المواعظ
%PM, %05 %873 %2019 %22:%كانون2

عيد الدنح - توبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّموات

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

عيد الدنح

توبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّموات (متّى 3: 1- 17)

مع عماذ ربّنا يسوع إنفتحت السموات ليرفرف روح الله على علينا نحن الذين آمنّا ببشارة ربّنا يسوع فاختارنا الله وقدّسنا لنكون آبناءً له: "أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله" (يو 1: 12). مجيءُ ربّنا يسوع عند يوحنّا تثبيتٌ لرسالة نبيّ الله المنادي بمعموذية التوبة، ومُصادقة على نبؤتهِ: "أنا أُعمِّدُكم في الماءِ مِن أَجْلِ التَّوبة، وأَمَّا الآتي بَعدِي فهو أَقْوى مِنِّي، مَن لَستُ أَهْلاً لأَن أَخلَعَ نَعْلَيْه. إِنَّه سيُعَمِّدُكم في الرُّوحِ القُدُسِ والنَّار" (متّى 3: 11)، ليس فحسب، بل هو بدءُ مسيرة العودة إلى بيت الله الآب إذ يقودنا ربّنا يسوع نحن الخظأة ليُدخلِنا إلى فرحِ الآب. التوبة ليست من أجل إصلاحِ الأخلاق، بل هي جوابٌ مُمتننٌ لمُبادرة المُحبّة الذي يدعونا بلسانِ يوحنا: "توبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّموات" (متّى 3: 2)، وكانت هذه أولّ منادة لربّنا يسوع عندما بدأ البشارة: "تَمَّ الزَّمانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكوتُ الله. فَتوبوا وآمِنوا بِالبِشارة" (مر 1: 15). الله الآب يُريد أن يرافق الإنسان ليعيش ملءَ إنسانيتهِ.

في عماذهِ اليوم كشفَ ربّنا يسوع اليوم عن حقيقةَ تجسدهِ، فلم يأتينا معلماً أو واعظاً، ولم يكن نبيّا كسائر أنبياء الله، بل كان متضامناً معنا فتقدّم أمام يوحنا كخاطئٍ شعرَ بأنَّ إبتعاده عن الله موتٌ روحي وتغرّبٌ جسدي، فهو ليس قريباً من الله، وخطاياهُ تمنعهُ من التقرّب منه، ويعرِف أن الخلاص ليس ممكناً إلاّ بنعمةِ الله التي تدعوه اليم لأن يبدأ من جديد: "توبوا". فنالَ ما هو أعظمِ إذ أنعم الله الآب عليه لا بالخلاص فحسب: "مغفورة لك خطاياك"، بل وهبَ له نعمةَ البنوّة: "هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت" (متّى 3: 17، غلا 4: 4-5). ففي الميلاد صارَ الله إبناً وفي العماذ صيّرنا له آبناء.

موقفُ ربّنا يسوع هذا كشفَ لنا عن جسامة الخطيئة في حياة الإنسان، فإذا كان هو الكلمةُ ونورُ العالم، قد "غطسَ" عميقاً في ذاتهِ، وعرِفَ أن الإنسان خاطئ ويسعى دوما لتأجيل خطوة التوبة ويبحث عن مُبرراتٍ لكي لا يعودِ، وفيه مخاوفَ من متطلبّات هذه التوبة وتبعاتها، تقدّم اليوم مُستجيباً لدعوة يوحنا للتوبة، فهذا يُشجعنا لأن نبدأ مسيرة العودة إلى الله من دون خوفٍ أو ترددٍ أو محاولةٍ إيجادِ أعذارٍ تُؤجِل خطوة التوبة هذه. فالتوبة خطوة أولى وحاسمة في مسيرة الإيمان ببشارةِ ربّنا يسوع، وهي ممكنةُ لأن الذي يدعونا هو محبّة. هذه المحبّة تُثبّتنا في مسيرة التوبة وتحثّنا لأن نُحققها واقعاً في حياتنا: "أَثمِروا إِذاً ثَمَراً يَدُلُّ على تَوبَتِكم". فمعموذية وتوبة من دون ثمار هي مسيحيةٌ من دون شهادة.

