المواعظ
%PM, %08 %586 %2018 %16:%كانون1

الثاني من البشارة - البشارة لمريم: إلهنا حاضرٌ معنا

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الثاني من البشارة

البشارة لمريم: إلهنا حاضرٌ معنا (لو 1: 26- 56)

مع أن أمنّا مريم كانت تنتظرُ مثل بقية شعبِ إسرائيل يومَ افتقادِ الله لشعبهِ، إلا أنها لم تكن تتوقّع أنها ستنال هذه الحظوة عند الله وتنعم بزيارة الملاك لها ليُبشّرها بأن لله الثالوث تدبيرٌ لحياتها ودعوةٌ لها. حوارها مع الملاك بيّن أنها لم تحسِب لنفسها مكانة متميّزة، لذا خافت واضطربت، فجاءت كلمة الله لتهبَ لقلبها السلام: "لا تخافي يا مَريَم، فقد نِلتِ حُظوَةً عِندَ الله". آمنت أنّ الله عازمٌ في تحقيق وعدهِ لإبراهيم ولزرعهِ، وسيواصل ذلك من خلاله، وتواصِل هي حياة الإيمان به إلهاً أوحد: "أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ"، فقدّمت له كل حياتها من دون تحفظاتٍ، مع معرفتها بكل ما تتطلّبهُ هذه الدعوة من صعوباتٍ، لاسيمّا وأنها ستسير هذا الطريق وحده. فالملاكُ غادرها وتركها تواجه تحدّيات هذه الدعوة بمفردها، وهي مهمّة تتطلّب منها أن تكون المُصغية والمُصلّية. لذا، يُقدمّها الإنجيلي لوقا إنموذجاً للمؤمن، للكنيسة التي تحمل كلمة الله الخلاصية في العالم وللعالم. لربما يعتقد البعض أن الذين يختارُهم الله سينعمون بحياة سعيدة، ولكنّ الكتاب المُقدس، يُبيّن لنا دوماً أن المدعوين ليس لهم أن يفتخروا باختيار الله لهم، لأنَّ هذا الاختيار يحمل معه تحدياتٍ وضيقاتٍ جمّة، وفي حالة أمنّا مريم سيُقال لها صريحاً: "وأَنتِ سيَنفُذُ سَيفٌ في نَفْسِكِ لِتَنكَشِفَ الأَفكارُ عَن قُلوبٍ كثيرة" (لو 2: 35)

بشارة الملاك لمريم أمنّا كشفت لنا أيضاً عن عمل الله الثالوث مثلما نُصلي في ليتورجيّتنا الكلدانية: "السّر العظيم الذي كان مخفياً منذ دهورٍ وأجيال، تجلّى لنا في نهاية الأزمنة. وهو أنّ الوحيد الموجود في حضنِ والدهِ جاء وأخذَ هيئة العبد بنعمتهِ. وهو أخبرنا وكشفَ لنا عن الإيمان الكامل بالثالوث" (ترتيلة الدواساليقي: الأحد الثاني). فالتجسّد كان في فكر الله الثالوث دوماً. ونسأل: ما الداعي إلى التجسّد الإلهي؟ هل أن خطيئتنا هي سببُ حضورِ الله وتجسدّهِ إنساناً؟ أوَ لم يكن يعرِف الله الخالِق أن الإنسان المخلوق حُراً له أن يرفضَ علاقة الشِركة معه؟

جوابُ الكنيسة هو: محبّة الله التي دفعتهُ ليكون مع الإنسان، وليس خطاياهُ، ومحبتهُ هذه ستتجاوز خطايانا وتدعونا للتوبة إليه والعودة إلى بيته الأبوي. فالمحبّة تجعله يكون مع الإنسان (يتجسّد)؛ عمانوئيل، وتجسدهُ يهبُ الخلاص للإنسان (فداء). محبتهُ الأبوية تُثيرُ فينا تساؤلاتٍ كثيرةً حول واقعنا الخاطئ فتحثّنا للتوبة مثلما قال الإبن عندما تأملّ واقعهُ المزري: "فرَجَعَ إِلى نَفسِه وقال: كم أَجيرٍ لَأَبي يَفضُلُ عنه الخُبْزُ وأَنا أَهلِكُ هُنا جُوعاً! أَقومُ وأَمضي إِلى أَبي فأَقولُ لَه: يا أَبتِ إِنِّي خَطِئتُ إِلى السَّماءِ وإِلَيكَ. ولَستُ أَهْلاً بَعدَ ذلك لِأَن أُدْعى لَكَ ابناً، فاجعَلْني كأَحَدِ أُجَرائِكَ" (لو 15: 17- 19). فالله خلّص الإنسان بالمحبّة، ومحبتهُ جعلتهُ حاضراً مع الإنسان.

البشارة لمريم أمِّنا تكشفُ لنا محبّة الله التي جعلتهُ قريباً من الإنسان الذي لا يعرِف كيف يقترِب منه، حتى وإن حاول فهو يُخطئ الهدف مراراً. لذا لزِمَ الأمرُ أن ينزل الله ليُصلِحَ ما أفسده الإنسان وليُصالحهُ إلى قلبهِ. فمسيحيتُنا تُبشرّنا "بشغفِ الله بالإنسان": "أُنظُروا أَيَّ مَحبَّةٍ خَصَّنا بِها الآب لِنُدعَى أَبناءَ الله وإِنَّنا نَحْنُ كذلِك" (1 يو 3: 1). فمَن يقبل هذه المحبّة ويؤمِن بها سينالُ الخلاص. فإلهنا وملكنا، ولأنّه محبّة أرادَ أن يكون دوماً مع الإنسان، إلاّ أنّ الإنسان هو الذي اختارَ العصيان والتمرّد ورفض حياة الشِركة مع الله، وحاول الله إستمالةَ الإنسان ذي الإرادة الحُرة إليه، وفشلَ الإنسانُ في أن يفتح لله مجالاً في حياتهِ، حتّى طرقَ الله أبوابَ مريم أمِّنا، هي التي قالت: "نعم" لإرادة الله وقبلتهُ في رحمها ووهبتهُ للعالم. فالـ" نعم" التي أعلنتها أمُّنا مريم في حضرة الملاك: "أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ"، إتَّحَدَت مع الـ"نعم" التي قالها الإبن للآب: "لِذلِكَ قالَ المسيحُ عِندَ دُخولِه العالَم: "لم تَشَأْ ذَبيحَةً ولا قُرْبانًا ولكِنَّكَ أَعدَدتَ لي جَسَدًا. لم تَرتَضِ المُحرَقاتِ ولا الذَّبائِحَ عن الخَطايا. فقُلتُ حينَئذٍ "وقَد كانَ الكَلامُ عَلَيَّ في طَيِّ الكِتاب": هاءَنَذا آتٍ، أَللَّهُمَّ لأَعمَلَ بمَشيئَتِكَ" (عبر 10: 5- 7)، فأصبحت "نعم" واحدة: "والكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا" (يو 1: 14). أمنا مريم وهبتَ لطاعة الإبن جسداً، فصار التجسّد ثمرة حوارين: حوار الآب مع الإبن، وحوار الآب مع مريم. فمحبّة الله هي الدافعُ للتجسّد الإلهي، وجوابُ هذه المحبّة لن يكون إلاً محبّة كاملة مثل محبّة مريم أمنّا.

اليوم، ونحن نُصغي إلى كلمة الله التي بشّرت أمنا مريم بأنه حاضرٌ فيها ومعها وهي تقبلهُ إلهاً في حياتها، لتخدمهُ بطاعة تامة ومحبة سخيّة. هي تدعونا إلى أن نتعلّم أن نقفَ في حضرته وكلّنا استعداد للجديد الذي يطلبهُ منّا حتّى وإن بدا لنا غير معقول. لنتعلّم من أمنا مريم كيف نحاوِر أنفسنا متسائلين: "كيف لي أن أكوَن أميناً في الإيمان؟" فخلاصنا يتحقق عندما نقبل إرادتهُ في حياتنا بطاعة حُرّة ومتواضعة، من دون أن نُفكّر يوماً بأننا متميّزون عن الآخرين بمواهِبَ وإمكانيات، فالأمرُ الأهم في حياتنا، هو حضورُ الله فيها: "إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ سَينزِلُ عَليكِ وقُدرَةَ العَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، لِذلِكَ يَكونُ الـمَولودُ قُدُّوساً وَابنَ اللهِ يُدعى".

قراءة 459 مرات آخر تعديل على %PM, %08 %596 %2018 %16:%كانون1

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *