المواعظ
 المطران بشار متي وردة

المطران بشار متي وردة

عظة إحتفالية تتويج العذراء

"تُعظم نفسي الرّب ... سوف تُهنئني جمع الأجيال"

غمرَّ الروح القُدس إليصابات فصرخت: "مُبارَكَةٌ أَنتِ في النِّساء! وَمُبارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطنِكِ! مِن أَينَ لي أَن تَأتِيَني أُمُّ رَبِّي؟ فما إِن وَقَعَ صَوتُ سَلامِكِ في أُذُنَيَّ حتَّى ارتَكَضَ الجَنينُ إبتِهاجاً في بَطْني فَطوبى لِمَن آمَنَت: فسَيَتِمُّ ما بَلَغها مِن عِندِ الرَّبّ" (لو 1: 42- 45)، كانت إليصابات أولَ مَن هنّأ أمنا مريم بعد تهنئة الملاك لها في البشارة: "إفَرحي، أَيَّتُها الـمُمتَلِئَةُ نِعْمَةً، الرَّبُّ مَعَكِ" (لو 1: 28). إكرامنا اليوم لأمنّا مريم ليس إذاً إلاّ إستجابةٌ لطلّب الروح القُدس الذي ألهمَّ إليصابات وأمنّا مريم التي أنشدت: "تُعَظِّمُ الرَّبَّ نَفْسي وتَبتَهِجُ روحي بِاللهِ مُخَلِّصي لأَنَّه نَظَرَ إِلى أَمَتِه الوَضيعة. سَوفَ تُهَنِّئُني بَعدَ اليَومِ جَميعُ الأَجيال" (لو 1: 46- 48).

فعندما نُكرِمُ أمنّا مريم فهذا لن ينتقص من عبادتنا لله الآب الذي صالحنا بإبنهِ يسوع المسيح. هذا الخلاص هو لكلِّ مَن يؤمِن به. إليصابات تعترِف أولاً بأن مريم آمنَت "فَطوبى لِمَن آمَنَت: فسَيَتِمُّ ما بَلَغها مِن عِندِ الرَّبّ"، "والبار بالإيمان يحيا" (روم 1: 17). ومريمٌ نفسها تعترِفَ وهي تختبرُ نعمةَ الله بوفرةٍ؛ أن الله القدير هو الذي بادرَ وإختارَ وقدّس لأنه محبّة و"رحمتهُ من جيلٍ إلى جيلِ لخائفيهِ" (لو 1: 49). فتهنئتُنا لأمنّا مربم تتجاوب مع ما يُلهمهُ الروح القُدس مثلما أوحاهُ لنا في الكتاب المُقدس. فإذا حسُنَ لله الآب ذلك، أن يُكرِمَ قديسيه الذين كشفوا لنا عن عظيمِ محبة الله ورحمتهِ وطيبِ محبتهِ وجمالها، وسمحوا للروح القُدس أن يصنع فيهم ومن خلالهم المعجزات، وأولّها كانت: إهتدائهم وتوبتهم له، فأرضوهُ على الأرض، فمَن نحن حتّى نعترِضَ على إرادةِ إلهنا الذي تجسّد ليُشاركنا الحياة، ما عدا الخطيئة، حتّى نُشاركهُ الكرامةَ والإكرام؟

إيمان أمنّا مريم والذي يعني طاعتها وإستسلامها التام لإرادة الله وإستعدادها للسير في الطريق الذي اختاره الله لها مُصلية وخادمةٍ بصمتٍ من دونِ تأجيلٍ أو إبطاءٍ، هو الذي أهلّها لتنال تهنئة الأجيال وتهنئتنا اليوم. إيمانها بأن الله القدير على أن يُغيّر وجه الأرض إن آمنَ الإنسان بمحبةِ الله ورحمتهِ فإلتفتَ بعين الرحمة على أخيه الإنسان وتغلّبَ على الأنانية والعنف والخطيئة التي تجبرّه إلى ذاتهِ بعيداً عن إخوتهِ المحتاجين. لذا، نذكر في قانون إيماننا إسمان فقط، مريم العذراء التي قبلِت كلمة الله بإيمان من دون تحفظاتٍ فولدتَ ربّنا يسوع المسيح فصارَ لنا فيه الخلاص، وبيلاطس البنطي الذي تنكّر لكلمة الله وأسلمَ ربّنا يسوع للموت، لتُذكرنا أمنّا الكنيسة دوماً، أننا مدعوون لأن نُقدِم للعالم كلمة الخلاص، أو إننا مجربونَ في التنكر لها، فنُسلِم دماً بريئاً.

"أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ" (لو 1: 38)، هذه كانت إستجابةٌ أمنا مريم لاختيار الله لها ودعوتهِ، فلقد ولِدَت هي أولاً بكلمة الله التي حلّت عليها بالروح القدس، لتحيّا بالله، وكرَّستَ حياتها بكليّتها له، فصارتَ منزلاً له على الأرض، وجعلت تجسدهُ حقيقةً وحضورهُ ممكنا، وفتحت لنا طريق القداسة وهي تدعونا لنسلكهُ تلاميذ أمناء لأبنها يسوع المسيح لأنها لا تُريد أن تحتفِظ بالإكرام لها، بل هي التي تُشير دوماً إلى إبنها، ربّنا يسوع المسيح: "مَهما قالَ لَكم فافعَلوه" (يو 2: 5). إلهنا عزِمَ أن يُكرِمَ أمنا مريم بلسان اليصابات، وهو عازمٌ لأن يُكرِمَ كلَّ مَن يقتدي بها، ليكونَ مكرماً في كلَّ الكنائس، إن عَرِفَ أن يُعطي بسخاء مريم: "الحَقَّ أَقولُ لكم:حَيثُما تُعلَنِ البِشارَةُ في العالَمِ كُلِّه، يُحَدَّثْ أَيضاً بِما صَنَعت هذه، إِحْياءً لِذِكْرِها" (مر 14: 9).

إيمان أمنّا مريم إستحقَ لها إكرامنا اليوم في أن تتوّجَ ملكة الكون. هذا الإكرام يُشجعنا للمُضي قُدماً في تقدمة حياتنا نحن أيضاً في فعل عطاء كلّي لله وللقريب. ففي حياة أمنا مريم إستباقٌ لمسيرة حياة كل مَن يؤمِن بالله، وإتمامٌ لما وعدَّ به ربّنا يسوع تلاميذهُ: "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: مَن آمَنَ بي يَعمَلُ هو أَيضاً الأَعمالَ الَّتي أَعمَلُها أَنا بل يَعمَلُ أَعظَمَ مِنها" (يو 14: 12). أمنا مريم، وعلى حدّ تعبير البابا بندكتُس السادس عشر، هي الخليقة التي، وبشكل فريد، فَتَحتْ البابَ كاملا لخالقها، ووضعت ذاتها بين يديه، بدون حدود. فهي تحيَّا تماما بـ  وفي العلاقة مع الرب؛ في موقف من الإصغاء، منتبهة لالتقاط إشارات الله في مسيرة شعبه؛ إنها متجذرة في قصة إيمان وفي رجاء في عهود الله، الذي يشكل نسيج كيانها. إنها تستسلم بحرية للكلمة التي استقبلتها، وللإرادة الإلهية في طاعة الإيمان.

فيا أمنّا مريم،

يأمَن أخترتي أن تكوني خادمة للربَّ، حافظةً كلامهُ ومتأملةً فيه.

وبحثتِ عنه بإجتهادٍ لتكوني دوماً بقُربه فلا يتيهَ عن ناظريكِ.

وأشرتي إلى الخدِمَ ليفعلوا كلَّ ما يأمرهُ إبنُك، ربّنا يسوع المسيح.

وكنتِ معه في طريقَ الألمِ ووقفت إلى جانب الصليب، وقبلتي جسدهُ مؤمنةً بتدبير الله الخلاصي، وكنتِ مع الرُسل، الخادمة المُصلية.

صلَّ من أجلنا، لنفتَح قلوبنا لله، ولنُسرِع في إتمامِ مشيئتهِ، ويكون هو طريقنا الحق للحياة، فلا نتيهَ عنهُ في أفراحٍ زائفةٍ، بل ليملء سلامهُ قلوبنا الفارغة، ويملُكَ ربناّ أوحد. آمين. 

الخميس, 15 حزيران/يونيو 2017 15:54

عيد الجسد - القُربان المُقدس: عطيّة الحياة

عيد الجسد

القُربان المُقدس: عطيّة الحياة (يو 6: 35 – 40)

نحتفل اليوم بعيد الجسد، شاكرين عطّية الله لنا بيسوع المسيح الذي يُبارِكنا في حضوره في سرّ القُربان المُقدس، ويدعونا لأن نتناولهِ ليحوّلنا إلى ذاتهِ، هو المحبّة، وجه رحمة الله على الأرض. فعندما نتناول جسدّ ربّنا يسوع، نُعلِن أننا في شرِكة معه، ونقبلُ بملءِ إرادتنا الرسالة المُلقاَة على عاتقنا في أن نكون نحن أيضاً خُبزاً مُقتسماً للعالم. هو سبقنا إلى الله الآب، ويدعونا لأن نتبعهُ لنكونَ في شِركةٍ تامّة معهُ ومع أبيهِ. فالمناولة تُغيّرنا إلى شخصهِ هو، لنكون مسيحاً لكل مَن نلقتيه في حياتنا.

من هنا، إعتاد القديس يوحنّا ماري فيناي دعوة الناس للمناولة قائلا: "تعالوا إلى المناولة.... صحيح انكم لا تستحقونها، ولكنكم تحتاجون إليها"، ونُعلن في كل قداس: "الأقداس للقديسين وللأطهار تُعطى"، عارفين أننا لسنا بقديسين ولسنا أطهاراً أيضاً، لكننا نؤمِن أن ربّنا يسوع المسيح، إذ يُقدِم لنا ذاتهِ، سيُطهِر قلوبنا ويُقدِس حياتنا إن قبلناهُ وسعينا لأن نفتح قلوبنا له ليوحدّنا في شخصه ويفتح أبواب قلوبنا فنرى محبّة الله لنا وقد تغلّبنا على الأنانية التي تأسرُ قلوبنا وأفكارنا. فيكون الله إلهاً أوحدَ في حياتنا.

"خذوا كلوا ... خذوا إشربوا ..." كلمة للحياة. إلهنا عارفٌ بحاجاتنا الإنسانية والروحية. فنحن بحاجةٍ إلى جماعةٍ تقبلنا بمحبّة غير مشروطة لاسيما في عالم متميّز بالأنانية التي طغتَ على مجمل أنشطة الحياة. نحن بحاجة إلى محبّة معطاءة في عالم يظن إنها من المُستحيلات. لذا، يجمعنا ربّنا وإلهنا في كل أفخارستيا ليُعلّمنا أن هذا ممكن، بل هو موجود على المذبح ينتظر كلَّ مَن يقبلهُ بإيمان فيؤلِّف من المٌشاركين عائلة؛ إخوة وأخوات قديسونَ. فلا أفخارستيا من دون جماعة (كنيسة)، لأن الأفخارستيا هي التي تؤسس الجماعة (الكنيسة) وتدُيمها لأن ربّنا يسوع حاضرٌ حقاً في الخُبزِ والخمر اللذان يُقدمَان على المذبح في كلِّ قداس.

هنا، نأتي إلى أهمية التعبّد للقُربان الأقدس، والذي سعت الكنيسة لنشرهِ بين المؤمنين، فتُعيدنا دوما إلى "العشاء الأخير"، حيث إجتمع ربّنا يسوع مع الذين أحبهم، وأحبهم إلى الملء. هناك تُريدنا الكنيسة أن نكون؛ إلى جانبِ يسوع في ساعتهِ، ساعة العطاء الكلّي لله، مُعلناً البشارة: الله هو الإله الأوحد. لذا، فالسجود للقُربان المُقدس، هو إعترافٌ بسيادة ربّنا يسوع المسيح وربوبيتهُ، فلا نعبدُ إلاّ الله ولا نسجدُ لإلهةٍ أخرى، وعندما نسجدُ للقربان المُقدس نعلِن رفضنا لبقية الأصوات التي تدعونا لعبادتِها ونُستهلِك ونُهلِك حياتنا متعبدين لها.

ربنّا يُقدسنا في الأفخارستيا لأن الافخارستيا دعوة إلى القداسة وإلى هبة الذات للاخوة، لأن دعوة كلٍ منا هي أن يكون مع يسوع، خبزاً يُكسر لأجل حياة العالم. وهكاذ يضعُ لنا ربّنا يسوع توجهاً في حياتنا لحياتنا، فنحن نسيرُ على خُطاهُ، في عطاءٍ ذاتٍ مُحِب، مثلما فعلَ هو. هذا التقديس يكون من خلال تطهير القلب من كل التعلّقات التي تُتعبُنا، ويُحررنا لنكونَ أمناءَ معهُ فنكون ما نتناولهُ: "مسيحاً" "أفخارستيا" لمَن نلتقيهم في طريق حياتنا، لكي لا تكون مُشاركتنا في الأفخارستيا وعبادتنا طقوساً شكلية، بل، فعلُ إيمان من قلبٍ مُحبٍ. ربّنا يُريد من خلالنا أن يُغيّر العالم، مثلما غيّر من خلال جماعة الرُسل شكلَّ العالم كلّه.

وإذ نحتفلُ بعيد الجسد هذه السنة في الأسبوع الأخير من شهر آيار والمخصص لإكرام أمنا مريم، نتذكّر بإمتنان هذه الإنسانة التي اختارها الله لتحمل كلمته، كلمة الخلاص إلى العالم. كيف قبِلّت بإيمان هذه الكلمة، وحملتها بتواضعٍ من دونٍ إفتخار، بل إنطلقت إلى بيت أليصابات لتخدُم، فكانت أول من تناولَ بحقٍ، فحياتها تحولّت بحضور الكلمة فيها، وقدّمت جسدها لتكون مسكنِ العلي، ليس فحسب، بل حافظَت على الكلمة وسهرت عليها، لتساعدنا لنعيش إيماننا بأمانةٍ وإلتزام. 

الأحد الثاني من الرسل

ربّنا يسوع المسيح؛ وجه رحمةِ الآب  (لو 7: 36 – 50)

 دخلّت أمرأة خاطئةٌ إلى بيت سمعان الفريسي لتُقدم الشكرَ لله على محبتهِ ورحمتهِ التي كشفها بربّنا يسوع المسيح، وعبّرت عن شُكرها في "طقوس متميّزة" متجاوزة كل الأعراف والتقاليد التي تمنعها من الإختلاط مع "تجمّع رجالي"، حتّى وإن كان الضيفُ مميزاً. هذه المرأة تعرف أن حالة الخطيئة التي تعيشها تمنعها من مخالطة الناس، وتجعل مقابلة المعلّم يسوع الناصري أمراً مُستحيلاً، وإن قابلتهُ كان عليه أن يطردها من المجلِس لأنها خاطئة. لكن ذلك كلّه لم يمنعها من مواصلة المسيرة لأن المحبة التي جذبتها كانت محبّة الله نفسه، والتي دفعتها إلى التقدم نحو ربّنا يسوع. أحبّت ومحبتّها أعطتها القوّة لتواصل السير للقاء ربّنا يسوع، ولم تُوقفهّا خطاياها الكثيرة لأنَّ إيمانها ومحبتها كان أعظم، فقبلَ ربّنا يسوع توبتها، فالخطيئةُ لن تكون سببا يمنعنا من لقاء الله الآب، فقدمّت كل شيءٍ عندها بسخاءٍ تام.

تبعتَ هذه المراة ربّنا يسوع، وإنتظرت الفرصّة التي فيها تُعبّر عن عظيمَ محبتها "لبُشرى الخلاص" التي نادى بها. دخلَ بيت سمعان فدخلت من دون أن يدعوها أحدٌ، وحملَت محبتها السخية فإنحنت تُقبلُ قدميهِ، وتفاجأت بأن سمعان لم يقم بما يلزَم من واجبات الضيافة، فلم تنتقدهُ مثلما فعلَ هو، ولم توبخهُ أو تُحرجهُ، بل راحت تُكمّل هي نقص الضيافةِ، ولم تتراجع عن قصدها وشرعت تُقبّل قدميه المتسختين بسبب الطريق، فأضحت دموع الندامةِ ماءً يغسل قدمي يسوع، ولم تبخل عليه بشيءٍ، فقدمت شعر رأسها، وهو ما تعتزّ به كل أمرأة، ليكون منديلاً يمسح قدمي ربّنا يسوع. تعبدها تضمنَ إيماناً به، وتواضعاً أمامهُ، وسخاءً في العطاء، لأنها قبلت محبّة الله بيسوع المسيح، الذي قدّم للإنسان كل المحبة فبذلَ حياتهُ بسخاءٍ من أجلنا.

أمام هذه المحبّة كشف ربنا يسوع عن هويتهُ للفريسي، فهو ليس نبياً فحسب، بل إلهاً يعرِف أفكار سمعان، وهو قادرٌ على أن يغفِر للمرأة خطاياها الكثيرة، لأنه وجه رحمة الآب على الأرض، ومحبة الآب ترحمٌ وتغفرُ. ما حدّث في بيت الفريسي يُلخّص كل "التدبير الخلاصي". إلهنا ينتظر أن يفتح الإنسان له قلبهُ ليدخلَّ ويتكأ ويجعل منه مسكناً له. إلهنا لا يحلُّ ضيفاً فحسب، بل يستحوّذ على كل مَن في البيت، هو ربُّ البيت.

أفكارُ الفريسي ورؤيتهُ جعلتهُ يتنكّر مكانة الله، ويجلس على عرشهِ دياناً يُحدد مَن هم المُخلصّوَن ومَن هم الهالكون. هذه هي خطيئة المتدينين دوماً، وهو بذلك يتناسى أن الله هو الخالِقَ وهو الديّان، وهو الذي يقبلُ الإنسان غافراً، وعلى الإنسان أن يُظهِرَ مُحبةً تشير إلى فرحتهُ بكونه محبوباً ومقبولاً من قبلِ الله رغم كثرة خطاياه. هذه المرأة إنموذجٌ لكلِّ إنسانٍ يشعرُ بضعفه وقوةّ حضورِ الله المُحب في حياتهِ، فوقفَت بتواضعٍ أمام الله الآب المُحب، وإنحنَت لمَن إنحنّى وغسلَ أقدامنا، لمَن لا يُميتُ الآخرين في خطاياهم، بل هو إلهُ الفرص الجديدة، فنهلَت من محبّة الله ورحمتهِ قوّة حررتها من خطاياها ومن مخاوفها.

ولكن، أين تظهرُ رحمة الله في رّبنا يسوع المسيح؟

هل في غفرانهِ للمرأة؟ بالتأكيد، ولكن هذه المرأة آمنت بالغفران قبلَ أن تسمعَ كلمة "مغفورة لك خطاياك". ربّنا يسوع يعرِض رحمتهُ لسمعان الفريسي؛ إرحمَ نفسَك يا سمعان من كل ما تُفكِر به، فما تعبدهُ ليس الله الآب الذي اُبشرُ به أنا، بل إلهاً أنت اخترعتهُ لتعبدهُ وتدين الناس بإسم هذا التدين. ربّنا يسوع، ومحبّةً بسمعان الفريسي، يدعوه لأن يُحرِرَ ذاتهُ من "سطوة وطغيان" هذا الإلهِ الديّان، الذي يُلاحقُ الناس مُهدداً بالعقاب، فإذا كان الإنسان خاطئاً، فعليه أن يطردهُ ويصرفهُ من حضرتهِ. وهذا ليس الإله الذي بشّرنا به ربّنا يسوع. إلهُ ربّنا يسوع المسيح يُعطينا السلام والقوّة عندما تُضعفنا الخطيئة.

منحَ حضور ربّنا يسوع المُحِبَ للمرأة ولسمعان ما كانا يبحثان عنه: السلام: "صارحَ سمعان بما يُفكّر فيه صمتاً"، وقال للمرأة: "اذهبي بسلامٍ"، وآمنت بهذا السلام: إيمانُك خلّصك"، فشعرت بالقوة على الرغم من ضعفها ولم تُبال بما ستواجهه من نظراتٍ وإتتقاداتٍ، فما يهمّها هو أن تصلِ عند ربّنا يسوع. القوة التي اُعطيت لها لم تكن لتشتهِر وتنال إعجاب الناس، أو من أجل السيطرة على الآخرين أو لإزاحة هذا أو ذاك عن طريق حياتها، بل قوّة الروح القدس التي تجعلُ الإنسان متواضعاً، لا ينسبُ إلى نفسه ِشيئاً، بل إلى الله الذي ناصرهُ، فتغلّب على الأقوى: الشر والخطيئة: "أستطيع كل شيءٍ بذاك الذي يُقويني" (فل 4: 13)

نحن بحاجةٍ اليوم إلى هذه القوّة لا لكي ندين الناس أو نحكم عليهم، لكن لنقبلهم بالمحبة التي بها قبلنا الله. قوّة تزيلُ الخوف والقلق من قلوبنا. قوّة تهبُ السلامَ إلى قلوبنا وتعيدنا إلى الله وإلى القريب. قوّة تُثبتّنا في الإيمان على الرغم من التحديات التي يسعى العالم ليضعها امامنا. فأن تكون مسيحياً اليوم يعني أن تواصل السير بثبات ووضوحٍ عارفاً أنك تريد اللقاء بالمسيح يسوع. أن تكون مسيحياً يعني أن ترفض أساليب القوّة التي يسعى العالم للحصول عليها، وتستبدلها بالقوة التي يهبها الروح القُدس. أن تكون مسيحياً يعني أن تسعى مُحباً لتكون صانعَ سلامٍ، وباذرَ محبةٍ على مثال ربّنا يسوع الذي دعانا ًلنكون في العالم جسورَ سلامٍ فلا نرى نقائص الآخرين، بل نرى محبّة الله لهم، ونحُبهم مثلما هو يُحبهم. 

 

الثاني من الرسل

السبت, 03 حزيران/يونيو 2017 12:18

عيد العنصرة - الكنيسة: شعب الله المُحِب

عيد العنصرة

الكنيسة: شعب الله المُحِب (يو 14: 15- 31)

مع حلول الروح القُدس اليوم على جماعة التلاميذ المجتمعين مع مريم أمنا في العلية، إنطلقت رسالة الكنيسة إلى العالم أجمع لتحتضن الجميع في إرساليتها، وتجمع شتات شعب الله ليكونوا إخوة وأخواتٍ بيسوع المسيح، الذي قدّمَ نفسه خبزا متقاسماً، غذاء للجميع. اليوم يُعلِن الروح القدس بدءَ رسالة الكنيسة، وهو يعني أن الكنيسة لم تتأسس بفعلِ مبادرة بشرية بل الله الآب، وبمحبتهِ وتدبيره أختارها لتكون "وساطة الخلاص" للجميع، جسد المسيح يسوع وثبتها بروحه القدوس الذي ينعش نشاطها ويجعلها تتجاوز الصعوبات والتحديات التي تقف في وجه رسالتها. فَلَو كانت تنظيما بشريا لانهارت منذ قرون طويلة، ولكنها باقية بفعل الروح القدس.

ولكن ما الجديد الذي يُقدمه الله في الكنيسة للعالم؟

جديد الله في الكنيسة هو قدرتها على إحتواء الجميع وتوفير إمكانية التفاهم ما بين البشر جميعاً وذلك عندما يتوجهون جميعاً بالصلاة معاً إلى الله. هذه الجماعة، الكنيسة، ليست مهووسة بذاتها وبإنجازاتها، بل بما يُمكن لله أن يُقدمه فيها ومن خلالها للعالم. عالمنا اليوم فيه إمكانيات مهولة للاتصال ما بين البشر ولكنه لا يُمكن أن يخلق لهم إمكانية التواصل والتفاهم التي من دونها لا يُمكن للجماعة أن تستمر وتواصل. العداوة والعنف والصراعات والحروب التي يشهدها عالمنا اليوم هو علامة على عجزِ الإنسان على فهِم الآخر والتواصل معه، فوحده الروح الْقُدُس، روح الله، قادرٌ على أن يوجه العالم إلى كيفية الاتصال والتواصل مع الآخر، فالله أظهرَ بيسوع المسيح كيف يكون الإتصال، وأي لغة يُمكن للعالم أن يفهمها، لغة المحبة، محبة حتّى بذل الذات. محبة تحثُّ الآخر وتقويه ليخرُجَ من عُليةِ الخوف التي حبسَ نفسه فيها ليُبشِرَ العالم بسلامِ المسيح، مثلما حصل مع جماعة الرُسل الذين كانوا قد حبسوا أنفسهم خوفاً من جماعة واحدة، هاهم اليوم يواجهون جماعات كثيرة ومتمايزة في لغتنها وثقافتها.

جماعة الرُسل إنطلقت اليوم لتُعلِنَ البشارة في الأرض كلّها، فحلول الروح القُدس على جماعة التلاميذ حررهم من الخوف وفتح الأبواب لهم ليُخبروا عن الخلاص الذي صارَ لنا بيسوع المسيح، هذا الخلاص هو للجميع من دون إستثناء، وسيجمع لله في الكنيسة شعباً يتجاوز الإختلافات وتمايز الثقافات، فالجميع يفهم لغة الرُسل، الكنيسة، لأنها لغة المحبة. الاحتفال بحدث "عطية الله للشريعة على يد موسى" على جبل سيناء كان مركز إحتفالية العنصرة لدى اليهود، اليوم، تحتفل الكنيسة بشريعة المحبة، وهي كمال شريعة موسى. هي شريعة القلب المؤمِن بخلاص الله الذي تجلّى كاملاً بيسوع المسيح. لذا، يدعو ربّنا تلاميذه، ويدعونا أيضاً، أن نحفظَ وصاياه: إن كُنتم تحبونني فآحفظوا وصاياي، ووصيتهُ هي: أن يُحبَّ بعضاكم بعضاً. وهذه ليست دعوة للأختيار بل وصية للتنفيذ، لأن الذي يحفظُ العلاقات ويُديمها انما هي المحبّة التي تستقبلُ القريبَ وتُحييهِ وتغفرُ له إذا أساء إلينا. فشريعة المحبة تضعُ حداً لشريعة التنافس والإحتكار والإستغلال التي تُسيّر علاقات الناس. ومضمونها هو الرحمة والغفران لا التسلّط والانتقام. شريعة تضع المصالحة والسلام وتجمع المُشتتين لتؤلّف عائلة الله، أخوةً وأخواتٍ، يُفكرّ ويعمل كلُّ واحدٍ منهم من أجلِ خير الآخر وسعادته.

اليوم، نحن مدعوون لنعيش "العنصرة" وذلك بالتحرر من "الهوس بالذات" الذي سيطر علينا وعلى مشاعرنا، وباتَ هو المُحرِك لكل مُبادراتنا، لنقفَ أحراراً أمام الله الآب الذي يدعونا لكي نتحد في الصلاة إليه معاً. ففي الصلاة معا نُبيَن أننا متوجهون معاً نحو الآب فمنه ننال عطيّة الروح والذي يُنعِم علينا بعطايا كثيرة فيهبُ لنا الحكمةَ والفهمَ ويسند ضعفَ إيماننا ويُفهمنا أسرارَ ملكوتِ الله، ويمنحنا المشورةَ والعلم فنُميز طريقَ الله في حياتنا، ويُقوينا لنثبُتَ في الرجاء وقتَ المحنِ والمصاعِب، ويبعث فينا مخافةُ الله لنُحبَّه ونُكرِمَ أخانا الإنسان.. فإذا أنسانا العالم بشارة ربّنا يسوع المسيح، وإذا أردنا أن نُفسرَّ كلامَ الله مثلما يحلو لنا ويُناسب رغباتنا، نؤمنُ بأن روحهُ فينا يُذكرّنا بكلامه ويُسمعنا إياه، فتكون حياتنا إنجيلاً حياً، بشارة صادقةٍ لكوننا مُخلَّصينَ ومُباركينَ.

اليوم نحن مدعوون لأن نعيش العنصرة في بيوتنا، فعوائلنا أصبحت ضحية الاستخدام الغير الصحيح لوسائل الإتصال الاجتماعي التي "تحبُس" الإنسان ليكون مع مَن يختارهم هو، ومع مَن يُرضوه ويخاطبون رغباتهِ، ففُقِدَ التواصل داخل العائلة، ولم نعد "نُصغي" لمَن يعيشون معنا في ذات البيت. كل بيتِ من بيوتنا صارَ بحاجة اليوم أكثر من ذي قبلُ إلى "الفارقليط" المحامي والمعزي ليواصِل رسالتهُ ويبقىَ البيت المسيحي حامِل بشارة الله؛ إنجيل يسوع المسيح. كل أبٍ وأمٍ يشعر اليوم بأنه غير قادِر وحدهُ على مرافقة أبنائهِ وتنشئتهم، وهو بحاجةٍ إلى عونٍ وسندٍ، وإلهنا يُقدِم لنا الروح الُقدس، فلنقبلهُ، هو المحبّة التي ترافقنا وتُربينا لنكون مؤمنينَ، ليس فحسب، بل مُبشرينَ، فإيماننا دعوة ورسالةٌ نلتزمٌ بها شاكرين الله على أنه أنعمَ علينا بالخلاص واختارنا له رُسلاً. فلنبدأ التبشير من بيوتنا أولاً ليشعُّ نورٌ إلهنا على مَن هم من حولنا. 

 

عيد العنصرة

الأحد بعد الصعود

ثمار القيامة: الشهادة (مر 16: 9- 20)

 

تراءى ربّنا يسوع لتلاميذهِ بعد قيامتهِ ووبخهم على قلّة إيمانهم وقساوةِ قلوبهم لأنهم لم يصدّقوا الذين تراءى لهم وبشّروهم: "أنه حيٌّ". لم يتخلَّ عن تلاميذه ولم يصرفهم إلى بيوتهم وأشغالهم لأنهم تركوه في بستان الزيتون يواجه مُتهميهِ ويتحمل وحدهُ العذاب والصلب، كما ولم يؤمنوا بكلام النسوة والشهود الذين ظهرَ لهم بعد قيامتهِ، بل لحِقَ بهم حيثما كانوا في العلية أو على شاطئ بحيرة الجليل أو في الطريق إلى قريتهم. لم يكن بينهم مَن يدعي البطولة أو التميّز في الإيمان، فكلهم هربوا ويعوزهم الإيمان، إلا أنهم ليسوا بعيدين عن محبّة الله التي بحثت عنهم حتّى في مخابئهِم لتنتشلهُم وتبعث فيهم الفرح من جديد. "محبّة الله" التي أرسلت لهم ربّنا يسوع المسيح، غفرت لهم عوز الإيمان وقساوة القلب. المحبّة غفرت لهم الخيانة ليس فحسب، بل أختارتهُم من جديد ليكونوا شهوداً له، شهودَ محبتهِ وغفرانهِ. فالمحبة رحمة والرحمةُ غفرانٌ والغفران خلقٌ جديدٌ. 

تراءى ربّنا يسوع بعد قيامتهِ ليبعثَ في تلاميذهِ روحاً إرسالياً إذاً: "إنطلقوا إلى العالم أجمع وآكرزا ببشارتي في الخليقة كُلهّا". قيامتهُ هي "بُشرى سارّة" للعالم أجمع، تُعلِنَ أن "المحبّة" هي أقوى من الموت. ومهما حاولَ الشرُ أن يُضايقَ على المحبّة ويحبُسها في قبرٍ أو في عليةٍ، مثلما حصلَ مع التلاميذ، فلن ينتصِرَ على "محبّة الله" التي تجمع شتات الإنسان، وتُعزيه في مخاوفهِ، وترافقه حتّى في حيرتهِ وشكوكهِ ليخرجَ من "حبسهِ"، ويواصِل عمل الخلاص الذي بدأه الله بيسوع المسيح.

لذا، فقيامةُ ربّنا يسوع دعوةٌ للإيمان، لقبولِ بشارة الله وبدءِ حياة القيامة مع ما يُصاحبُها من تحديات وصعوباتٍ إن كانت شخصيّة: "لا أصدّق ما حصل"، وإن كانت عامّة: شياطينَ وصعوبات في التواصل وسمومٌ وأمراض. عالمنا، وبكل ما يحملهُ من قوى شيطانية رافضّة لله بحاجةٍ إلى "شهود القيامة" لا إلى معلمي القيامة. ربّنا لم يعد التلاميذ بإرسالية آمنة وبقبولِ الناس لهم، بل وعدهم بمرافقةٍ أمنية لهم، مثلما لم يُحدد لهم نطاق التبشير، فالخليقةُ كلها مدعوة لأن تسمَع هذه البُشرى: "المسيح قام". في مواجهة هذه القوّى الشيطانية يبقى المؤمُن بحاجةٍ إلى "آياتٍ" تعضده في مسيرة التبشير، علاماتٍ على الطريق تُثبتهُ في المسيرة، وتُصادِق على مضمون البشارة. وفي هذا ينالُ الإنسان "كرامةَ" جديدة: فهو الصديق ولم يعد "عبداً" ينفِذ الأوامر. هو عبدٌ لأن قَبِلَ تكريسهُ من الله، وفي قبولِه نالَ "نعمةَ الصداقة" ودُعي ليُشارِكَ في نشر ملكوت الله الذي بدأ قبلَ أن يكون.

شياطينُ هذا العالم كثيرة ومتمايزة، وهي تسعى لتبُثَ السموم في كل الخليقة، وسمومها قاتلِة وموجِعة تخلقُ حالة من الخوف والعنف بين الناس. شياطينٌ تجعل الإنسان، المجتمع كلّهُ مريضاً. فالشّر حاول "حبسَ ربّنا يسوع في قبرٍ جديد"، وبث سموم الخوف والشّك بين التلاميذ، فلم يصدقوا ما قيل لهم، وجعلعم مرضى يخافون الناس. لكّن الله الآب لم يتركهُم، فجاءَ إليهم وحلَّ بينهم، يُبكتُهم ويُثبتهم في الإيمان ليواصلوا المسيرة.

التلاميذ، الكنيسة، نحن، شهود القيامة، "شاهدُ القيامةِ"، يُعلِن محبّة الله التي تغفُر لتبدأ للإنسان حياة جديدة، قد لا يُصدقها ولكن عليه أن يحياها. كل مُجتمعٍ يغيبُ عنه "نورُ إلهنا وملكنا"، هو مجتمعٌ مريضٌ. وعندما يغيبُ ربّنا عن حياتنا، نُصبحُ نحن شياطين واحدنا آزاء الآخر، ونتكلّم بلغاتِ هذا العالمِ، لغة الحسد والعنف والبغضاء، ما خلا لغة المسيح يسوع، لغة المحبة، بل أن كلماتنا هي أشبه ما يكون بسُمٍ مُميت في حياة الآخرين، لذا زاد عدد المرضى والفقراء بيننا، لأن الشهود اختفوا، ولم يعد العالم يرى فينا شهوداً ليسوع المسيح.

اليوم، ومن خلال التلاميذ نحن مدعوون لأن نرى يسوع، إن كنا مستعدين لنشهد أننا مؤمنون به، وإذا كان لنا الاستعداد لنطرد شياطين عالم اليوم، ونضع أيدينا على مرضى عالم اليوم، ونُمسك بالذين يُجربون إنسان اليوم ويُعذبونه بسموم أفكارهم ومواقفهم. ولربما تكون البداية مع ذواتنا، فنفوسنا مُصابة بأمراض كثيرة نتيجة سموم شياطين كثيرة من حولنا. فلنرحَم أنفسنا، ولنسمح ليد الله الشافية لتمُس قلوبنا وتُضمّد جراح الماضي فيكون الشفاء تاماً. قد يكون الغفران مُستحيلاً، أو صعبُ التصديق، لكنه يبقى ممكنا، لأن إلهنا لن يتركنا نتيهُ، بل يجذبنا إليه، ويُحمّلنا رسالة جديدة: "إنطلقوا وإكرزوا بالملكوت". 

 

الأول يعد الصعود

عيد الصعود

دعوة للعمل وللسهَر: هو آتٍ إلينا (لو 24: 36- 53)

تحتفِل الكنيسة اليوم بعيد صعود ربّنا يسوع إلى السماء وجلوسهِ عن جنب اليمين. فالربُّ لم يعد تحت سُلطان هذا العالم الخاطئ، بل هو "كُلياً" لله. الربُّ أخذ معهُ كل إنسانيّتنا بما تحملهُ من ضعفٍ وهشاشةٍ وخطيئة ليُحضَرها إلى الله الآب، ففي ربّنا يسوع لنا مكانةٌ متميزّة عند الله، هو يعرِض علينا أن نكون عن جنبِ اليمين، فصارَ الله أقربَ إلينا بيسوع المسيح. لربما نبتعِد عنه، ويُمكن أن نرفُض دعوتهُ، لكنه يبقى ينتظرنا ليرفعنا إليه، وهو عازمٌ على أن يسنُد مسيرتنا إذ يمنحنا الروح القُدس ليقود مسيرة حياتنا نحو الحقيقة: لنا الحياةُ، وبوفرّة، بيسوع المسيح.

رُفِعَ ربّنا إلى السماء ليتحدّ بالله الآب وسيعود ربّنا يسوع المسيح ويجمع كنيستهُ المنتشرَة في كل بقاع الأرضِ، ولكنَّ بين مجيئه الأول ورفعه إلى السماء، ومجيئهِ الثاني وعودته من السماء يجب أن تبقى كنيسته ساهرة ومُصلية وفاعلِة. عليها الإنقياد لفعلِ الروح القُدس حيث يُوجهها من أجل جعلِ العالم كلّه ملكوتَ الله، مثلما كانت إرادتهُ ومشيئتهُ. فبين تجسّد كلمة الله، يسوع المسيح، وعودته، عملٌ كثير يترتب على الكنيسة، وعلى كل منا أن نلتزِمَ به: أن نشهدَ لخلاص الرب بين الأمم. فمع صعود ربّنا يسوع يبدأ عملُ الكنيسة تحت قيادة الروح القُدس.

خاطب رجلان بثيابٍ بيض الرُسل قائلين: "ما لكُم قائمينَ تنظرون إلى السماء؟ فيسوع هذا الذي رُفِعَ عنكم إلى السماء، سيأتي كما رأيتموهُ ذاهباً إلى السماء" (أع 1: 11). هذا هو إيمانُ الكنيسة رُفِعَ ربّنا إلى السماء وسيأتي أيضاً، مثلما وعَدهم: "أنا ذاهبٌ، ثم أرجِعَ إليكم" (يو 14: 28). وفي هذا إيمان نتعرّف على هويّتنا: مَن نحن؟ نحن مَن أوكَلَ إليهم الله مواصلة عملَ الخلقة الذي بدأه وباركهُ: "ورأى أنه حسنٌ جداً" (تك 1: 31)، ودعانا لنُشاركهُ عملَ الفداء: "كُتِبَ أَنَّ المَسيحَ يَتأَلَّمُ ويقومُ مِن بَينِ الأَمواتِ في اليَومِ الثَّالِث، وتُعلَنُ بِاسمِه التَّوبَةُ وغُفرانُ الخَطايا لِجَميعِ الأُمَم، اِبتِداءً مِن أُورَشَليم. وأَنتُم شُهودٌ على هذه الأُمور" (لو 24: 46- 84). فنحن قائمون على الأرض لأن لنا دعوة ورسالةٌ، وفي إلتزامنا في هذه الرسالة نبقىّ نتطلّع إلى السماء، حيث الربُّ المنتصر وفيه ومنه ننالُ القوّة، وسننتظرهُ آتياً إلينا. لن نهرُب إذاً من إلتزاماتنا المسيحية على الأرض، ولن ندعَ للأرضيات أن تاسرُنا.

نحن جميعاً نعيش ما بين "رفعهِ إلى السماء"، و"مجيئهِ من السماء"، وهي ليست فترة إنتظار كسول، فربّنا يسوع أوكَل إلى رُسلهِ (كنيستهِ)، أن تكرِزَ بآسمهِ بالتوبة لمغفرة الخطايا في جميع الأمم. أن تُعلِنَ للعالم أجمع "أن يسوع حيٌّ وهو الربّ، هو الحياة الحقّة. هي فترة (زمنُ) "رسالة" وعلينا أن نتحمّل مسؤولية عيش هذه الرسالةَ ليس بدافع الخوف من أن يأتي لمُعاقبتنا بسبب خطايانا، بل حُباً له إذ دعانا لنكون شُركاءَ معه في الفرح السماوي، ونُريد المُشاركة في هذا العُرس. لذلِك، عادَ التلاميذ فرحينَ إلى أورشليم بعد أن نالوا البركة، فصعود ربّنا يسوع لم يكن "غياباً" عنهم، بل اختبروهُ قريباً منهم، ومن هذا القُربِ إستمدوا القوة والعزيمة لمواصلة المسيرة بإيمان وأمانة.

"فترة الإنتظار" هذه هي فترة رسالةٍ مُلتزِمة تتطلّب من كل واحد منّا أن يكون متهيئاً ومتأهباً للقائه، للصعود إليه والإتحاد به، مثلا رُفِعَ ليكون مع الآب. هذا الصعود سيكون ممكنا من خلال "التخلي" عن كل الإرتباطات التي تأسُرنا حيثمُا نحن، لنكون أحراراً له. وفي "صعودنا هذا" سنختبرُ "واقعاً مُؤلِماً"، إذ يتحدّانا لنترُكَ جانباً "إهتمامنا بأنفسنا"، والبحث عن ما يُرضينا، وتباعتهُ والإتحاد به. هذا الإتحاد يُعطينا فرصة "لأن نُعطي يسوع" لمَن هم من حولنا، فنحن لسنا قادرين على أن نُعطي ما لا نملُكَ.

"فترة الإنتظار" هذه تُعطينا "شعور الحياة" فهناك "واقع ننتظره ونتطلّع إليه. "فترةُ الإنتظار" تسألنا إذن أن نكون ساهرين: "إسهروا وصلّوا"، وهذا السهر يمنحنا فرصة أن نستشعِرَ حضور الله من حولنا، ويُعطينا "رجاءً" من أن حياتنا ليست ماضٍ نتأمل فيه، أو حاضرٌ نستجيبٌ لمُتطلباتِه فحسب، بل مُستقبلٌ نسيرٌ إليه بثقة وإيمانٌ من أنه معنا في "إتمامٍ ما بدأهُ هو". هذا الرجاء يُعطينا فرحاً، فرحٌ التلاميذ من أن مُصالحة الله كانت تامّة إذ أوكَلَ إليهم ليكرزوا بإسمهِ ليكون العالم كلّه لله. 

فلنُصلِ إليه، ليُباركنا مثلما بارَك الرُسل، وليهبَ لنا القوّة لنواصِل إعلانَ فرحَ الحياة فيه ومعه. 

 

عيد الصعود

الأحد السادس للقيامة

ثمارُ القيامة: كنيسة مُرسّلَة (يو 17: 1- 26)

في جلسة العشاء الأخير رفعَ ربّنا يسوع صلاةً دعاها التقليد الكنسي: "صلاة يسوع الكهنوتية" وهي خاتمة خطاب الوداع. هي صلاة شفاعة، صلاةُ كاهنِ قدّم حياتهُ ذبيحةَ شُكرِ لله على البركات التي أنعمَ بها الله عليه، مُؤمنا بمحبةِ الله الآب في فعلِ طاعةٍ تامٍ مُحِب له. لا يُمكن لنا أن نفهَم معنى صلاة ربنا يسوع هذه من دون الإشارة إلى طقوس عيد التكفير اليهودي. ففي هذا العيد كان رئيس الأحبار يدخُل إلى "قُدسِ الأقداس"، ليُقدمَ ذبيحةَ عن نفسهِ، وعن جماعة الكهنة وعن جماعة الشعبِ الذي أخطأ إلى الله طوال العام، مُكفراً عن خطاياهم ومعاصيهم ليُعيدَ الشعبُ إلى حالة البرارة الأولى، فيُذكرَهُم بهويتهُ: "هم شعبُ الله الذي أختارهُ ليكونَ نوراً للأمم". وفي هذا اليوم من السنّة فقط، يُسمَح لرئيس الأحبار أن يلفظ إسم الله القُدوس الذي كًشِفَ لموسى عند العليقة المُشتعِلَة، وحَرِرَ إسرائيل ليكون شعباً لله.

ربنا يسوع، صلّى، وهو عظيمٌ أحبارنا، فقدّم نفسه ذبيحةَ، ورفع الصلاة من أجل تلاميذه ومن أجل كلَّ مَن يؤمِن بسبب تبشيرهم، من أجلنا، نحن كنيستهُ، فنحن موجودون في صلاةِ يسوع، ليس فحسب، بل يُريد أن يُدخِلنا في علاقة المحبّة التي توحدّهُ بالله الآب. في صلاتهِ كشفَ ربّنا يسوع عن إستعدادهِ التام ليُكمِلَ تدبير الله بمحبةٍ وسخاءٍ تام، فالطريق إلى المجد يمرُ من خلال فعلِ الطاعةِ "المُحِب" لمشيئةِ الآب حتّى بذلِ الذات: "ها أنذا مُستعدٌ لأعملَ بمشيئتِكَ، فأنت قدستني لأجل هذه الساعة: ساعة المحبة التامّة حتّى عطاء الذات"، من أجل أن يعرِفَك العالم، وهذا ممكن إن قَبِلنا أن ندخل في المحبّة التي تربط الله الآب بيسوع المسيح. 

صلّى ربّنا يسوع من أجل تلاميذهِ الذين "وهبهمُ الله له"، إذ حقق بينهم حضور الله فكان الرحمة المنظورة. كان قريباً منهم، وطلبَ لهم من الله الآب أن يُقدِسهُم ويحفظهُم، أي، أن يكونوا مفروزينَ ومُكرسينَ له، هم مُلكيةُ الله، وهم مُقدَسونَ بكلمة الله ليحيوا من أجل الآخرين. هم مُلكُ الله وليسوا مُلكَ أنفسهِم، وهم في ذات الوقت مقدسونَ من أجل الآخرين، من أجل العالم. العالم الذي سيستمِع إليهم، ويؤمِن بكلمة الحياة التي يُبشرون بها. ربّنا يسوع صلّى من أجل الرُسل ومن أجل الكنيسة جمعاء التي تُبشِر العالَم "بمُصالحِة الله للإنسان بيسوع المسيح"، عالمٌ يرفُض هذه المُصالحة، وهذه هي الخطيئة: "رفضُ الإنسان لله"، "عداوة الإنسان لله"، والنتيجة: عالمٌ عنيفٌ، عالمٌ مُخيفٌ للإنسان.

وإزاء هذا العالَم الخاطئ يُقدِم ربّنا يسوع ذبيحة حياتهِ من أجل أن يعرِف العالم الله: "والحياة الأبدية هي أن يعرفوُك، أنت الإله الحق وحدَك ويعرفوا الذي أرسلتهُ يسوع المسيح" (يو 17: 3)، وينتظر ربنا يسوع أن تواصِل الكنيسة (نحن) تبشير العالَم ليعرفوا الله. هذه المعرفة ليست معلوماتية، بل دعوة للمُشاركة في حياة الله الذي صارَ جسداً، قريباً منّا بيسوع المسيح. هذه المُشاركة تتطلّب لقاءَ ربّنا يسوع، تعلّقنا به، إتحادنا بهِ، ولما كان هذا الإتحاد مُستحيلاً علينا نحن البشر، صارَ هو بشراً، ويدعونا لهذه الوحدة يومياً في سرّ الأفخارستيا، سرّ محبّة الله. وهو صارَ إفخارستيا من أجلنا فنتحد به، من أجل أن نكون نحن أفخارستيا للعالم، وهكذا سيعرِف العالم حضوره الفاعِل.

ربّنا يسوع عرّفنا بالاب، لأنه وجه الآب، ويواصِل "عمل التعريف هذا"، من خلال أمانة الكنيسة لرسالتها. لذلك، صلّى ربّنا يسوع المسيح من أجل تلاميذه وطلبَ من الآب أن يحفظَهم ويُقدسهم من أجل العالَم، فالعالم الذي يُعلن "عداوتهُ لله"، ورفضهُ لله، يبقَى بحاجةٍ إلى الله، الذي تعرّفنا عليه بشكل منظور وكامل بيسوع المسيح. عندما نعيش نحن رسالتنا ونشهد في حياتنا "لمعرفة الله" نواصِل ما بدأه ربّنا يسوع فنُسهِم في تعريف العالم بالله. العالم ينتظر أن يرى فينا الجماعة التي "قدسها الله وكرسها" لأجل العالم، والكنيسة قدّمت لنا قديسين عظام قدّموا في شهادة حياتهم جواباً للسؤال: كم أن العالم بحاجة إلى الله؟

عندما نُعلِن قانون إيماننا في كل قُداس نشترِك فيه، لا نذكر أسماء الأنبياء والرسل الذين تُكرمُهم الكنيسة، ولا نذكر أسماء الشهداء الذين سقوا بدمائهم بذرة الإيمان، نذكر إسمين فقط: مريم التي قبلِت كلمة الله وأعلنت إنها خادمةٌ هذه الكلمة حتّى الصليب، ونذكر إسم بيلاطس البنطي الذي حكمَ على ربّنا يسوع بالموت، وهو تنبيهُ لنا من أن ربّنا يسوع الذي نحملهُ في قلوبنا ليس بأمانٍ دوماً بسبب ضعفَ هذه المحبة، لأننا يُمكن أن نُسلّمهُ للموت مُساومةً مع إنتظارات العالم. عندما نتخلّى عن مسؤوليتنا في تعريف العالم أن في الله وحده: الحياة الأبدية، الحياة الحقيقية. عندما نفشِل في الشهادة "لحضور ربّنا يسوع" في حياتنا.

فلنطلب من أمنا مريم، والتي رافقت إبنها ورافقت الكنيسة بالصلاة، بأن تساعدنا في أن نعيش دوماً حياتنا خٌداماً لله القدير، حاملين بشارة ربّنا يسوع المسيح لكل مَن نلقاهم في حياتنا. 

 

السادس من القيامة

الأحد الخامس من القيامة

ثمار القيامة: القداسة (يو 21: 1- 14 )

قضّى بُطرس والرسل ليلةً كاملة في الشاطئ من دون أن يصطادوا شيئاً حتّى تراءى لهم ربّنا يسوع المسيح موجهاً العمل بإتجاه يصعبُ عليهم إيجاد السمِك فيه، فأطاعوا الغريب وهم خُبراء في الصيّد، فإذا به صيدٌ وفير. واصل الرُسل العمل على الرُغم من الإحباط الذي عاشوهُ: لا سَمكَ في الأمكنة التي يُفتَرَض أن تُمسِكَ فيها شباكهم سمكاً. هم حزانى لما حصلَّ لسيّدهم ومُستاؤونَ لمواقفهم إذ تركوه يواجهُ الموتَ وحدهُ، ولم يفهموا معنّى ما قالتهُ لهم المجدلية: "لقد قام".

هوذا يتراءى لهم بنفسهِ ويبعث فيهم الإيمان من جديد، وأعدَّ لهم مائدةٌ الصداقة؛ إفخارستيا، شِركة المحبّة التي لن يتغلّب عليها الموت. لقد إكتشفوا أن الربَّ لم يتخلَّ عنهم بل كان معهم حتّى عندما تركوهُ، ورافقهم في ليلةِ الصيد العقيم ليعبرَ بهم إلى فجرِ القيامة.

"أمعكمُ شيءٌ يُؤكَل ..."، في ظهوره لتلاميذه لم يوبخهُم على موقفهم منه، ولم يحُكم على جهلهِم: "إنكّم جُهالٌ لا تعرفون كيف تُدبرون شؤون حياتِكم، بل كان سؤالاً يفترِض إجابة صريحة: "لا". وربّنا لا يحتاج أكثر من هذه الكلمة الصريحة: لا، ليس عندنا ما يُمكن أن نُقدّمهُ لك، على الرغم من أننا قضينا الليل كلّه ننتظر أن تُمسِك شباكنا سمكاً لنبيعهُ ونعود بالمال وبالمُتبقي إلى بيوتنا. أمرهم هذا الغريب وأطاعوا؛ آمنوا بما قال، والإيمان هو طاعة لله للسير في إتجاه غريبٍ، فما تقولهُ أيها الغريب لا يتوافق وخبرتي في الصيّد (في الحياة). وإذا به صيدٌ وفيرٌ ليس فحسب، بل تسألنا أن نُقدّم لك من ثمار أعمالنا لتُباركها وتُقدسها. القيامة دعوة إلى الإيمان بحضورِ الربَّ المُحيي للسير في حياة القداسة، لكل مَن يؤمِن حتّى وإن كان إيماناً ناقصاً أو يعوزه الثباتُ، وهو ما نشعرُ نحن به مراراً، لذا، أبقى الإنجيلي يوحنّا شخصية التلميذ السابع مجهولةً ليفسح لنا المجال لنضعَ أسماءَنا نحن مكانهُ، فالتلميذ السابع هو كل واحد منّا، وهو مدعو إلى هذه العلاقة الشخصية مع ربنا يسوع المسيح.

أعدَّ لهم الربُ مائدةً: جمرٌ وسمكٌ، ولكنهُ يُبارِك أشغالنا إذ يدعونا لنتقاسَم نعمهُ علينا في شِركة المحبة: "هاتوا من السمك الذي إصطدتُم الآن". هيأ لهم وليمةً ليُباركها بثمارِ تعب الإنسان. لم يترائ ليُدلّهم على مكان السمِك فحسب، بل تراءى لهم ليخدُمهم، ويطلُب منهم أن يندمجوا في "نعمةِ الخدمةِ" هذه، ليُعلّمنا أننا لن ننال الخلاص بأعمالنا، ولكننا لن نخلُص من دونها. لقد تراءى لهم ووهبَ لهم فرحةً ما كانت لهم لو أكملوا الطريق الذي هم فيه. ووفي ذلك بشارةٌ لنا: يُبارِكنا إلهنا بنعمةِ الإيمان وينتظرَ منّا الثمار. فالإيمان لا يعني أن الله إختارنا لأننا صالحونَ وليس لنا خطيئةٌ ونكتفي بهذا الإختيار لنُبرر، بل قبولُ محبّة الله لنا على الرُغم من خطايانا وعدم صلاحنا والعمل لتجسيد محبّة الله في حياتنا، مؤمنينَ أن محبتهُ قادرةٌ على تغييرنا لنكون صالحينَ، ليس فحسب، بل لنُبشِرَ بصلاحهِ. إيماننا يتطلّب خطواتٍ حاسمةً ومواقفَ جادةٍ تكشُف عن طاعةٍ لما يُريدهُ الله منّا حتّى وإن كُنا لا نفهمٌ مغزاه. إيماننا ليس تعليماً نعِظُ به وتوصياتٍ نحفظها، بل خبرة شِركة مع ربنّا يسوع فمن دون هذه الشِركة، الافخارستيا، ستكون المسيحية مدرسة فضائل إنسانية، والحال هي بيت المحبّة الذي يجمع البشرية حول ربّنا يسوع المسيح.

حياتنا المسيحية هي مسيرة إيمانية ثابتة تجابه كل تعبٍ وحزنٍ ويأس تحت أنظارِ الله الآب الذي تجسّد ليرافقنا في حُزننا يعبُرَ بنا إلى الضفةِ الأخرى التي لم نكن لنشتغلِ فيها لولا كلمتهُ. إلهنا حضرَ لا ليُنافسنا ويُلغي وجودنا بل ليقبَل منّا ثمار "الإيمان والطاعة" ويُباركها لتكون مائدة المحبّة؛ الإفخارستيا. نحن نؤمِن أن إلهنا، ولأنه الآبُ المُحِب، لن يتركنا نجابه هذه الظلمة وحدنا، بل سيُشرق علينا بنورهِ، ويُرشدنا إلى الطُرق التي فيها نجد الحياة: "ألقوا شبكتكم من جانب اليمين"، وهو خادمها: "فلّما نزلوا إلى الأرض رأوا جمراً موضوعاً وسمكةً موضوعةَ عليهِ وخُبزاً"، وهو الذي يُعطيها الحياة: "فأخذ يسوع السمك والخُبزَ وأعطاهم". ولكن، نحن بحاجةٍ إلى فعلِ طاعةٍ لكل ما يأمرنا به ربّنا حتى وإن بدا مخالفاً لما نعتقده، أو غريباً عن رؤيتنا للحياة. إيماننا يتطلّب موقف طاعةٍ، طاعة مريم أمنا، طاعةٌ أوصلتها لتقف عند أقدام ربّنا يسوع المصلوب، وتنضمّ إلى جماعةِ الرُسل، الكنيسة الأولى، تُصلي من أجلهم.

لنطلّبَ صلاتها من أجلنا جميعاً. 

 

الخامس من القيامة

الأحد الرابع من القيامة:

ثمارٌ القيامة: فرح ووفرة حياة (يو16: 16- 33)    

 

مَن الذي يُعطينا الرجاء من أن حاضرنا المُحزِن والمُضطَرِب سيؤولَ إلى فرح الإنتصار؟

هي محبّة الله لنا والتي كانت فاتحة جلسة الوداع التي جمعت ربّنا يسوع بتلاميذه: "وكان يسوع يعلّم بأن قد أتت ساعةُ إنتقالهِ عن هذا العالم إلى أبيهِ، وكان قد أحبَّ خاصتهُ الذين في العالم، فبلغَ به الحُب لهم إلى أقصى حدودهِ" (13: 1). فإنطلاقاً من هذه المحبّة يُوجه ربّنا خطابهُ لتلاميذهِ اليوم مُثبتاً إياهم في الرجاءِ، ومؤكداً لهم بأن مُغادرتهُ لم في الجسّد ما هي إلا بدءُ حياةِ مليئة بالفرحِ، فرحٌ مَن وجدَ أنه محبوبٌ من قبل الله ومغفورٌ له. هذا ما بشّر به ربّنا يسوع وثبتهُ الله بإقامتهِ رباً، فغدت القيامة مبعثَ فرحٍ للتلاميذ. 

سيبدأ التلاميذ (والكنيسة كلّها) حياة التبشير بإنجيل الله؛ يسوع المسيح. فالله الآب، ولأنه محبّة تجسّد ليكون مع الإنسان في ألمهِ ليقويّه ويتجاوز الإحباط واليأس والخوف الذي يختبرهُ، مثل المرأة الحامل التي تتأمل حالتها وترتعبِ لهول الساعةِ، حتّى يُولَد إنسانٌ، وفي ولادتهِ تفرحُ وتنسى ألمها، بل يتسامّى هذا الألم ليكون بدءَ حياة للإنسان. هذه هي بشارة ربّنا يسوع المسيح: أيها الإنسان لست صُدفة على الأرض، ولحياتِك أثرٌ طيبٌ فعش حياتَك لتكون سبب فرحةِ الله.

قيامةُ ربّنا يسوع تُعطينا الشجاعة لموصلة المسيرة خلفَه متجاوزين "رفضَ هذا العالِم" لنا، مؤمنينَ أن حياتنا كلّها هي تحت أنظار الله الآب، الله الذي يعتني بنا على الرغم من الألم والحزن والضيقات التي تحاول ان تخنق الحياة فينا، ليُعيننا على تجاوزها ليس فحسب، بل ليُؤتي منها خيراً وفيراً لم يكن لنا لنفهمهُ لولا حضورهِ معنا. فإذا كُنّا أبناء القيامة، فالرب ينتظر منّا الإيمان فنسير في الحياة ونحن نعمل دوماً ما يُرضيه ويُفرِح قلبهُ، فنمدَّ يد السلام والمُصالحة لكي نخفف من وطأة الأحقاد والغضب من حولنا. علينا ألا نتطلّع إلى الإنجازات الكبيرة أو إلى معجزاتٍ خارقة، بل يكفينا أن نقدَم أعمالنا الصغيرة بحب صادق ونزيه. لربما يكون الأمرُ صعباً في عالمٍ يُسيء فهمَ طيبتنا، عالمٌ يغضَب ويرفض ويكره ويحسد ويُعنّف ويكذب ويغش ويخدع. عالمٌ يبدو أنه خالٍ من حضور ربّنا يسوع، ولكن علينا أن نؤمِن ببشارته لنا: "ثقوا أنني غلبتُ العالم".

ربّنا يسوع عارفٌ أننا مثل تلاميذه لن نصمد طويلاً أمام التجارب التي تتحدانا يومياً. ربّنا عارفٌ أننا كثيرا ما نتخلّى عنه أمام اختياراتٍ أخرى. ربّنا عارفٌ بمحدودية إيماننا، وهو إيمانٌ متطلّب، فيُعزينا بغفرانهِ المُسبقَ ليكون لنا شجاعة التوبة ليكون لنا سلامٌ القلب الذي يهبهُ لنا ربنا يسوع وحدهُ فقط، ثمرةٌ الإيمان بيسوع القائم. وإن تأملّنا ماضينا بنزاهةٍ أمام الله فسنذهَل عندما نكتشِف أن الله لم يتركنا وحدنا في لحظاتٍ صعبة من حياتنا، وعلى الرغم من كل ذلك، نجد أنفسنا مُضطربين أمام كلِّ شدّة. وهذه علامات فقدان السلام، وإشارة إلى عدم الإيمان بالله لأن الإنسان يثق بنفسهِ أكثر من ثقتهِ بالله.

الإيمان بقيامة ربنا يسوع المسيح لن تُبعدنا عن العالم، أو تنقذنا من تجاربهِ، بل تُثبتّنا في وقت المِحَن لنواجهها مؤمنين أنه معنا. لذا، يطلب ربّنا يسوع منّا أن نؤمِن، أي أن نقبل عطية المُصالحة التي قدّمها الله لنا بيسوع المسيح، ولسنا في ذلك نتنكّر لحقيقة الخطيئة وقوّتها التي تُعارضَ هذا الإيمان، بل إننا نُسلّم حياتنا لربنا واثقين أنه غلبَ خطايانا التي تُبعدنا عنه. فالإيمان مُكلِفٌ ومتطلبٌ ومُحزنٌ، إلا أنه يحملُ معهُ فرحاً لا يُوصَف، كفرحِ ولادة إنسانٍ في العالم. والإيمان مُكلفٌ لأنه يتطلّب تغييراً جذرياً للحياة، وهذا ما لسنا مستعدون للإلتزامِ به دوماً.

نحن نختبِر جميعاً صعوبةَ الإيمان، ونشعر بالحُزن والكآبة، ونتجمّد في مسيرة إيماننا، وهذا ليس لأن الله قرر لنا مصيراً يختلِف عن مصير القديسيين، بل لأننا نحن لم نسمح له بل يفيض محبتهُ فينا مثلما يجب. فالقديسون ليسوا أبطالاً وإنما هم خطأة تبعوا يسوع على درب التواضع والصليب وسمحوا له بأن يقدّسهم مثلما يقول قداسة البابا فرنسيس. والحال أن هناك جانبٌ من حياتنا نرفضُ أن تغمره محبةُ الله، ونُفضل أن يبقى بعيداً عن نورهِ، فلا يأتِ الإيمان كاملاً بل منقوصاً، ويضحى صعباً، فنترك ربنا يسوع وحدهُ. إن قُلنا إننا نؤمنُ بيسوع المسيح، ولكن! هذه الـ "لكن" تُصبح شرطاً يجعل الإيمان صعباً بل مُستحيلاً. والحال إن الإيمان هو "نعمٌ" صادقة وأمينة، مثلُ نعمُ أمنا مريم التي نُكرمها في هذا الشهرِ بإمتياز. "نعمٌ" تفتح الحياة كلّها أمام الله من دون أن تحتفِظ لنفسها بشيءٍ، بل تهبهُ للعالمِ مُخلصاً وتحتضنهُ مصلوباً وتُسلمهُ لله الآب ربّا وترافق الكنيسة مُصليةً. 

 

الرابع من القيامة

الأحد الثالث من القيامة:

ثمار القيامة: معرفة الآب (يو  14: 1- 14)

"قالَ له يسوع: "أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة. لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلاَّ بي. فلَو كُنتُم تَعرِفوني لَعَرفتُم أَبي أَيضاً. مُنذُ الآنَ تَعرِفونَه وقَد رأَيتُموه" (14: 6- 7). في هذا الإعلان كشفَ الإنجيلي يوحنا عن إيمانه من أن ربنا يسوع هو حضورَ الله الملموس بيننا، ولا يُمكن لنا أن نعرِف الله الآب إلا بيسوع المسيح. وفي هذا الحضوّر مكّننا ربّنا يسوع من أن نعرِف الله أباً مُحبّاً. الله حضرَ في وجهِ إنساني بيسوع يسوع المسيح، وربّنا يسوع لم يأتِ ليعرِض تعليماً عن الله، بل صارَ هو الطريق إليه، وهو طريقٌ كلّفهُ حياتهُ. فإذا أردنا أن نعرِف الآب ونراهُ، مثلما طلبَ فيلبُس اليوم، فعلينا أن نتأمل وجه يسوع، وأن نحمِلَ إليه كلَّ مَن يُريد أن يعرفهُ.

ربّنا يسوع لم يقل "عندي لكم طريقٌ إلى الآب، أو أنا أعرفُ الطريق"، بل قال: "أنا هو الطريق"، في هذا كشفَ عن الوحدة التي تجمعهُ بالله الآب، فلا يُمكن لإنسان أن يُعلِن هذا الكشف إلا إن كان واحداً مع الآب. ربنا يسوع لم يأتِ ليُعلَّمَ عن "الألوهية"، بل ليعيشها بيننا حُباً خدوماً ورحوماً وغافراً، وهوذا يدعو تلاميذهُ لا ليتذكروا تعليمهُ فحسب، بل ليتبعوهُ هو الطريق الحقُ إلى الآب. هذا الطريق غيّر حياة الرُسل ثم حياة الكنيسة الأولى وحياة العالَم كلّه، وجعل حياة بعض الناس (القديسين) أكثر إنسانية وأكثر إشراقاً.

يسأل بعضُهَم: ما معنّى أن تُعلِن الكنيسة قداسةَ حياة إنسانٍ ما؟ أوليستَ هذه "شِركةٌ وتوثنٌ"؟

وتُجيبُ الكنيسة: كلاّ، فقداسة حياة إنسانٌ تبِعَ ربّنا يسوع المسيح، الربُّ القائِم من بين الأموات، هي شهادة على صدِق كشفِ ربّنا يسوع اليوم: "أنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة. لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلاَّ بي"، فمعرفتهُ قدّست حياة هذا الإنسان (الإنسانة)، هذه الحياة الإنسانية التي لم يشمئز منها الله على الرُغم من كثرِة خطاياها، بل صارَ بشراً وكان معنا، لا ليبتلعنا ويُلغي وجودنا، بل يجعلنا أكثر إشراقاً، مثلما يروي لنا العهد القديم كيف أن الله دعا موسى ليقود شعبهُ نحو البرية مُحرراً إياهم من عبودية مصر، فظهرَ له في هيئة "عليقةً تشتعِل". فحضورهُ لم يُحرِق العليقة ويلغيها، بل جعلها مُضاءَةً، أكثر توهجاً، هكذا هو الله الآب عندما يحلُّ في إنسانٍ، يُعطيهِ الكرامةَ فيُقدسهُ، وقداسهُ هذا الإنسان مؤسسةٌ في محبتهِ لله الآب بيسوع المسيح.

إخوتي وأخواتي،

العالم اليوم يعرِض لنا طُرقاً مُختلِفة للحياة الحق. العالَم يُبهرنا يومياً بمشاهَد تدعو الناس ليتبعوهم بعيداً عن يسوع. لكن هذه الطُرُق تُتعبُنا وتُهلكُنا وتستهلكنا، لأنها خالية من حياة الله. وحدهُ الله يُعطينا الكرامةَ بيسوع المسيح. يسوع الذي عاش الطريق قبل أن يُطلبُ من تلاميذه أن يتبعوهُ فيه. طريق المحبّة، طريقٌ يتطلّب أولاً الإتحاد بيسوع المسيح، فهو وجه الله الآب وهو حضورهُ الحق. ومَن يُريد أن يرى الله الآب ويصلَ إليه، عليه أن يتبعَ ربّنا يسوع المسيح على الطريق الذي اختاره هو، لا الذي نختارهُ نحن ليسوع. فالمسيحية ليست فكرة فلسفية أو طريقاً نحو السعادة، بل علاقةٌ مع شخصِ يسوع المسيح. دعوةٌ ليعيشَ الإنسان حياة مُتميّزة، حياة ربنا يسوع المسيح، فلا يكفي أن تحمل إسم المسيح، بل أن نحيا المسيح أينما كُنّا، وأن يرى فينا الناس وجه يسوع الحي. فبالمسيح يسوع وحدهُ عَرفنا الله الآب وعرفنا الطريق الحقَّ إليه.

عندما دعا ربنا يسوع فيلبُس إستجاب الدعوة وراحَ وبقيَّ حيث ربّنا يسوع، ثم وجّه الدعوة لنثنائيل قائلاً: "الذي كتبَ في شأنهِ موسى في الشريعة وذكره الأنبياء، وجدناهُ، وهو يسوع أبنُ يُوسُف من الناصِرة"، وجاءهُ الجواب: "أمِنَ الناصِرة يُمكن أن يخرجَ شيءٌ صالحٌ". لم يتراجع فيلبُس أمام هذا الجواب، بل واصل الدعوة فقال: "هلّم وأنظر"، وهي ذاتُ الكلمات التي دعا فيها يسوع تلميذيه الأولين (يو 1: 35- 46). وهو يدعونا اليوم أيضاً لنكونَ بقُربِ يسوع حتّى نعرفهُ: "هلمَّ وأنظر". فالصداقة الحقيقة تتطلّب "قُرباً" أكثر من الشخص، وهذا القُربَ يعني محبتهُ ومحبتهُ تجعلنا نعرِفهُ، ومعرفتهُ تعني حفظٌ وصاياه والسير خلفهُ بأمانةٍ ونترُك في حياتنا أثرَ الله فينا، مثلُ هذه الحياة تجذبُ الناس إليها لأنها حياةٌ صادقةٌ لا غشَ فيها.

اليوم، تُعلَن لنا هذه البشارة أيضاً: "أنا هو الطريق والحق والحياة. لا يمضي أحدٌ إلى الآب إلاَّ بي" (يو 14: 6). والسؤال الذي نسألهُ هو: هل أعرِف يسوع معرفةً معلوماتية أم أُحبُه؟ ما الذي يُميّز حياتي كمسيحي؟ وإذا كان الجواب: لا يوجد ما يُميّزني عن باقي الناس، فيأتي السؤال المُوجِع والذي يتطلّب صدقاً وصراحةً مع الذات: أيُ طريقٍ اخترتُ لحياتي وأي إلهٍ أعبُد؟ فحياتُنا مثلٌ حياة غير المسيحيين وليس فيها ما يُميّزها، بل لا تُثيرُ تساؤولات الناس، فأضحت صلاتُنا مُلحةً اليوم: "يا ربُّ، إننا لا نعرف إلى أين تذهب، فكيفَ نعرِف الطريق".

التعرّف على حقيقةِ حياتنا يجعل الطريق إلى ربّنا يسوع أصدق، ويُنمي فينا ثمارَ القيامة: معرفة حقيقيةٌ لربّنا يسوع". 

 

الثالث من القيامة


Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 90

Warning: Illegal string offset 'active' in /home/adiabene1/public_html/templates/business_pro/html/pagination.php on line 96
الصفحة 1 من 9