نحن مدعوون لتغيير جذري في حياتنا من أجل تطهيرها من الآكاذيب والنفاق والحسد والغيرة والغضب والجشع التي تُفسِد حياتنا. هناك خطايا كثيرة تعوّدنا عليها وتأقلمنا معها وصارت جزءً منّا وأوجدنا لها مُبرراتٍ فأضحت اليوم وكأنها ليست بخطايا، وربّنا يعرِف أن التطهّر منها هو موجعٌ ومؤلِم، جلجلةٌ متواصلة، ولكنهُ ممكن بنعمةِ الله الآب وبمحبتهِ التي تقبلنا مثلما نحن وبنورهِ الذي يكشُف لنا عن "جسامة الخطيئة في حياتنا". هو خلقٌ جديدة، وقيامةٌ لإنسانٍ جديد، لذا تُلبِسُ الكنيسة المعمّذ دوما ثياباً بيضاءَ، ويُؤكِد متّى الإنجيلي على هذه الحقيقة عندما يستذكِر دعوة ربّنا يسوع له، فكتبَ: "فقامَ فَتَبِعَه" (متّى 9: 9)، وهو نفس الفعل الذي إستخدمهُ عندما بشّر النسوة قائلاً: "ِنَّه ليسَ هَهُنا، فقَد قامَ كما قال" (متّى 28: 6). كما وأن لتوبتنا هذه لها بعدٌ إرسالي أيضاً لأنها تُبشّر العالم بأن التوبة ممكنة والخلاصُ الذي صارَ لنا بيسوع المسيح تحقق. ففي العماذ قبلنا الله أبناء الله، ههذ البنوة ليست موضوعَ إفتخارٍ بل مسؤوليةٌ وإلتزامٌ بأسلوب حياة متميّزة. ربّنا يسوع بدأ يكشِف للناس عن جمال هذه الدعوة: "إنه إبنٌ الله الذي نالَ رضاهُ"، وعن معناها ومضمونها وما الذي تتطلّبهُ منه، فحقق في حياته كلّها البنوّة فشهِدَ له قائد المئة تحت الصليب: "كانَ هذا الرَّجُلُ ابنَ اللهِ حَقّاً! (مر 15: 39).

عماذنا كمسيحيين لن يكتمِل إلا بإجتهادنا في تحقيق هذه الدعوة واقعاً في حياتنا، نترُك الخطيئة ونلتزمُ أسلوبَ حياةٍ نتبع فيه يسوع المسيح وحدهُ على غرار الرُسل الذين تلقوا الدعوة وتبعوهُ، فالتوبة ليست تطبيقاً لتعاليم أخلاقية صالحة، بل هي أولاً وقبل كلِّ شيءٍ: تباعةٌ صادقةٌ وأمينة لربّنا يسوع المسيح، وأن يكون فينا فكرُ المسيح الذي وشعورهُ (فيلبي 2: 5). لست أنا الذي يقود طريق التوبة، بل إني أتبعُ ربّي يسوع يقودني إلى الله الآب الذي يستقبلني إبناً له ويجعلني أخاً للجميع ومسؤولاً عن حياتهِم من خلال شهادة حياتي.

ربّنا يدعونا اليوم لأن ننزل معه ونغتسِل من مخاوفنا ومن جروحاتنا ومن تعلّقاتنا ومن أكاذيبنا ومن مساوماتنا مع واقع الخطيئة المُسيطر علينا. هذه كلّها تمنعنا من أن نعيش نعمةَ المعموذية وتُضعِف فينا شعور البنوة التي نلناها نعمةً من الله الآب بيسوع المسيح. جميعنا يعرِف ما التغيير الذي نحن بحاجةٍ إليه، واي خطيئة علينا التخلص منها؟ فينا نور المسيح يسوع الذي يكشِف لنا عن الظلمة التي نعيشها، وفينا من الصدق لنقول: هذه هي خطيئتي وهذا ما أنا بحاجةٍ إليه، ولكن ينقصنا الشجاعة في القيام عن المكان الذي تعوّدنا التواجد فيها وتركِ هذا الواقع البغيض الذي نحن فيه لتباعةِ ربّنا يسوع على مثال أعمى أريحا: "وَقفَ يسوعُ وقال: "اُدْعوهُ". فدَعَوا الأَعمى قالوا له: "تَشَدَّدْ وقُم فإِنَّه يَدْعوك". فَأَلقى عنهُ رِداءَه ووَثَبَ وجاءَ إِلى يسوع. فقالَ له يسوع: "ماذا تُريدُ أَن أَصنَعَ لكَ؟" قال له الأَعمى: "رابُوني، أَن أُبصِر". فقالَ له يسوع: "اِذهَبْ! إِيمانُكَ خلَّصَكَ". فأَبصَرَ مِن وَقتِه وتَبِعَه في الطَّريق. (مر 10: 49- 52).

قراءة 44 مرات آخر تعديل على %PM, %01 %889 %2019 %23:%شباط

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *