوع، ومُستعدين لمواجهةِ التحديات التي نختبرها في حياتنا سواء أكانت شخصيةً أو آتية من الآخرين، كما جرى لهُ في مدينتهِ حيثُ أرادَ سُكانها أن يقضوا عليهِ "يُمسكوا به ليكونَ لهم وحدهم". هذا الثبات وهذه الأمانة متجذّرة في أمانة الله تجاهنا هو الذي يُريد بيسوع المسيح أن يصلَ إلى الجميع، إلى المُهَمَشينَ والفقراء، وأن يكون قريباً منهم. أمانة وثباتٌ من إنسان حُر ومُحب وناضجٌ، يعرِف أن الله يحبهُ. فلا يبقى لهُ، أن يبحث عماّ يُرضي أناهُ، بل عما يُرضي الله الآب. 

عيد الختانة (رأس السنة الميلادية)

نحن مُكرسون لله الآب (لو 2: 21- 28)

تدعونا أمنّا الكنيسة اليوم للتأمل في دعوتنا التي إبتدأت من الله الذي اختارنا فكرّسنا له، فهذا هو معنى الختان: "أنه مفروز ومُكرس (مُخصصٌ) لله، لأنه هبةُ الله، في إعترافٍ صريحٍ أن كل ما لنا هو منه وإليه. وهذا التكريس لا يحطُّ من كرامتنا، بل يجعلنا له أبناء: "أمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله فهُمُ الَّذينَ لا مِن دَمٍ ولا مِن رَغبَةِ لَحْمٍ ولا مِن رَغبَةِ رَجُل بل مِنَ اللهِ وُلِدوا" (يو 1: 12- 13)، لذا، نسمعَ سمعان الشيخ يُرتِل مُسبحاً الله: "الآنَ تُطلِقُ، يا سَيِّد، عَبدَكَ بِسَلام، وَفْقاً لِقَوْلِكَ فقَد رَأَت عَينايَ خلاصَكَ الَّذي أَعدَدَته في سبيلِ الشُّعوبِ كُلِّها نُوراً يَتَجَلَّى لِلوَثَنِيِّين ومَجداً لِشَعْبِكَ إِسرائيل". فهذا الطفل هو هبةُ خلاصٍ من الله، وهو يُمثِل إنتظاراتِ البشرية كلّها، والأمرُ الأهم هو: إنه البكرُ، أي الأخ الأكبر الذي يفتتحِ أمامنا الطريق الذي يُوصلِنا إلى فرح الله.

اليوم، ونحن نختُم سنةً أُعطيت لنا لنُحقق فيها مضمون دعوتنا المسيحية. فلنسأل أنفسنا: كيف تعاملنا مع عطيّة الله لنا؟ فقد أعطى الله كلاً منا وزناتٌ وفقَ إمكانياتنا وقُدراتنا، وينتظر منّا أن نُقدِم حساباً عنها، مثلما علّمنا ربّنا يسوع في مثل الوزنات (متّى 24: 14- 30). إلهنا يثقُ بنا وهو يدعونا إلى أن نثقَ بثقتهِ بنا. وهبنا ربنا كل مالهُ، سلّمنا يسوع المسيح، كلمتهُ، وينتظّر منّا أن نُسمِعَ هذه الكلمة بُشرى سارّة إلى الآخرين من حولنا. هو يعرِفنا على نحو شخصي، فأعطى وزناتٍ كلٌّ وفقَ طاقتهِ، إنطلاقاً من محبتهِ لنا. محبةٌ تتفهم واقعنا، وتدعونا إلى أن نجتهِد في البحث عن خيرنا بعيداً عن دوافع الحسد والغيرة التي تُرهقنا: "لماذا أعطاني وزنتين ولم يهبَ لي أكثر؟ ما الذي يُميّز هذا وذاك عنّي؟ أسئلة مثل هذه كفيلةٌ بأن تقتل فينا الحياة. نتذكّر كلمات المُزمّر: "يا رَبِّ قد سَبَرْتَني فَعَرَفتني، عَرَفْتَ جُلوسي وقِيَامي. فَطِنتَ مِن بَعيدٍ لأَفْكاري. قَدَّرتَ حَرَكاتي وسَكَناتي وأَلِفتَ جَميعَ طرقي. قَبلَ أَن يَكونَ الكَلامُ على لِساني أنتَ يا رَبُّ عَرَفتَه كلَه" (139: 1-4). الربُّ يثقُ بي، ويعرفني ويدفعني إلى أن أعيش جميع الإمكانات التي وهبها لي، حتّى تلك المجهولة بالنسبة لي، فالصعوبات الشخصية لن تكون، لي مع الله الآب عائقاً بل تكون تحدّياً يحفّزني على المزيد من الإلتزام والشجاعة.

نحن مدعوون إذاً لأن نستلِم هذه الوزنات، هذه الأيام، السنة الجديدة التي تُعطى لنا، كزمنٍ مُباركٍ نشكرُ فيه الله لأنه اختارنا وكرّسنا له، ومنح لنا فرصة أن نكون له شُركاء، تماماً مثل الخادم الأول والثاني اللذين إهتما بإستغلال الوزنات ولم يحسبوا أنفسهم عبيداً للسيد بل شُركاء، وأسرعوا نحو العمل والمتاجرة دون إبطاء أو تردد، ولا قلق في شأن عودة صاحبها. يكفي الخادمين ثقة السيّد بهما. فجاء سفر السيد الطويل فرصة ليُحققوا فيها ذواتهم وينموا وينضجوا ويتحملوا مسؤولية حياتهم إنطلاقاً من: السيّد وثقَ بي وسلّم إليَّ مالهُ، فعليَّ أن أُبرِهِنَ له عن كوني جديراً بهذه الثقة. ثقة السيّد بهم ومحبتهُ لهم غيّرتهم من حالة الخدم (العبيد) إلى الشُركاء، الأبناء، يحملوا للسيد محبّة ما كانت لتكون لولا مُبادرتهُ هو تجاههم، مُبادرة مُحبّة حملت للطرفين ثماراً، وزناتٍ أخرى. فالثمار جانبٌ أساسي في العلاقة. يقبَل السيد مشاعر الود والإحترام والمهابة من الخدم، ولكنه يُريد أن يرى ثمارَ هذه المحبّة: يُريد زيادة الوزنات.

محبة الله وثقتهُ تخلقُ الإنسان من جديد، مثلما خلقت خدم السيّد ونقلتُهم من حالة الخدم إلى حالة شُركاء، والتي تضمنت دعوة المُشاركة التامّة في حياة السيّد، فيُصبح اهتمام السيّد وانشغالاته انشغالهم وهمهُم على نحو شخصي: "فقالَ له: يا بُنَيَّ، أَنتَ مَعي دائماً أبداً، وجَميعُ ما هو لي فهُو لَكَ" (لو 15: 31). من الآن منح لهم السيّد الفرصة ليروا الحياة من منظاره هو، بعيونه هو، وأن يتحملّوا المسؤولية معه. فلم يكن السيّد مهتماً بالأرباح التي قدّمها له الخدم، ولم يُحاسبُهم على ذلك، بل كان مهتماً بموقفهم إزاء الوزنة، ووهبَ لهم ما بقُدرته أن يُعطي وهو: الفرح، والفرح هو هبتهُ العُظمى: "قُلتُ لَكم هذهِ الأشياءَ لِيَكونَ بِكُم فَرَحي فيَكونَ فَرحُكم تامّاً" (يو 15: 11). هو يُعطي ذاتهُ: "إدخل إلى فرحِ سيّدك"، بمعنى: تعال نتقاسم الحياة معاً، عارفين أنه ليس فرح عاطفي أو مُتعة عابرة بل فرح كلّف الخدم جهداً وتعباً ومجازفة. وقبِل السيّد منهم جُهدهم وأتعابهم، بل باركها.

إلهنا وهبَ لنا سنة كاملة أرادَ فيها أن يكِشِفَ لنا عن محبتهِ، فكيفَ تعاملنا مع هذه العطيّة؟ ملكنا وربنا يهبُ لنا سنة أخرى مُحملّة بفرصٍ جديدة فهل لدينا رغبة واستعداد لنُبادلهُ المحبّة ونثقَ بثقتهِ فينا؟ نحن مُكرسونَ له، فكيفَ سنعيش تكريسنا المسيحي في عالمٍ مُضطرِبٍ بالصراعات والحروب والنزاعات؟ فينا جميعاً مخاوفُ بسبب ما اختبرناه من صعوباتٍ وأزمات خلال السنة الماضية، مخاوفُ قد تجعلنا، نتراجع أمام المُبادرات الجديدة. البابا فرنسيس يدعونا قائلاً: "يجب أن نتساءل (دوماً) ماذا نفعل كي تنمو كلمة الله لدى الآخرين. إن الرب يعرفنا شخصيا ويوكل إلينا ما يتلاءم مع كل واحد منا، لكنه يثق بالجميع! فلا نخيّبنَّ آمالهُ فندع الخوف يشل تقدمنا الروحي.

عيد الميلاد

وهو المسيحُ الربّ ... فلنُمجدهُ ونُسبحهُ يومَ ميلادهِ (لو 2: 1- 20)

كعادة كل عامٍ نجتمعُ اليوم لنحتفل بميلاد ربّنا يسوع المسيح. ويدعونا لوقا الإنجيلي لنتأمل الطريق الذي إتخذه الله ليكون قُربَ الإنسان، مع الإنسان، طفل يُولد وسط عائلة مُهجرة تبحث مأوى، ولا تجد مكاناً، في تعبيرٍ عن حالة الإنسان المنشِغِل دائماً عن الله، فلا مكان لله في قلبِ الإنسان. وتستمر الحال على ما  هي عليه كل سنةٍ: نجتمِع لساعاتٍ ونحتفِل لأيام ثُم نعود إلى ممارسة حياتنا وكأن شيئاً لم يحصل أبداً، فتعود الملائكة إلى السماء لتُبلِغ الله: شعبُك لا يُريد أن يقبَل البُشرى السارة التي تعلنها لهم، ولا تغيير في حياتهِم، فميلادُك كان للحظاتٍ فقط.

ولكن، أي تغيير ينتظره الله منّا في ميلادهِ اليوم؟ أوَ لا يكفي أننا إنسحبنا من عالمنا وأشغالنا وخصصنا له هذه الساعات؟

نُريد في هذا الميلاد أن يحصلَ تغيير في حياتنا وذلك بإعلان وعيش حقيقة في حياتنا: أن يسوع هو المسيحُ الربُّ مثلما أعلنهُ ملاكٌ الربّ للرعُاة، من خلال الإيمان به شافياً لجروحاتنا ومخاوفنا، وأن ننضمَ إلى جُندِ السماء فنُمجدهُ على حضوره معنا ومرافقتهِ لنا.

الميلاد ليس إحتفالية بل مسيرة نحو ... قيام من حالة نحن فيها وتوجهُ نحو واقعٍ جديد. فما نفعُ الميلاد إن أتى ومضى وتركنا حيثُما نحن من دونِ أي تغيير في حياتنا؟ المحتفلون بميلاد ربّنا يسوع كانوا أُناساً متحركين: يُوسف ومريم والرعاة والمجوس، أناساً في مسيرةٍ، حُجاجاً دفعتهم بُشرى الميلاد إلى أن يتركوا أراضيهم وأوطانهم واشغالهم ومواشيهم ليكونوا حيثُ أرادَ الله أن يكون. حجٌ وقيامٌ تطلّب شجاعةً للتخلي عن المُعتاد الذي تعوّدنا عليه، ليلتقوا الله طفلاً طلبَ السُكنى في مريم فوجدَها مُكرسةً كلياً له: "وجاؤوا مُسرعين، فوَجَدوا مريمَ ويوسُفَ والطِّفلَ مُضجَعاً في الـمِذوَد". وهكذا اختبروا الخلاص الذي بشرهم به الملاك. المولود هو مُخلصٌ وهو المسيحُ الرب، وقد اختار أن يكون خادماً ومأكولاً فاستقرَ في مذودٍ (مخصص لإطعام الحيوانات) ليكون في خدمة الإنسان، ليس مُخلصاً ورباً فحسب، بل، ليبقى معه ويُغذيهِ (الافخارستيا)، فيواصِل المسيرة وقد تقوى بخُبزِ الله مثلما أختبر ذلك إيليا النبي (1 ملو 19: 5- 8). 

"المسيحُ الرب"، ربٌّ يُعبَد ويُمجّد إلهاً أوحد في حياتنا. عندما يُعلِن جُندُ السماء أن المولود هو المخلص وهو المسيح الرب، فهذا هو إقرارٌ إيمان يُريد الله ان يُذكرنا به، فيعود بنا إلى أولى الوصايا: "أَنا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذي أَخَرجَكَ مِن أَرضِ مِصرَ، مِن دارِ العُبودِيَّة. لا يَكُنْ لَكَ آِلهَةٌ أُخْرى تُجاهي" (خر 20: 2-3)، لأن الله عارفٌ أننا نعبدُ آلهةً كثيرة: الشُهرة والمال والسُلطة والمكانة المتميزة وتحقيقُ الإنجازات والحصول على الإمتيازات ... إلخ"، لذلِك، يُريد أن يُذكرنا اليوم بأن الآتي هو "الربُ الأوحد"، وهو مَن يستحقُ التمجيد والعبادة، وفي تعبدنا هذا له سيُحررنا من كل مخاوفنا وهمومنا وقلقنا وحاجاتنا وطموحاتنا وسعينا لتحقيق الإنجازات وانتظارات الآخرين. نحن نستنزف طاقاتٍ وأوقات ومشاعر للحصول على رضى هذا وذاك من الناس، فتجدُنا متعبين ومرهقين نرزحُ تحت حملٍ ثقيل. اليوم، تأتي بُشرى الميلاد لتُعلِنَ لنا: "لست مُجبراً يا إنسان على أن تُرضي الناس، بل قُم وأسرع لتقبل الله المولودَ طفلاً من مريم، هي التي قدّمت حياتها خادمةً لله، وتهيأت لحضورهِ وهي مستعدةٌ لأن تُقدمهُ لكلِّ مَن يحجُّ إليهما.

ربّنا يسوع ينتظر أن يكون لنا الشجاعة لأن نجعل قلوبنا تُعيّد عيدهُ، فنترُك جانباً مشاعر الغضب والبغض والعداوة والحقد التي تأسرُها لتكون قلوبنا وحياتنا له كُلياً ويملكَ عليها مسيحاً (مُخلِصاً) ورباً. فينا غضبٌ موجهُ ليس ضدّ القريب فحسب، بل ضدّ الله أيضاً. مُعظمنا يظنُ أن الله ليس عادلاً ورحوماً ومحباً معنا، فحرمنا من خبراتٍ أو أشخاصٍ او إمتيازاتٍ ومراتب شرفٍ نستحقها. فينا شعور بأن الله والعالم لم يُنصفنا. هذه المشاعر الغضوبة حولّـت قلوبنا وجعلتها صخرية يابسة لا حياة فيها ولا تشعر بحضورِ الله ولا تتحسس قُربهُ، لذا، صارت الحاجة إلى أن يخلقُ الله فينا قلوباً من لحمٍ ودمٍ مثلما تنبأ حزقيال: "هكذا قالَ السَّيِّدُ الرَّبّ: إِنِّي سأَجمَعُكم مِن بَين الشُّعوب، ...وأُعطيهِم قَلبًا آخَر، وأَجعَلُ فيهم روحًا جَديدًا، وأَنزِعْ مِن لَحمِهم قَلبَ الحَجَرِ وأُعْطيهِم قَلبًا مِن لَحْم، لِكَي يَسيروا على فَرائضي ويَحفَظوا أَحْكامي، ويَعمَلوا بها فيَكونونَ لي شَعبًا وأَكونُ لَهم إِلهًا. أَمَّا اَلَّذينَ قُلوبُهم تَسيرُ نَحوَ قُلوبِ أَرْجاسِهم وقَبائِحِهم، فأَجعَلُ سُلوكَهم على رُؤوسِهم، يَقولُ السَّيِّدُ الرَّبّ" (حز 11: 17- 21).

 ربّنا يسوع ينتظر أن يجد في قلوبنا مكاناً يُولدُ فيه، وهذا لن يكون ممكناً إلاَّ إذ استأصلنا من قلوبنا وإلى الأبد الغضبَ والضغينةَ التي نشعرُ بها تجاه هذا وذاك من الأقرباء أو المعارِف، وحتّى تجاههُ. ربّنا يسوع لم يتجسّد حتّى يقبل هدايا مادية، بل جاء يبحث عنّا، نحن الذين أغلقنا أبواب حياتنا حزانى ينقصنا الفرح ويملأها الخوف فيجعل حياتنا في ظلمةٍ الشكوك والظنون والأوهام والمخاوف التي تأسرنا وتشلُّ حياتنا. لذا، جاء اليوم ليقول لنا: "لا تَخافوا، ها إِنِّي أُبَشِّرُكُم بِفَرحٍ عَظيمٍ يَكونُ فَرحَ الشَّعبِ كُلِّه: "وُلِدَ لَكُمُ اليَومَ مُخَلِّصٌ في مَدينَةِ داود، وهو الـمَسيحُ الرَّبّ. وإِلَيكُم هذِهِ العَلامة: سَتَجِدونَ طِفلاً مُقَمَّطاً مُضجَعاً في مِذوَد". إلهنا يُريد أن يُنيرَ ظلمتنا ويشفى جراحاتنا ويُطيّب حياتنا بحضوره، فلنقُم ولنمضِ إلى حيثُ يُريدنا الله أن نكون، فلا نبقى محبوسين في "ظُلمتنا"، هو نورُ حياتنا: "وأَشرَقَ مَجدُ الرَّبِّ حَولَهم".

والتغيير الثاني الذي يريدهُ ربّنا منّا هو أن نكون مع جُندِ السماء ممجدين ومُسبحينَ الله، وزارعي السلامَ على الأرض: "وانضَمَّ إِلى الـمَلاكِ بَغَتةً جُمهورُ الجُندِ السَّماوِيِّينَ يُسَبِّحونَ الله فيَقولون: "الـمَجدُ للهِ في العُلى! والسَّلامُ في الأَرضِ لِلنَّاسِ فإنَّهم أَهْلُ رِضاه!"، فإن كُنا نُريد أن نكون من أهلِ رضاهُ، لنهَبْ قلوبنا له، ولنضبُط لساننا وشفاهنا فلا تنطق إلا بالحق ولا نتكلم إلا بما يُرضي الله ويُمجدهُ. كلامنا أضحى تمجيداً لذواتنا وتحقيراً للآخرين. تعظيماً لإسمنا وتصغيراً لاسم القريب. مدحاً لمكانتنا وإهانةً لمكانةِ الآخرين. لذا، جاء جُند السماء ليُعلمونا أن إحتفالية الميلاد لن تكتمِل إلا بتمجيد الله، فيكون على الأرض وبين الناس السلام. فالمسيحية ليست تعاليم ووصايا بل هي حياة نعيشُها في الأرض على نحو يرى الآخرون فينا أثرَ وتأثيرَ حضور الله فيها: عمانوئيل. مَن يرانا ويتعامَل معنا سيقول: لقد وُلِد الله حقاً في حياة هذا الإنسان. الفمُ الذي تعلّم تمجيد الله لن ينزلق في ثرثرةٍ مُهينةٍ، وسيكون كلامهُ كلام نعمةٍ وطيبةٍ وسلامٍ، وهو ما نحتاجهُ جميعاً، لاسيما في هذه الأيام التي لنا فيها فرصة لنتواصَل مع الآخرين أو نتقاطع معهم.

فإذا جئتَ اليوم لتحتفِل بميلاد ربّنا يسوع لا تترُك للمجرب أن يجعلَك تحتفِل به ظاهراً، بل، احمل الطفلَ وقرّبهُ إلى قلبِكَ، وأجعلهُ يشعرُ بما تشعرُ بهِ، وسلمّهُ مخاوفَك وأحزانِك وهمومِك، فهو كفيلٌ بأن يضعَ في فمِكَ تسبحةَ شُكرٍ له، فتُنشِد مع الملائكة: "الـمَجدُ للهِ في العُلى! والسَّلامُ في الأَرضِ لِلنَّاسِ فإنَّهم أَهْلُ رِضاه!".

عيد عماذ ربّنا يسوع المسيح

التواضع بدءُ وحي الله (متّى 3: 1- 17)

لبّى ربّنا يسوع المسيح دعوة يوحنّا المعمدان إلى معموذية التوبة فخرجَ إلى البرية مُعبراً عن إستعدادهِ التام ليكون حيثما يُريده الله أن يكون، مع الإنسان الخاطئ في طريق التوبة إليه. نداء يوحنّا: "توبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّموات"، كان كافياً ليتركَ ربّنا يسوع كلَّ شيءٍ؛ العائلة والمهنة ومدينة الناصرة متوجهاً إلى بريّة اليهودية، وتقدّم الجموع التي جاءت من أورشليم ومن اليهودية ومن ناحية الأردن تسمعُ يوحنّا وتعتمذ على يده. جاء يسوع أيضاً وانحنى أمام يوحنّا ليقبلَ منه معموذية التوبة. 

كان ربّنا يسوع يعرِف ما يُريد، فبعض الذين جاؤوا عند يوحنّا كانوا ينتظرونَ مشاهدة معجزة أو الاستماع إلى عظاتِ نبيّ قدير: "يا أَولادَ الأَفاعي، مَن أَراكم سَبيلَ الهَرَبِ مِنَ الغَضَبِ الآتي؟ فأَثمِروا إِذاً ثَمَراً يَدُلُّ على تَوبَتِكم ... هاهيَ ذي الفَأسُ على أصولِ الشَّجَر، فكُلُّ شجَرةٍ لا تُثمِرُ ثَمراً طيِّباً تُقطَعُ وتُلْقى في النَّار". لم تكن الجموع تدرك كُنهَ هذهِ الرتبة، أما ربّنا يسوع فكان يعرِف ما يُريد: أن يعتمد معموذية التوبة، أن يُكمِل مشيئة الله الآب. التوبة التي تعني تغييراً كلياً لأسلوب التفكير والحياة الذي تعوّدنا عليه نحو حياة جديدة، ولا يُمكن المساومة في هذا الشأن أبداً. حياة جديدة ليست متمركزة على الذات ولا تتطلّع إلى تحقيق حاجات الأنا، بل تُريد محبّة الله وأن تُحقق رضاهُ. وأول خطوة لقبول هذه الحياة الجديدة هو إنحناء متواضعٌ لقبولِ جديد الله. 

بدأَ يوّحنا رسالتهُ، هو الذي أرسلهُ الله ليعدَّ الطريق أمام الماشيحا، وصارَ له كثير من الأتباع والتلاميذ، ويُفتَرض أن ربنا يسوع كان أحد تلاميذ يوحنّا حسبما وردَ في إنجيل يوحنّا: "وقامَ جِدالٌ بَينَ تَلاميذِ يوحَنَّا وأَحَدِ اليَهودِ في شَأنِ الطَّهارَة، فجاؤوا إِلى يوحَنَّا وقالوا له: "راِّبي، ذاكَ الَّذي كانَ معَكَ في عِبْرِ الأُردُنّ، ذاك الَّذي شَهِدتَ له، ها إِنَّه يُعَمِّدُ فيَذهَبُ إِليهِ جَميعُ النَّاس" (يو 3: 25- 26). يوحنا كان إذاً المعلّم، ويُفتَرض أن يقوم التلميذ بخدمةِ معلّمه مثلما يخدم العبد سيّده، ما عدا حلَّ نعليهِ. في البرية، يوحنا المعلّم لم يجد نفسه أهلاً لينحني ويخلع نعلَّ تلميذهِ: "وأَمَّا الآتي بَعدِي فهو أَقْوى مِنِّي، مَن لَستُ أَهْلاً لأَن أَخلَعَ نَعْلَيْه"، وجاء التلميذ ليُبيّن تواضعاً أعظم، عندما إنحنى أمام معلمهِ يطلب المعموذية. هذا هو بدءُ الوحي، تواضعُ الله. إلهنا يُعظمُّ مكانة الإنسان فينحني أمامهُ خادماً: "ما جاء ليُخدَم بل ليخدُم ويفدي بحياتهِ كثيرين". فالوجه الإنساني لله يتمثّل بالتواضع ويطلبالحياة الجديدة والرحمة، وبالتالي يُرينا الطريق إليهِ.

لاحظ يوحّنا أنه أمام المسيح، قدوس الله، إنسان بلا خطيئة، فقال له: "أَنا أَحتاجُ إِلى الاعتِمَاذِ عن يَدِكَ، أَوَأَنتَ تَأتي إِليَّ؟"، لكنَّ ربّنا علّمه أن إرادة الله الآب هي أهمُ من رأي الناس فينا، وكأنه يقول: "لا يهمني كيف تراني أنت، ما يهمنُي هو أن أصنعَ إرادة مَن أرسلني وأرسلَك، وعماذي على يدك هو تصديقٌ لرسالِتكَ وتثبيتٌ لرسالتي. فلنعمل ما يُرضي الله ويُبهجُ قلبهُ. وصادقَ الله على فعلِ ربّنا يسوع إذ أعلنَ رضاهُ: "هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت". 

غطسَ" في الماء مُبيناً طاعتهُ لإرادة الله الآب التي شاءت أن يكونَ مع الإنسان كلياً ويختبر ما يُعانيه من تحديات وصعوباتٍ. نزلَ إلى "العمُق" حيث وقعَ الإنسان أسيرَ الخطيئة، ليكون إلى جانبهِ وليهبَ له فرصة أن يرى نورَ الله بيسوع المسيح، ويتشجّع الإنسان ويسير خلفَ ربّنا يسوع نحو نور الله. "غطسَ وخرجَ من هذا الغطسِ إنساناً مُكرساً لله، وسيواصلِ الحياة ليكشِف عن طبيعة هذه البنوّة ومضمونها في حياة إتسمت بالرحمة إزاء الجميع. في فعل الغطسِ في الماء اشارة إلى إستعداد لتغيير أسلوب الحياة الخاطئ نحو حياة جديدة. فيها يُريد الله أن يكون الإنسان حُراً مثلهُ، حُراً حتّى من عظمتهِ، فــ"هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب" (فيلبي 2: 6-8). ومن خلال هذه الطاعة يكتمل فعل التحوّل الذي يُريده الله في حياة الإنسان. التوبة- التغيير ضروري ولكنه ليس كافياً لتحقيق حياة الشركة مع الله، لذا، كان لا بُد من العماذ بالروح القُدس والنار: "أَنا أُعمِّدُكم في الماءِ مِن أَجْلِ التَّوبة، وأَمَّا الآتي بَعدِي فهو أَقْوى مِنِّي، مَن لَستُ أَهْلاً لأَن أَخلَعَ نَعْلَيْه. إِنَّه سيُعَمِّدُكم في الرُّوحِ القُدُسِ والنَّار". 

ربّنا يسوع هو "البكر"، وهو الذي يتقدّمنا على طريق القداسة. الطريق الذي فيها يتبنانا الله الآب أبناء له مثلما أعلنَ اليوم في العماذ: "هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيب الَّذي عَنه رَضِيت"، فنحن نصبح بالعماذ، أبناء لله بيسوع المسيح ابن الله، الله الذي بادَر فأرسل يوحنّا ليمُهِدَ الطريقَ إلى يسوع الأبن الذي يُدخِلنا في صُلبِ علاقتهِ بالله، لنُصبحِ عائلة الله وخاصتهُ. لذا، تؤمن الكنيسة أن العماذ هو هبة من الله ونداء ينتظِر جوابنا لا من خلال طقوس العماذ فحسب، بل من خلال شهادة الحياة التي فينا نُظهِر تعاوننا مع الروح القُدس الذي يُرفرفِ على حياتنا ليُبدِع منها حياة تليقُ بأبناء الله. فجميعنا أعلنَ يومَ عماذه، بواسطة الأشبين، أننا نؤمِن بالله الآب والأبن والروح القدس وبأمنا الكنيسة، ونكفرُ بالشيطان وبأباطيلهِ، وأننا عازمون على السير في طريق القداسة متمثلين بربّنا يسوع فعيش حياة أبناء الله، وإلهنا يتطلّع لنحقق هذه المواعيد. فلنطلُب نعمة الثالوث الأقدس، الذي تجلّى اليوم في عماذ ربّنا يسوع، نعمة التواضع لنسيرَ الطريق الذي يقودنا إليه.

الأحد الأول من الميلاد

رأينا نجمهُ ... فجئنا نسجدُ له (متّى 2: 1- 23)

كان اليهود ينتظرون "حجَ" الأمم نحو الله: "ويَكونُ في آخرِ الأَيَّام أَنَّ جَبَلَ بَيتِ الرَّبِّ يُوَطَّدُ في رَأسِ الجِبالِ وَيرتَفعُ فَوقَ التِّلال. وتَجْري إِلَيه جَميعُ الأُمَم وتَنطَلِقُ شُعوبٌ كَثيرةٌ وتَقول:هَلُمُّوا نَصعَدْ إِلى جَبَلِ الرَّبّ إِلى بَيتِ إِلهِ يَعْقوب وهو يُعَلِّمُنا طُرُقَه فنَسيرُ في سُبُلِه لأَنَّها مِن صِهْيونَ تَخرُجُ الشَّريعَة ومِن أُورَشَليمَ كَلِمَةُ الرَّبّ" (إش 2: 2- 3)، فرأى متّى الإنجيلي تحقيق هذه النبؤات في ولادة ربّنا يسوع المسيح من خلال استجابة مجوس من المشرِق لرؤية نجمٍ مميّز في السماء فجاؤوا ليبحثوا عن الطفل- الملك وليُقدموا التعبّد اللائق له. المجوس: حُكماء من المشرق يتمتعون بمعرفة دينية ولهم دراية عميقة في الفلَك. تميّزت حياتهم بحُبهم للحقيقة وكان لهم الإستعداد للترحال بحثاً عنها. ونحن نعرِف أن متّى الإنجيلي كان يُريد أن ينقل لنا "تعليماً لاهوتياً" أكثر منه معلومات فلكية تاريخية، لاسيما "موضوع إعلان مسيحُ الله للوثنيين". لقد أرادَ أن يقول لنا: إنَ الحُكماء (المجوس) تعرفوا إلى المسيح يسوع، فالحكمة تقود الإنسان الباحِث عن الحقيقة إلى المسيح، كما تقود النبؤات المؤمن إلى المسيح أيضاً. 

فمع المجوس تنطلق البشرية كلّها نحو المسيح حاملين انتظارات البشرية بأسرها للقاء المسيح، المُخلِّص. وهو (أي متّى)، وعلى مثال سفر التكوين، يُريد إخضاع الخليقة للخالِق ويهبَ للإنسان كرامة المخلوق على صورةِ الله. حيث كان الإنسان يتوجّه نحو النجوم ليعبدها ويُقدِم لها الذبائح لتدفع عنه تهديدات الطبيعة، يأتي "نجم المجوس" هذا ليُشيرَ إلى الإنسان، فهو الذي يُحترَم ويُكرّم، فالنجم يتبعُ الإنسان ويُشيرُ إليه، لأن الإنسان، المخلوق على صورة الله، أعظمُ من كل الخلائق. فمحبّة الله هي التي تُسيّر الكون، وتُحرِك الكواكب، فلا مجال للإيمان بالقدرية أو الصُدفة، بل بروح الله التي ترفرف على وجهّ الأرض (تك 1: 2)، الإيمان بمحبتهِ التي ظهرَت بملئها بيسوع المسيح. 

بادرَ الله وحضرَ إلى جانب الإنسان، فولد في بيت لحم، واستجابَ المجوس لهذه المُبادَرة ليس إعجاباً بهذا الحدث، بل تحركاً مسؤولاً: "رأينا ... فجئنا ...". حضور الله يتطلّب استجابة مُلتزِمة من الإنسان. هذه الإستجابة تتضمن بحثاً يقظاً ومسؤولاً. فالمُجرِب يحومَ حولنا، ويُريد أن يُعكّر صفاءَ المسيرة، ولا نستغرِب إذا كنا، مع حُسن نوايانا، نلتقي "الشخص" الذي يسدي الينا بنصائح خاطئة (هيرودس إنموذجاً)، والتي من شأنها لو تحققت أن تُدمِر كل المسيرة. اليقظة ستجعلنا نميّز إرداة الله التي تتشابَك مراراً مع مصالح الإنسان الأنانية مؤمنينَ أن الله الآب لن يتركنا وحدنا، بل سيأتي إلى عوننا ما دُمنا أمناء في المسيرة. جاؤوا يسألون: "أَينَ مَلِكُ اليهودِ الَّذي وُلِد؟ فقَد رأَينا نَجمَه في المَشرِق، فجِئْنا لِنَسجُدَ لَه" (2: 2)، وهي نفس العبارة التي ستُكتَب على الصليب: "ووَضعوا فَوقَ رَأسِه عِلَّةَ الحُكمِ علَيه كُتِبَ فيها: "هذا يسوعُ مَلِكُ اليَهود" (27: 37). ففي بحث المجوس عن الطفل تضطرِب أورشليم مثلما إضطربَت يومَ دخول ربّنا يسوع أورشليم: "إرتجّت المدينةُ" (متّى 21: 1). 

"دَخَلوا الَبيتَ فرأَوا الطِّفلَ مع أُمِّه مَريم"، تُشيرهذه العبارة إلى مكان تواجد الطفل، حيث يهبُ الله نفسه للإنسان، ويستسلم الإنسان إلى محبّة الله. مريم تحتضنُ الله تحت سقف بيت غير معروف، وهي تنتظر "مَن يبحَث" عن الله لتتعّبد له. لم تنطق بكلمةٍ أمام حضور الله، بخلاف هيرودس المُضطرب والقلقِ، والذي جعل الجميع يضطرِبون معه، بل واصلت العناية بالطفل لتُغذيه، وتحميه، وهذا هو فعل العبادة الذي التزمت به، وهي تواصِل هذا العمل إلى يومنا هذا فتُرشدنا مثلما أرشدت الخدَم: "إفعلوا كل ما يأمرُكم به". مريم حاضرة لأن تُقدِم الأبن الإلهي لكل مَن يبحث ويجد ويعبُد، لأنها هي الأولى التي تتقدمنا في فعل العبادة، فحين كان المجوس يتبعون النجم، كانت أمنا مريم تعتني بالطفل، وحين كان هيرودس يبحث عن الصبي، كانت تعتني هي بالصبي، وحين فتش العلماء في الكتب كانت هي تعتني بالطفل، حتّى قدمتهُ للعالم. في فعل الحب والعطاء الكامل سنجد المسيح دوماً، حيث الله يهبُ نفسه للإنسان، وحيث الإنسان يستقبل هذا الحب بتواضع وطاعة إيمان؛ سنجد المسيح ثمرة هذا اللقاء الإلهي – الإنساني. 

لم يسجد المجوس أمام هيرودس الملِك، ولكنهم سجدوا للطفل المولود ملكاً، وقدّموا له هدايا تُعبّر عن إكرام الشعوب لإله إسرائيل مثلما أعلنَ إشعيا: "حينَئذٍ تَنظُرينَ وتَتَهَلَّلينويَخفُقُ قَلْبكِ وَينشَرِح فإِلَيكِ تَتَحوَلُ ثَروَةُ البَحْر وإِلَيكِ يأتي غِنى الأُمَم. كَثرَةُ الإِبِلِ تُغَطِّيكِ بُكْرانُ مِديَنَ وعيفَة كُلُّهم مِن شَبَأَ يَأتون حامِلينَ ذَهَباً وبَخوراً يُبَشِّرونَ بِتَسابيحِ الرَّبّ" (إش 60: 5- 6). وليُعبروا عن ألقاب المسيح الثلاثة: الذهب إشارة إلى ملوكيتهِ (آمنوا به)، والبخور إلى آلوهيتهِ (قدّموا فعل العبادة له، قابلية الإنسان للإستسلام لله) والمُر إلى سرّ آلامهِ (أعلنوا سرّ آلامه وإمكانية الإنسان للمُشاركة في سرّ الخلاص والتبشير). تعبّدهم جاء خاتمة بحثٍ مُشتاق إلى سّر محبّة الله الذي دفعتهُ ليكون إنساناً إلى جانب الإنسان. هم كانوا متأكدين أن الطفل – الملك ليس بحاجةٍ إلى هذه، لكنها كانت هدايا رمزية تُعبّر عن تعبدهم واستسلامهم التام إليهِ، وهذه هي الهدية العُظمى التي ينتظرها الله من الإنسان: الإيمان، التعبّد المُحبِ من دون خوفٍ، والتبشير به إلهاً مُحباً خلال شهادة الحياة فيُشاركوه عمل الخلاص.  

الأحد الرابع من البشارة

يوسف الصديق: إيمان وطاعة ملتزِمة (متّى 1: 18- 25)

يُخبرنا متّى الإنجيلي أن مريم كانت مخطوبة ليوسف، والخطوبة في العُرف اليهودي آنذاك كانت تعني عقداً قانونياً بين شريكين، بحيث كان بالإمكان أن تُدعى زوجة يوسف حتّى لو لم تنتقل بعد إلى البيت الزوجي. كانت المخطوبة تعيش في بيت أبيها سنة واحدة ثم تنتقل في احتفال إلى منزل زوجها، وهذا ما كان متوقعاً في خطوبة يوسف ومريم، ولكن، يوسف أكتشفَ أن مريم خطيبتهُ حُبلى، ولم يكن يُوسف يعرِف ما الذي دبّره الله، فظنَّ أن مريم نكثت بالعهد، وكان عليه أن يهجرها أو أن يقدمها إلى محكمة أو أن يُسلّمها كتاب طلاق سراً، وهذا ما فكّر فيهِ لأنه لم يرد أن يشهرها. لقد أحبَّ مريم حتّى وإن خيّبت ظّنهُ، وأرادَ تحقيق العدالة مثلما تُوصي الشريعة، ففكّر في حلّ يجمع ما بين العدالة والحُب والرحمة، وقرر أن يُخليها سراً دون أن يُعرّضها لفضيحة. 

يوسُف الصديّق (البار) هو إنموذج الإنسان الذي يُبقي الحوار مع الله متواصلاً لاسيما في الساعات الحرجة في حياتهِ فيُصلي في أزماتهِ. وكشفَ بذلِك عن صداقةٍ أصيلة مع الله. ولأن الله لن يتركَ "الصديقَ" في ضيقهِ فأرسلَ إليهِ ملاكهُ ليُثبّته في الإيمان ويكشِف عن هوية مريم، ويُعرفه بأن ما يختبره في حياتهِ إنما هو تواصلٌ لما وعدَ به الله وباركهُ في سابِق الأجيال. فالحبل لم يكن بسبب خيانة مريم ليوسف بل بتدخُلٍ إلهي: "يا يُوسُفَ ابنَ داود، لا تَخَفْ أَن تَأتِيَ بِامرَأَتِكَ مَريمَ إِلى بَيتِكَ. فإِنَّ الَّذي كُوِّنَ فيها هوَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس" (متّى 1: 20)، في إشارة واضحة إلى أننا أمام خلقٍ جديد: "في البَدءِ خلَقَ اللهُ السَّمَواتِ والأَرض وكانَتِ الأَرضُ خاوِيةً خالِيةوعلى وَجهِ الغَمْرِ ظَلام ورُوحُ اللهِ يُرِفُّ على وَجهِ المِياه" (تك 1: 1-2).

تصرّف الله مع يوسف مثلما يتصرف صديقٌ حميمٌ مع صديقهُ، فيكشِف له عن "السر" الذي جهلهُ، كما فعل الله مع إبرهيم عندما أرادَ معاقبةَ أهل سدوم وعموّرة (تك 18: 17- 20)، وكشفَ ليوسُف عن سرّ الحبل وحرره من قلقه وهمومهِ في نفس الوقت، وشرح له "سر" هذا الحبل ورسالة الطفل، وكلّفه برسالة: "أن يُسمي الطفل" ليكون والدهُ الشرعي، وشرح له معنى الأسم: "يسوع: لأنه سيُخلص الشعب من خطاياهُ". وهذا الخلاص له توجهان: يُحرره من الخطايا وعودة الشِركة مع الله التي فُقدِت بالخطيئة. 

برارة يوسف كانت في إستعدادهِ ليكون تحت تصّرف الله وفي خدمتهِ، مؤمناً بهِ حتّى لو لم يفهَم ما يُريده الله منه. برّه كانَ في قُدرتهِ على تمييز إرادة الله لأنه أصغى بإعتناء إلى صوتِ الله. شعرَ بما يُريد الله منه. سَمحَ يوسف لله بأن يأخذ المكانة المُطلقة في حياتهِ، ولم يدع لأفكاره وتأملاتهِ أن تجّره إلى طُرق عنيفة أو ظالمة وإلى حلول فوضويةٍ، بل واصل السير في ظلمة الأفكار التي تتصارَع فيه، حتّى "جاءه الله" في زيارة خاصّة فأنارَ الطريق أمامهُ، فانسحبَ من "إجراءات المنطق البشري"، واستسلمَ كلياً لله (نامَ نومَ المتأمِل)، حتّى لو لم يفهم تدبير الله ومطالبه: "لهُ يَرُزقُ حَبيبَه وهو نائم" (مز 126: 2)، ونومُ الصدّيق ليس تهرباً من مشروع الله، بل إنفتاح للحضور الإلهي في حالةٍ من الوعي حيث يضعُ الإنسان جانباً افكارهِ وتصاميمهِ الخاصة ليسمَح لله بالتفكير فيه ومن خلالهِ. 

قَبِلَ يوسف، من خلال مريم سرّ الله أيضاً، وأُعطي له أن يهبَ للطفل إسماً يُعّبر عن هويتهُ ورسالتهُ: وستَلِدُ ابناً فسَمِّهِ يسوع، لأَنَّه هوَ الَّذي يُخَلِّصُ شَعبَه مِن خَطاياهم". فكان يوسف أول الإنجيليين، أو المُبشرين بالخلاص الذي صارَ لنا بربّنا يسوع. على يوسف الإعتناء بالأم وطفلها، وأن يكون الحارس الأمين على "تابوت العهد"، مريم على مثال داود الملك، يتقدمه مُصليا راقصاً. لقد صارَ مع ظهور الملاك شريكاً في سرّ تجسّد الله، وعليه أن يتبنّى الطفل قانونياً كإبنهِ. الله هو الذي سمّى الطفل: "لاتَخَفْ فإِنِّي قَدِ آفتَدَيتُكَ ودَعَوتُكَ بِآسمِكَ، إِنَّكَ لي" (إش 43: 1)، فهو له، ولكن بطاعة يوسف صارَ هذا الولد "إبنَ داود". 

"فلمَّا قامَ يُوسُفُ مِنَ النَّوم، فَعلَ كَما أَمرَه مَلاكُ الرَّبِّ".كشفَ يوسف عن طاعتهِ وفعلَ كل ما امرَهُ به الملاك دون إبطاءٍ. فلم يُؤجِل المهمّة لأيامٍ، ولم يستشر مُفسِرَ أحلامٍ، بل كمّل كل ما أوصاه به الملاك، فصار الحارس والمُدبر والمعتني والمُحّب والمرافِق للأم وطفلها مُتخلياً عن إرادتهِ ورغباتهِ الشخصية ليكون تحت تصرّف تدبير الله الخلاصي. دُعي ليُحبِ خطيبتهُ وزوجته في بتوليتها، ويعتني بطفلها دون أن يتوقّع مكافآتٍ شخصيةٍ، وهو على أتمّ استعداد ليتحملالمشقات بسبب هذه الدعوة. دعوته كانت: أن يكون الأب المرئي لتدبير الله الخلاصي على الأرض، أن يخدُم إبن الله وأمه بسخاء تامٍ، وهذه مكافأة بحدّ ذاتها. 

يُوجه يوسُف اليوم رسالةً إلى كل العوائل مضمونها: أهمية الإنفتاج لتدبير الله، فإرتباطُكم ليس رغبة بشرية بل هو جزءٌ من مشروع الله الكبير لكلِّ واحدٍ منكم. هذا المشروع نستقبلهُ بالإيمان ونرعاهُ في احترامنا الواحد للآخر. محبتنا التي ترعى الآخر بعناية فائقة. حرصُنا على سمعةِ الآخر وكرامتهِ. إنشغالنا بكل ما يؤولُ إلى خير الآخر. أن نفتش عن سعادة الآخر وراحتهِ. إلتزامنا بأن نسير معاً في طريق الإيمان فنجعل من بيوتنا أمكنة ينمو فيها الأولاد "بالقامة والحكمة والنعمة"، فنحول الإيمان إلى عملٍ مُحبٍ وواقع ليغدو كل بيت فرصة للقاء الله.

الأحد الثالث من البشارة

يوحنّا: نبيٌّ يُعلِن خلاص الرب (لو 1:  57- 80)

امتلأ زكريا من الروح القُدس فأنشدّ يوم ميلاد إبنه يوحنّا، وبعد صمت تسعة أشهرٍ قضاها في التأمل في تدبير الله الخلاصي، أنشدّ مُسبحاً الله على نعمة الخلاص التي صارتَ لبيتهِ ولشعبهِ، شاكراً حضور الله الذي لن يكون حضور ديّان يُريد معاقبة الخطأة وهلاكهم بسبب قساوة قلوبهم، بل حضورٌ خلاصي، وسيكون إبنه يوحنّا شاهداً لرحمةِ الله وحنانهِ، ليقودَ خُطى الإنسان إلى السلام: "وأَنتَ أَيُّها الطِّفْلُ ستُدعى نَبِيَّ العَلِيّ لأَنَّكَ تَسيرُ أَمامَ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَه وتُعَلِّمَ شَعبَه الخَلاصَ بِغُفرانِ خَطاياهم. تِلكَ رَحمَةٌ مِن حَنانِ إِلهِنا بِها افتَقَدَنا الشَّارِقُ مِنَ العُلى فقَد ظَهَرَ لِلمُقِيمينَ في الظُّلمَةِ وَظِلالِ الـمَوت لِيُسَدِّدَ خُطانا لِسَبيلِ السَّلام". كشفَ زكريا الكاهن عن ملامح رسالة إبنه النبوية، فهو سيسير أمام الربّ "نبياً" يُعلِن برَّ الله ويُعد الطريق ويُعلّم سُبُلَ الخلاص. ونريد أن نتأمل في هذه العبارة: "تعلّم شعبهُ الخلاص".

لم يقل زكريا: تُرشدهم إلى "طريق التوبة" أو تعلّمهم "التوراة"، أو "توصيهم بأن يُكملوا متطلبّات الشريعة" بل قال: "الخلاص". الخلاص الذي سيُعلمه يوحنا لشعب الله لن يكون بإنقاذهم من خطرٍ جسدي يُحدِق بهم وهم يعيشون تحت نير الرومان وبطشهِم، بل الأهم هو أن يصلَ بهم إلى "السلام"، الذي يعني: المُصالحة مع الله بغفران الخطايا، لأن الخطيئة تخلق حالة العداوة مع الله ومع الإنسان على حدٍّ سواء. لذا، فالرّب آتٍ ليُخلِص الإنسان، والخلاص يتطلّب أن يبسُط نورهُ على الأرض: "ليكن نور" (تك 1: 3) وهو أول فعلٍ خلاصي قام به الله. وحيثما يكون النور سيُقبِل إليه كل الذين لا يخافون النور، لاسيما أولئِك الذين يعملون الصالحات.

كان زكريا الكاهن يعرِف ان الله قد سبقَ فخلص شعبهُ من أزمات كثيرة بدءاً من عبودية مصرَ وعنايتهُ بهم في الصحراء ومرافقته للقضاة وللملوك ومساندتهم في الأزمنة الصعبة. كان يؤمِن، مثلما يؤمِن كل الشعب، أن الله هو "المُخلِص"، لأنه "آمين" ولا يتراجع عن وعدهِ أمام خطيئة الإنسان، لذلك يأتي الخلاص هبةً من الله لا مكافأة أو إستحقاقاً. فالله يُنعِم بالخلاص على الإنسان الذي يُؤمِن به ويرجوه في الصعوبات، وليس على الإنسان "الذي يُكمِلُ ما تطلبهُ منه الشريعة". فعلى يوحنّا أن يُهُيئ الطريق للرب ويُرشِد الناس ليستعدوّا بتغيير حياتهم الخاطئة ويرفعوا عن طريقهم ما يُعيق مجيء الله، ليقبلوا المسيح، وعندما يقبلوا (يؤمنوا به) المسيح، يحصلوا على السلام، ويُصبحوا أبناء النور: "فقَد ظَهَرَ لِلمُقِيمينَ في الظُّلمَةِ وَظِلالِ الـمَوت لِيُسَدِّدَ خُطانا لِسَبيلِ السَّلام"، فمع المسيح يسوع، سننتقل من حالة الظلمة إلى النور.

الخلاص إذاً هو "خلاص القلب"ـ أي التوبة والإهتداء إلى الله. هكذا سيُقدّم الإنسان المُخلّص فعلَ العبادة لله من دون خوف، لأنه يدخل معهُ إلى علاقة محبّة: "الأبن مع أبيهِ"، وهو ما سيشرحهُ ربنا يسوع في قصّة الإبن الضال التي سيرويها لوقا لاحقاً، بل أكثر من ذلك هو الراعي الذي يترُك الخراف ليبحث عن الخروف الضآل، ليكشِف عن عظمة المحبّة التي يكنّها الله للإنسان لاسيما الخاطئ لأن الله يُحبُ الخاطئ ولا يُريد الخطيئة. 

وعلى الإنسان الذي نالَ نعمةَ الخلاص، فصارَ في ديار النور، أن يعيشَ حياة القداسة والبِر، فيُبشّر بشهادة حياتهِ بإنجيل الخلاص الذي نالهُ: هو من أبناء النور. فالخلاص ليس دعوة للكسَل الروحي، بل عليه أن يقبل كلمة الله ويحفظها بأمانةٍ (يعقوب 1: 21)، ويُغذي إيمانهُ بمعرفة الكُتبِ (2 طيمو 3: 15)، فيُثمِر أعمالاً صالحةً (يعقوب 2: 14)، ويُجاهِد لأن المُجرّب سيحاول جذبهُ بعيداً عن الله، فيجب أن يكون أرضاً طيّبة تستقبل كلمة الله لتتعمّق فيها فلا يخطفها المُجرّب (لو 8: 12). زكّا العشار نالَ الخلاص لأن الله قرر أن يُقيمَ عنده (لو 19: 5) وحضور الله جعلهُ رحوماً لأن الرحمة، كلمة الله، عمّذتهُ فوُلِدَ من جديد، وخلاصهُ إنعكَس رحمةً على حياة الآخرين، لاسيما الضعفاء والمساكين الذين إستغلهم بجشعهِ. 

أمام مُبادرة الله الخلاصيّة هذه يعلّمنا زكريا أن علينا أن نلتزِم بخطوتين في حياتنا: الأولى إستقبالهُ في حياتنا متأملين تدبيره في حياتنا، والثانية أن نُقدِم حياتنا له. فإستقبال ربّنا يسوع المسيح ليس مُحدداً بإحتفالية يوم أو يومين نقضيها في أفراحٍ ظاهرية، الأهم هو إستقبالهُ ربّا ومُخلّصاً. ومثل هذا الإستقبال يجب أن يتضمّن التوبة والإهتداء، أي تغييراً جوهرياً في حياتنا ليكون الخلاص فاعلاً. هذا الإهتداء ممكن لمَن عَرَف الصمت والتأمل في كلمةِ الله على مثال زكريا. هذا الصمت يُساعدنا في أن نُحسِن الكلام، بل أن ندَع الروح القُدس يتحدّث فينا ومن خلالنا. فإذا اتفقَ وأن اختبرنا مُشكلة أو أزمة، فالروح القُدس يُعلّمنا التريث قبل النُطقِ بأي كلمةٍ، وسيأتي الكلام تسبيحة ونشيداً، ونحن واعون بأننا قلنا كلمات كثيرة بعجلةٍ وتندمنا بعدها.

سنُقبلُ إلى إلهنا حاملين له حياتنا بكل ما تتضمنهُ من خطايا، لآننا مؤمنون بأنه "المُخلِص" ولن يحكم علينا، بل سيُعيننا لننكشِف أمامهُ، هو النور الحق، نتعرف ونعرف حقيقة ذواتنا: مَن نحنُ؟ خطايانا لن تمنعنا من الإقترابِ منهُ، بل سنعمل على أن نسير أمامه سيرة أبناء النور فنعمل كل ما هوَ صالحٌ وحقٌّ، وقد أعادَ يوحنا ما علمه ربّنا يسوع عن المحبّة الأخوية في وصفهِ لأبناء النور فكتب: "مَن قالَ إِنَّه في النّور وهو يُبغِضُ أَخاه لم يَزَلْ في الظَّلام إِلى الآن. مَن أَحَبَّ أَخاه أَقامَ في النُّور ولم يَكُنْ فيه سَبَبُ عَثرَة. أما مَن أُبغَضَ أَخاه فهو في الظَّلامِ وفي الظَّلامِ يَسير فلا يَدْري إِلى أَينَ يَذهَب لأَنَّ الظَّلامَ أَعْمى عَينَيه" (1 يو 2: 9- 11).

الأحد الثاني من البشارة

"الطاعّة: فعل الإيمان" (لو 1: 26- 56)

كشفت بشارة الملاك لزكريا الكاهنّ وإليصابات، وهي من عائلة كهنوتية أيضاً، أن يوّحنا سيكون "الرسول" الذي يتقدّم "إبن العلّي" في مجيئهِ بيننا. يوحنّا، هو إبنٌ سلالة كهنوتية، فهو كاهن. لم يختر هو أن يكون كاهناً، بل الله اختاره، وولادته "المعجزة"، علامةُ تكريسهِ المُطلّق لله. هو ممتلئٌ من الروح القُدس من بطنِ أمّه، فلن يكون كاهن طقوس وأزمنةٍ مخصصة، بل هو كاهنٌ في خدمة تدبير الله.. ويُعلّمنا القديس لوقا حقيقةَ أن كل كهنوت العهد القديم إنّمّا هو إعلان وإعداد لقدوم ربّنا يسوع المسيح المُخلص، فتوجيهات الأنبياء الأخلاقية وتعليم الكهنة ليس من أجل تنقية القلوب فحسب، بل، لتتهيأ لتكون حافظة "الزرع" الذي يبذره الزارع، كلمتهُ المُحيّة. 

جاء الله ليسكن بين البشر وينتظر جواب الإنسان الحُر، إلا أن الإنسان، وخلال قرون طويلة، وما زال، أظهر رفضهُ للحضور الإلهي، فدخل العالم في ظلمةِ الخطيئة وعنفها. مجيء الله هذا لن يكون مهيباً في شكلهِ، بل في مضمونهِ. لأنه اختارَ الحضور بيننا متواضعاً فتخلّى عن المدينة العظيمة، أورشليم، وعن الهيكل والسلالة الكهنوتية، ليحضر عند فتاة غير معروفة، تسكن مدينة صغيرة مجهولة، وحيّاها بعبارة: "إفرحي أيتها المُمتلئة نعمةً"، وسيُعلنها للرُعاة مرّة أخرى: "ها أنا اُبشرّكم بفرحٍ عظيمٍ". تحيّة تكشِف لنا عن جوهر رسالة الخلاص التي يُريد الله أن يجسّدها في حياة الإنسان: الفرح، فهو لم يأتِ ليدينَ الإنسان، بل ليُخلّصهُ. والخلاص يتحقق اذ يتجاوب الإنسان، بطاعتهُ، مع تدبير الله الخلاصي. فالله الذي خلقَ الإنسان حُراً، لن يُخلّصهُ إلا بإرادتهِ الحُرّة، فالإنسان الحُر والشجاع وحدهُ قادر أن يقوم بفعل الإيمان.

"لا تخافي يا مَريَم، فقد نِلتِ حُظوَةً عِندَ الله". اختارَ الله مريم، فصارت هي كُلياً له، مُكرَسة له، فهي تحمل كلمتهُ. الله فيها وهي في وسط هذا العالم، فأضحى بطن مريم "مركز الخليقة كلّها". هي الهيكل الجديد، وهي تعرِف ذلك، وتواصِل عبادتهُ بصمتٍ ومهابة متأملّة في كلمتهِ: "ما معنى هذا؟" الله لم يعد إلهاً بعيداً تناديه في الصلاه، بل أضحى إلهاً فيها تقبلهُ بتواضع وصمتٍ ومهابة وتأملٍ وتفكير.

اختبرَ الله طاعة مريم في العمق، لقد عرّضها "للتشهير" لأنها قد تُفضَح وتُطلَق وتتعرّض للرجم والعقاب، ومع ذلك، قَبِلَت مريم "فعل الله" هذا بطاعة تامّة: "ها أنذا أمةُ الرب فليكن لي حسبَ قولِكَ. طاعة أمنّا مريم لتدبير الله جعلت حضورهُ واقعاً على الأرض إذ سمحَت له بأن يتجسّد فيها، فما صارَ لنا كان بسبب قبولها. فهي تعرف أن الملاك الذي حيّاها لن يكون إلى جانبها دوماً، بل سيتركها لتتحمّل وحدها هذه المهمّة الخطيرة، وعليها أن تواجه خطيبها يوسُف، وتهبّ للعالم كلمة الله، ربّنا يسوع المسيح، الذي سيدعو الناس إلى الإهتداء، إلى تغيير مسار حياتهم، وهو ما لن يُسِّر الجميع. فقسوة قلب الإنسان تمنعهُ أن يتصالح مع نفسه ومع الله ومع الآخرين.

"نالت حظّوة لدى الله واختارها هيكلاً ومسكناً للعلي". وهذا أمر جعلَ أمنا مريم أكثر تواضعاً فرتلّت أمام نسيبتها إليصابات ممجدة عظمة عمل الله فيها، فهو المُخلَص. وفي اعترافها هذا تُعلِن باسم كل المُحتاجين والمظلومين والفقراء والمعذبين حاجتهم إلى الخلاص، لأنهم يشعرون بأنهم عاجزون ومحبوسون في عوزهم. مَن يعتقد متوهماً أنه قادرٌ ومُكتفٍ بذاتهِ، لا يشعُر بالحاجة إلى الخلاص، مثلنا نحن الذين صِرنا نتذكّر الله في مناسباتٍ متميّزة في حياتنا، ونتصرّف كما لو كُنّا قادرين على كلَّ شيءٍ، حتّى نتفاجأ بالحقيقة: نحن بحاجةٍ إلى مُخلِص. إعتراف مريم أمنا بأن الله هو "المخلص" يعني أننا لن نطلبُ الخلاص من بشرٍ. وإذا اختارَ الله احدى هذه الوسائل ليكون فيها معنا، فهي لا تُلغي أهمية الإيمان به والطاعة لتدبيرهِ.

"إسمهُ يشوع، المُخلّص"، الخلاصُ آتٍ إذاً، فالمسيح جاء ليُخلّص الشعب من خطاياهم. قدومه ليس ليُجدّد مملكة داود أو أن يُؤسس مملكةٍ سياسية أو قومية. ولم يأتِ ليهبَ الإنسانَ أن يعيش حُريتهُ مثلما يرغب، بل ليُنقذهُ من عبودية ذاتهِ ويُعيدهُ إليه: أنت بحاجةٍ إلى الله. فلطالما توهّم الإنسان بأنه ليس بحاجةٍ إلى الله مُصدقاً كذبّة المُجرّب لأمنا حواء: "فاللهُ عالِمٌ أَنَّكُما في يَومِ تأكُلانِ مِنه تَنفَتِحُ أَعيُنُكُما وتَصيرانِ كآلِهَةٍ تَعرِفانِ الخَيرَ والشَّرّ" (تك 3: 5). وأمام هذا المجيء الخلاصي لا يُمكننا أن نُخفي حقيقة "خطيئتنا"، وحاجتنا إلى الخلاص، أن تعود الحياة إلى علاقتنا بالله فتستقيم لتنتظِمَ بعدها كلَّ العلاقات الأخرى في الحياة.  

فلنُصلِ اليوم، ليُباركنا ربّنا بحضورِه فينا ومعنا، ويسند خُطانا لنكون على مثال أمنا مريم، الإناء النقي الذي اختاره الله ليحلّ بيننا، ويُقوينا ليكون جوابنا شجاعاً على دعوتهِ، وهذا ممكن. فالعذراء مريم، أختنا وأمنا قالت "نعم"، وهذا يعني اننا قادرون على أن نقول مثلها: "نعم لحضورِك يا رب، وتاريخ الكنيسة يشهد لقديسين إستجابوا لهذه الدعوة فأضحوا مناراتٍ على الطريق، وقوّة تسند خُطانا نحن جميعاً. 

عيد العذراء مريم المحبول بها بلا دنسٍ أصلي

"صنعَ بي العظائم َالقُدوس اسمهُ"

 

أعلن البابا بيوس التاسع في 8 كانون الأول 1854 "أَن الطوباوية مريم العذراء حُفظت معصومة من دنس الخطيئة الأصلية منذ اللحظة الأولى من الحبل بها، وذلك بامتياز ونعمةٍ خاصة من الله القدير بالنظر إلى إستحقاقات يسوع المسيح فادي الجنس البشري"، وهو يعني: "أنها كانت أولَ مَن نالَت نعمةَ الفداء التي صارت لنا بيسوع المسيح"، فأعادَ لها بهاء الصورة التي فيها خُلِقَ الإنسان، والتي فقدها بالخطيئة، خطيئة أبينا آدم حواء.  

لم تقصد الكنيسة أن تقول: إن أمنا مريم حُبِلَ بها من الروح القُدس مثلما حبلت هي بربّنا يسوع المسيح، ولم تُعلم يوماً أن أمنا مريم لم تكن بحاجةٍ إلى الخلاص، فهي نفسها أنشدت: "تُعظمُ نفسي الرب وتبتهجُ روحي بالله مُخلّصي"، فهي كانت تشعر بحاجتها إلى الخلاص. فالحبل بلا دنسٍ أصلي يُعظمُ عمل الله الخلاصي مثلما قالت مريم أمنا: "صنعَ بيَّ العظائمَ القدُوس إسمهُ"، فكانت الشاهدة الأولى للفداء الذي صارَ لنا بيسوع المسيح. 

الحبل بلا دنسٍ أصلي يعني أنها صارت مكرسةً لله بشكلٍ مُطلّق، ولم يقترِب منها المُجرّب، لأن الله "ملأها بالنعمة" وحيّاها الملاك: "يا ممتلئة نعمةً" أي: "المُكونّة بالنعمةِ"، فقدّمت نفسها وحياتها خادمة لتدبير الله الخلاصي: "ها أنا أمةُ الربِّ فليكنُ لي كقولِكَ". عطاءُ الذات جعلها "تدخل" إلى تدبير الله الخلاصي بفعل طاعة الإيمان، دون أن يسلبها حُريتها، بل أقدَمَت على طاعة الإيمان لأنها كانت حُرّة، وحفِظَت نفسها إناءً طاهراً لإبنها يسوع المسيح. الله هو الذي بادَرَ وقدس أمنا مريم، مثلما طَهر إرميا وهو في بطن أمه: ”قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرّحم قدّستك…” (إر1: 5)، وملأ يوحنا المعمذان من الروح القُدس: "لأنَّه يكون عظيمًا أمام الرّبِّ وخمرًا ومُسكرًا لا يشرب. ومن بطن أمه يمتلىء من الرّوح القدّس." (لو1: 15) بعضهم يقول: "ما دامت ممتلئة نعمةً، ولأن الله اختارها وصانها منذ الحبل بها، فهي ستتغلّب على التجارب بالعون الذي صارَ لها منهُ. ولكنّ القديس لوقا يُشير قائلاً: "وَانصرَفَ الـمَلاكُ مِن عِندِها" في إشارة واضحة إلى أن الملاك لم يُرافقها دوماً ليحميها من التجارب، بل كان عليها أن تواصِل الإصغاء والتأمل في كلمة الله وحفظها: "وكانَت أُمُّه تَحفُظُ تِلكَ الأُمورَ كُلَّها في قَلبِها" (لو 2: 51).

هذه النعمة لم تكن لمَريم أمنا فحسب، بل هي للإنسانية جمعاء، ففي طاعتها فسحت المجال رحباً ليدخل الله تاريخنا الإنساني ويجعل سُكناه بيننا من دون أن يُعيقهُ شيءٌ. في أمنا مريم إنتصرت إرادةُ الله، وفيها أعلَن الله الغلبةَ لأنه آمنَ أن في الإنسان شوقاً إليه لا يبغي المُكافأة أو المُجازاة بل يُحبهُ حُباً طاهراً من دون دنسٍ. فنجحَت أمنا مريم فيما فشلِت فيه أمنا حواء، فكلاهما خُلقا من دون دنسٍ، حواء صارت سبب خطيئتنا بتكبّرها، ومريم سبب حياتنا بتواضعها على حدّ تعبير مار أفرام.

في الإنسان خوفٌ من الله إذ يعتبرهُ الحاكم الديّان القاسي الذي يُريد معاقبتهُ بسبب خطاياهُ. في الإنسان خوفٌ من أن يُزيحهُ الله مُصدقاً كلام المُجرّب لأبينا آدم وحواء: "مَوتًا لا تَموتان، فاللهُ عالِمٌ أَنَّكُما في يَومِ تأكُلانِ مِنه تَنفَتِحُ أَعيُنُكُما وتَصيرانِ كآلِهَةٍ تَعرِفانِ الخَيرَ والشَّرّ" (تك 3: 4- 5). في الإنسان رغبةٌ في أن يكون السيّد والمُتسلّط على حياتهِ فلا يُزعجهُ صوت الله الذي يدعوه إليه. وجميعُنا مُنجذبون إلى "عبادة اصنامٍ كثيرة" أولها إرضاءُ الذات وتمجيدُها، هذه هي الخطيئة الأولى "أن نُكرِم آلهةً أخرى غير الله"، فنبتعِد عنهُ متوهمينَ أنه سببُ تعاستنا. فالخطيئة الأصلية تعبير عن "رغبتنا في أن نكون آلهة من دون الله". أمنا مريم اختبرَت كل هذه المشاعِر الإنسانية، وتألمت بسبب دعوتها وحزَّ في نفسها سيفُ الألم: "وأَنتِ سيَنفُذُ سَيفٌ في نَفْسِكِ لِتَنكَشِفَ الأَفكارُ عَن قُلوبٍ كثيرة" (لو 2: 35)، ولكنها لم تفقد رجاءها بالله، بل واصلت مسيرة الإيمان ورافقت إبنها يسوع لا في أوقات مجده، بل في ساعات الرفض والموت على الصليب، وساندت الكنيسة الأولى بالصلاةِ، وكشفَت في حياتها عن مفاعيل الخلاص الذي صارَ لنا بيسوع المسيح. 

عيد اليوم يُذكرِنا "بالأصل" الطاهِر لجنسنا الذي تشّوه بالخطيئة، إذ مال الإنسان ليُنصّبَ نفسه "إلهاً" ورغباتهِ صنماً يُعبَد. عيدٌ يسنُد خُطاناً ويجعلنا نواصِل مسيرة الإيمان واثقينَ من أن الغلبة ستكون لتدبير الله فينا، إن تجاوبنا بإنفتاح لُحلِم الله هو الذي دعانا لنكون قديسين (روم 1: 7)، مثلما فعلت أمنا مريم، وسارَ على خُطاها قديسون جعلهم الله لنا مناراتٍ على الطريق. عيد اليوم ينزِعُ عنّا الخوف من الفشَل الذي يُجرّبنا مراراً كثيرة أمام الخطيئة التي تأسُرنا. خوفٌ يُبقينا حزانى على ضُعفِنا الذي يجعلنا نعود إلى الخطيئة ظانينَ أننا أضعف من أن ننتصِر. بادَرَ الله في حياة مريم وتجاوَبت مريم معه. لم يدعُها لصُنعِ المُعجزات، بل إلى الإيمان بأنه قادرٌ على أن يصنعَ العظائِم فيها ومن خلالها، فآمنت ومضّت مُجدّة إلى الجبل، إلى جبِل الله لتسمَع تهنئة الروح القُدس: "مُبارَكَةٌ أَنتِ في النِّساء! وَمُبارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطنِكِ! مِن أَينَ لي أَن تَأتِيَني أُمُّ رَبِّي" (لو 1: 42). عيدُ اليوم يُعلّمنا أن محبّة الله هي التي أبدعَت الإنسان وهي التي تُخلّصهُ، وهو ينتظر مَن يؤِمن بهذه المحبّة وأن نسعى لنكون بلا عيبٍ في المحبة (أفسس 1: 4). مريم، بنتُ جنسنا الإنساني وضعت حياتها تحت تصرّف الله، فنالت القداسة والخلاص، وملأها الله بالنعمةِ، وهي تدعونا اليوم قائلة: "سلمّوا حياتكم بيد الله ولا تخافوا، فهو معكم: عمانوئيل". 


Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96
الصفحة 1 من 13