المواعظ
%AM, %10 %386 %2019 %11:%شباط

الأحد الخامس من الدنح - ولادة من الروح القُدس

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الخامس من الدنح

ولادة من الروح القُدس (يو 3: 1- 21)

إستقبلَ ربّنا يسوع نيقوديموس، معلّم إسرائيل، إستقبالهُ لشعبٍ ينتظرُ المُخلص؛ الماشيحا، ويسعى لتعجيل مجيئهِ إنطلاقاً من الإلتزام بالشريعة. حاوره بصدقٍ ليقوده نحو التوبة والإهتداء إلى "البُشرى السّارة" والإيمان به مخلّصاً ليُولَد إبناً لله، لا بأعمال الجسد التي يسعى لتطبيقها حرفياً، بل بنعمةٍ مجّانية من الله: "أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله" ... لأَنَّ الشَّريعَةَ أُعطِيَت عن يَدِ موسى وأَمَّا النِّعمَةُ والحَقّ فقَد أَتَيا عن يَدِ يسوعَ المسيح. (يو 1: 12- 17). إستقبلهُ وهو يعرِف أن نيقوديموس خائفُ من تبعات هذا اللقاء، فعلى الرُغم من أنه بحث عن ربّنا يسوع ليلتقيهِ إلاً أنه جاء ليلاً خوفاً من أن يراهُ أحدٌ ويفضحَ أمره. وعندما بدأ حديثهُ مع ربنّا إختباءَ خلف رأي الناس بربّنا يسوع بقولهِ: "راِّبي، نحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ جِئتَ مِن لَدُنِ اللهِ مُعَلِّماً، فما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يَأَتِيَ بِتِلكَ الآياتِ الَّتي تَأتي بِها أَنتَ إِلاَّ إِذا كانَ اللهُ معَه"، عوضَ أن يقول: "أنا أعلمُ، أنا أؤمنُ". فبدأ معه ربّنا يسوع مسيرة التوبة مُطالباً إياهُ بأن يُعلِن إيمانهُ الشخصي فلا يكفي أن تُردد ما يقوله الناس عن يسوع، الأمرُ بحاجةٍ إلى إعترافٍ شخصي: "هذا ما يراه الناس، ولكن ما الذي تقولهُ أنت يا نيقوديموس؟ هذا الإعتراف الشخصي ممكن فقط لمَن يُولَد من الروح القُدس.

ربّنا يسوع، نور العالم، لذا قادَ نيقوديموس في رحلة التوبة ليُخرجهُ من الظلمةِ التي هو فيها. نيقوديموس إنسانٌ خائفٌ لم يأتِ ليلتقي مع ربّنا يسوع بمعيّة علماء الشريعة مثلما كان الأمر آنذاك ليشهدوا على صحّة معتقداتِ ربنا يسوع. والحيرة أخذتهُ ولم يتمّكن من التعرّف على هوية ربّنا يسوع الحقيقية: "هو نورُ العالم، هو المُخلِص، هو الماشيحا. لذا، فهو بحاجةِ إلى أن يسمح لله الآب أن يلدهُ له إبناً، والولادة الثانية تعني حرفيا: عليك يا نيقوديموس أن تترك كلَّ شيء، أن تترك ما تعرفهُ عن "الماشيحا"، أن تتخلّى عن أفتراضاتِك من أجل إنطلاقة جديدة في حياتِك، وأترك دفّة القيادة بيدي، وأقبل أن تكون تلميذا لا معلما. أفعل هذا وستنال حريّة الروح لأن الروح سيأخذ إلى كلّ مكان من دون أن يكون لكَ تحفظات أو إعتراضات.

فلا يكفي يا نيقوديموس أن تعلم (تعرِف) أن ربّنا يسوع جاء من عند الله، الأهم هو أن تتوبَ لهذه الحقيقة، وتسمَح للروح القُدس أن يُرفرِف على حياتِك فتُولدَ إنساناً جديداً بنعمةِ الله، مثلما كان روح الله يُرفرف على وجه المياه في البدءِ فأبدع الخليقة (تك 1: 1-2). قف أمام النور الإلهي ليُضيء الظلمة التي أنت فيها، ويُخرجُك إلى النور، إلى الحقيقة. هو الروح نفسه الذي خلقَ إسرائيل شعبأً لله، فأخرجهُ بذراع قديرة من أرض مصر ودبّره في البرية مُعتنياً به إعتناء الآب بإبنهِ البكر (خر 4: 22). لذا، أبدى إستغربَ ربّنا يسوع من سؤال نيقوديموس فردّه قائلاً: "أَأَنتَ مُعلِّمٌ في إِسرائيل وتَجهَلُ هذِه الأَشْياء". فمَن هو شعبُ إسرائيل حتّى يُكرمهُ الله ويختارهُ: "لا لأِنَّكم أَكثَرُ مِن جَميع الشَّعوبِ تَعَلَّقَ الرَّبُّ بِحُبِّكم واخْتارَكم، فأَنتُم أًقَلُّ مِن جميعَ الشَّعوب، بل لِمَحبَةِ الرَّبِّ لَكم ومُحافَظتِه على القَسَم الَّذي أَقْسمَ بِه لآَبائِكم" (تث 7: 7-8).

هنا، كانت لابّد لربّنا يسوع أن يحسِم الأمور مع نيقوديموس ليُقرر: "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: إنَّنا نتكلَّمُ بِما نَعلَم، ونَشهَدُ بِمَا رَأَينا ولكِنَّكُم لا تَقبَلونَ شَهادَتَنا"، بمعنى: أنا هو المُرسَل من قبل الله، أنا هو الماشيحا، إتبعني يا نيقوديموس، وإذهب وبشّر إخوتَك، إنّك وجدّت الماشيحا. فلا يُمكن الفصل ما بين تعليم رّبنا يسوع وأعمالهِ، وبين شخصهِ. تجسّده يعني أنت مُطالَب بأن تتبعهُ، لأنه هو المُخلِص. هو الذي سيشفَع للإنسان مثلمّا طلبَ موسى من أجل الشعب عندما تمرّد عليه في البرية، فبيسوع المسيح سيكون لهم الخلاص: "وكما رَفَعَ مُوسى الحَيَّةَ في البَرِّيَّة فكذلِكَ يَجِبُ أَن يُرفَعَ ابنُ الإِنسان لِتَكونَ بهِ الحَياةُ الأَبديَّةُ لِكُلِّ مَن يُؤمِن". فعليكَ يا نيقوديموس أن تُقرر لحياتِك: إمّا أن تخرجُ للنور أو تبقى في الظلمة التي أنت فيها، وأن تتبعني حيثما أذهب، إلى أورشليم، إلى الجُلجلة لتقبل صليب بذل الذات حُباً لله وللقريب، وتقبلني مثلما أريدُ أن أكون: أنا الماشيحا المصلوب.

بدأت رحلة التوبة والإيمان في حياة نيقوديموس وأخذت منه بعض الوقت لأن كلمة الله زُرِعَت في قلبه، وسيعتني الله بنموّها على الرُغم من الإعتراضات التي تتحدّها، فما يعرفه عن الماشيحا كان عائقاً أمامه ليتعرّف عليه في شخص ربّنا يسوع. إمتيازاتهُ الإجتماعية ومكانتهُ كأحدِ علماء الشريعة جعلتهُ خائفاً من نظرة الناس إليه إذا قرر أن يكون تلميذا. فكان على نيقوديموس أن يترك مخاوفهُ ويتخلّى عن الكثير من الإمتيازات ليكون أكثر جُرأة في التعبير عن إيمانهُ، وهذا الذي حصلَ فدافع عن ربّنا يسوع أمام رؤساء الكهنة والفريسيين (7: 50)، ورافق يوسف من الرامة لتطيّب جسد ربّنا يسوع ويُقدّم له الإكرام الواجِب (يو 19: 39).

ربّنا يسوع ينتظرنا جميعاً ويُريد أن نضع أمامه كلّ مخاوفنا وهمومنا، ولكّن الأهم من ذلك، أن نقبلهُ مخلّصاً في حياتنا. قبوله لا يعني الإعتراف به مُعلماً، بل تباعتهُ والسير خلفهُ على الطريق الذي اختاره هو. فالخلاص لا يعني تغيير سلوكياتنا الخاطئة، بل السماح لروح القُدس ليلدنا أبناءً لله الآب مؤمنين بمحبتهِ لنا فهو لم يأتِ ليديننا بل ليُخلّصنا: "فإِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَه إِلى العالَم لِيَدينَ العالَم بل لِيُخَلَّصَ بِه العالَم"، وخلاص العالم سيكون عندما نترُك إنشغالنا بأنفسنا ونتوجّه نحو محبّة الله التي ظهرت لنا بيسوع المسيح. فلندع نورهُ يُشرق على حياتنا ويُضيء الظلمة التي فينا، ويُعرفنا بكل ما يمنعنا من أن نكون الحبُ الذي قبلناه نعمةً من الله.

قراءة 111 مرات آخر تعديل على %AM, %10 %389 %2019 %11:%شباط

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *