المواعظ
%PM, %15 %470 %2018 %13:%كانون1

الثالث من البشارة - وَامتَلأَ أَبوهُ زَكَرِيَّا مِنَ الرُّوحِ القُدُس

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد الثالث من البشارة

وَامتَلأَ أَبوهُ زَكَرِيَّا مِنَ الرُّوحِ القُدُس (لو 1: 57- 80)

أكدّ لوقا الإنجيلي على دور الله الثالوث في تحقيق التدبير الخلاصي، لا سيَّما في تعليم الإنسان كيف وماذا يُصلي: "فإِنَّ الرُّوحَ أَيضاً يَأتي لِنَجدَةِ ضُعْفِنا لأَنَّنا لا نُحسِنُ الصَّلاةَ كما يَجب, ولكِنَّ الرُّوحَ نَفسَه يَشفَعُ لَنا بأَنَّاتٍ لا تُوصَف" (روم 8: 26). ها هو الله الروح القُدس يُصلّي في الإنسان، فلنا هُتاف إليصابات (لو 1: 41- 42) وصلاةُ مريم (لو 1: 46- 55)، ونبؤةُ زكريا (لو 1: 67- 79)، ونشيدُ سمعان الشيخ (لو 2: 29- 32)، وكلّها تُشيد بتدبير الله الخلاصي وتدخلّه الحاسم في تاريخ الإنسان.

ولكن ما الذي يُميّز نبؤة (صلاة) زكريا يوم ميلاد يوحنّا؟

لقد حصلَ ما لم يكن في الحُسبان. فبعد أن اعتقدَ الجميع أن الله نسيَ زكريا الكاهن وإليصابات (شعبه)، ها هو يتذكرّهم (زكريا = الله يتذكّر) فوهبَ لهم ولداً وبعث الحياة فيهم من جديد، حياة في رحمِ الأم وحياة في البيت. لذا، فرحَ الجميع بالنعمة التي صارت للعجوزين البارين، وأرادوا أن يُخلّدوا ذلك بتسمية الوليد بـ"زكريا"، في تأكيد على فعلِ الله الخلاصي في حياة هذا الكاهن. هذا الطفل هو هبةٌ من الله الآب وهو علامةُ رجاءٍ للجميع، فالله أمينٌ في مواعيدهِ ولم ينسَ وعدهُ. مع يوحنّا وربّنا يسوع بدأَ تاريخٌ جديد، فيه أعادَ الله الحياة للإنسان. فالله لن يتوقّف عند ماضي الإنسان الخاطئ بل ينتشلُه من خطاياهُ ويدعوهُ إلى وفرةِ الحياة معهُ. وهذا ما أكدّه نشيد أمنا مريم التي انطلقت من خبرتها الشخصية مع الله لتُنشِد عظيمَ أعمال الله مع شعبهِ، ويأتي زكريا الكاهن ليُبارِك الله الحاضِر مع شعبه، افتقدَ شعبه وتنعم زكريا وبيتهُ بهذا الخلاص. الله يبقى هو الإلهُ الأمين والعامِل في حياتنا، وعلينا أن ننتبهِ لحضورهِ معنا على نحو شخصي أو جماعي.

كان لإليصابات وزكريا رأيٌ آخر، لكنَّ الله كان أميناً في وعدهِ معهم ورحوماً أيضاً. فلم يتركِ اللهُ الكلمة الأخيرة لليأس، وعندما تدخَّل لم تكن كلمةٌ تُعاقِبُ الإنسان على خطاياهُ بل كلمة حنان ورحمة؛ يوحنا = الله تحنّنَ. حنان يجعل الإنسان يعبدُ الله بالروح والحق من دون خوفٍ: "فَنعبُدُه غَيرَ خائِفين، بِالتَّقوى والبِرِّ وعَينُه عَلَينا، طَوالَ أَيَّامِ حَياتِنا". يوحنا هو تعبيرٌ عن حضورِ الله الخلاصي في حياة الإنسان، وهو سيُعلِن عن ذلك صريحاً: "هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم" (يو 1: 29). ومن أجل ذلك نحن بحاجةٍ إلى الروح القُدس لنشعرَ بحضور الله في حياتنا وننتبهَ لكثرةِ العلامات التي يحاوِل من خلالها الحديث إلينا. فولادة يوحنا، وولادة كل طفلٍ، علامةُ من الله على أنه مازال يثقُ بالإنسان ويمنحهُ فرصةَ البدءِ من جديد: "ما عَسى أَن يَكونَ هذا الطِّفْل؟".

الروح القدس، روح الله سيحلُّ متى ما أفسحنا المجال له. هذا الروح الذي وُهِبَ لنا يوم عماذنا وجعلنا أبناء وبنات الله الآب لنُشاركهُ الحياة الإلهية. روح الحق الذي يُنير أذهاننا ويُثبّت إرادتنا في فعل الصلاح، فنعرِف الله ونحبّهُ ونجعلهُ معروفاً ومحبوباً. صمتَ زكريا لتسعةِ أشهر، وأخفت إليصابات نفسها لخمسةِ أشهرِ، وعبّرا في ذلك عن ضرورة الإنسحاب والإختلاء بعيداً عن العالم لتلمّس علامات حضور الله. وعندما حان وقتُ الكلام أعلنا عن عظيمِ أعمال الله في حياتهما، فكان الصمتُ نعمةً والكلامُ بركةً، بل فعلٌ خلاصي لأنه غيّر مجرى اهتمام زكريا بنفسهِ، فهو الذي كان يُصلي ولسنوات طويلةٍ من أجل أن ينالَ ولداً. إنه لزِمَ الصمت من أجل أن يتهيأ لتدخّل الله الحاسم في حياته وحياة شعبهِ الذي تقدّمهم كاهناً.

لكن الروح القُدس أشارَ إلى زكريا نحو أمرٍ آخر: علاقتهُ كأبٍ بالطفل يوحنا: "وأَنتَ أَيُّها الطِّفْلُ ستُدعى نَبِيَّ العَلِيّ". هذا الطفل يحمل إمكانيات جمّة، والأهم من ذلك، إنه يحمل للعالم "حلم الله". وعليه كأبٍ أن يسعى جاهداً لينمو الطفلُ ويلتزِم دعوتهُ ضمن تدبير الله الخلاصي. عليه أن يُهيئ الطفل ليستجيب بطاعة تامّة لهذه الدعوة. لذلك أنشدَ زكريا كل ما سمعهُ من الملاك في الهيكل. هو طفل الشيخوخة ولكنّه مكرسٌ لله، وعلى زكريا وإليصابات تحمّل مسؤوليتهما وإرشادَ الطفل إلى حيثُ يُريدهُ الله: "وكانَ الطِّفْلُ يَترَعَرعُ وتَشتَدُّ روحُه. وأَقامَ في البَراري إِلى يَومِ ظُهورِ أَمرِه لإِسرائيل". فالطفل نعمةٌ من الله، وأمانةٌ عليهما أن يقبلاها بفرحٍ وشُكرٍ والتزامٍ مسؤول، لأن هذا الطفل سيُهيئ طريق َالربِّ ويُعلّم شعبهُ أن الله يُحبهم وأن ما يمنعهم من الشِركة معه، خطاياهم، هي مغفورةٌ برحمةِ الله وحنانهِ، فعليهم القيام من "موتِ الخطيئة" والسير في طريق السلامِ، والذي سيتحقق بيسوع المسيح الذي به صالحنا الله ويدعونا إلى أن نُصالحهُ (2 كور 5: 18- 20). نفهمُ الآنَ لمّا كان الصمتُ ضرورةً لزكريا، فضجيجُ العالم من حولهِ، وفوضى الأفكارِ فيهِ تمنعُهُ من رؤيةِ فعلِ اللهِ الخلاصي، لا سيَّما وأنه، ومثلما نفعلُ نحن، عندما نحضر للصلاة، أمامَ الصلاة نبقى منشغلين بما نٌفكّر فيه ونتمنّاه لحياتِنا. كّم منّا قادرٌ على الصمتِ اليوم، وما مضمونُ الكلامِ الذي نتداولهُ بيننا؟ ما الذي نقولهُ في حضرة ِإلهنا في الصلاة؟ أهو فعلُ تمجيدٍ وشكرٍ ومُباركةٍ أم حديثٌ مُحزنٌ عن أنفسنا أو كلامٌ سيِّئٌ عن الآخرين؟ أعطانا الله نعمةَ الكلام وما زال ينتظر أن يكون لساننا مُبارِكاً وشاكراً وشاهداً لحضورهِ المُحبِ في حياتنا، فلنفسحِ المجالَ للروح القُدس ليرفعَ فينا ومن خلالنا صلاةَ شكرٍ لله.

قراءة 549 مرات آخر تعديل على %PM, %15 %487 %2018 %13:%كانون1

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *