المواعظ
%PM, %30 %463 %2018 %13:%أيلول

الأحد السادس من إيليا والثالث من الصليب - "لا أطلبُ ما أستحق بل أطلبُ الرحمة"

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد السادس من إيليا والثالث من الصليب

"لا أطلبُ ما أستحق بل أطلبُ الرحمة" (متى 15: 21 – 38)

خرجَ ربّنا يسوع من أراضي اليهودية وخرجت المرأة الكنعانية من بلادها الكنعانية (الوثنية) فصارَ لقاء الإيمان ممكناً، لأن الله دبّر بمحبتهِ هذا اللقاء من أجل أن تنال هذه المرأة الرحمة من الله الآب بيسوع المسيح، ليس هذا فحسب، بل لتكون معلمةَ الإيمان: "ما أَعظمَ إِيمانَكِ أَيَّتُها المَرأَة "، فأظهرتَ إيماناً يفوق إيمان الكتبة والفريسيين القادمين من أورشليم والذين اعترضوا على سلوكيات تلاميذ يسوع: "لِمَ يُخالِفُ تَلاميذُك سُنَّةَ الشُّيوخ؟ فَهُم لا يَغسِلونَ أَيدِيَهم عِندَ تَناوُلِ الطَّعام؟ (متّى 15: 2). لقد رأت فيه، هي الوثنية الجاهلةُ بالكتب والأنبياء، ما لم يرَه الكتبة والفريسيون المتضلعونَ بالكُتبِ وبتفسير التوارة والأنبياء، وهذا هو من تدبير الله: "أَحمَدُكَ يا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَواتِ والأَرض، على أَنَّكَ أَخفَيتَ هذه الأَشياءَ على الحُكَماءِ والأَذكِياء، وكَشفتَها لِلصِّغار. نَعَم ياأَبَتِ، هذا ما كانَ رِضاك" (متّى 11: 25-26)

لقد إنجذبَت المرأةُ الكنعانية نحو ربّنا يسوع، وكشفّت عن أنها واحدة من الحبّات الكثيرة التي نثرها الزارع في أرضهِ، فأثمرت "إيماناً ناضجاً"، إيماناً يتجاوز الصعوبات وصمتَ الله، فاستحقّت التهنئة: "عظيمٌ إيمانُكِ"، مع أنها كنعانية، أي إنها قادمة من واقعٍ يُعارِض الإيمان اليهودي ويُعاديهِ، فلطالما تذمّر الأنبياء من تأرجح اليهود ما بين الإيمان بإلهِ إبراهيم وإسحق ويعقوب والعمل بهِ، وبين الإستمتاع بطقوس الكنعانيين الوثنية: "فتَقَدَّمَ إِيليَّا إلى كُلِّ الشَّعبِ وقالَ: "إلى مَتى أنتم تَعرُجونَ بَيْنَ الجانِبَين؟ إِن كان الرَّبُّ هو الإلهَ فاتبِعوه، وإن كان البَعلُ ايَّاه فآتبعوه" (1 ملوك 18: 21).

صلّت: "رُحْماكَ يا ربّ! يا ابنَ داود، إِنَّ ابنَتي يَتَخَبَّطُها الشَّيطانُ تَخَبُّطاً شديدا". وهي صلاة إيمان مُطلقَ بالله. هي إنسانةٌ عانّت الضيقَ والعذاب بسبب مرضِ إبنتها. هذا الضيق جعلها تتوجّه نحو الله بكلّيتها لا أن تبتعِدَ عنه، وصار الضيق والعذاب طريقاً للإيمان. سارَت نحو ربّنا يسوع، تصيح وتطلب الرحمة وعندما وصلت إليه سجدتَ له، لُتعبّر عن وحدةِ الجسد والروح أمام الله. ضيقها النفسي والجسدي حملها نحو الإيمان بالله الرحوم، مثلما فعل بحارة سفينة ترشيش وقت العاصفة التي ضربت السفينة وكادت تُهلكهم: "فدَعَوا إِلى الرَّبِّ وقالوا: "أَيُّها الرَّبّ، لا نَهلِكَنَّ بِسَبَبِ نَفْسِ هذا الرَّجُل، ولا تَجْعَلْ علَينا دَماً بَريئاً، فإِنَّكَ أَنتَ، أَيُّها الرَّبُّ، قد صَنَعتَ كما شِئتَ" (يونان 1: 14).

لقد عبّرت في صلاتها أيضاً عن الحُب الذي تكنّه لأبنتها التي مسّها الشيطان وصار يُعذبها، لم تتخلَ عنها في محنتها هذه، ورأت في ربّنا يسوع الخلاص الذي صارَ لجميع الأمم مهما كانت إنتماءاتهم، فخرجتَ إليه حاملّة هذا الرجاء: "أريدُ رحمتَك يا ربّ، فأنت أبنُ داود"، وكانت متعمدةً في مناداتهِ: "يا ابنَ داود"، وكأني بها تقول له: "أنت تعرِف معنى علاقة البنوّة والأبوة، وتعرِف ألمَ الوالدين لعذاب أبنائهم". لقد بيّنت أن ألمَ إبنتها جعلها ترتبط بها إرتباطاً وثيقاً، فلقد صارَ ألمها الشخصي: "أَغِثْني يا رَبّ!"، وأصبحت هي حضوراً لأبنتها مثلما صارَ ربنّا يسوع تجسيداً لرحمة الله الآب. وكانت مُستعدة لأن تتخلّى عن كل شيءٍ، حتّى عن إنسانيّتها لتحصل على الشفاءلأبنتها: "نَعم، يا رَبّ! فصِغارُ الكِلابِ نَفْسُها تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ الَّذي يَتساقَطُ عَن مَوائِدِ أَصحابِها". تركتَ أراضيها وأهلها من أجل أن تلتقي ربّنا يسوع وهي مُستعدة للتخلي عن كلِ شيءٍ لتنال الرحمةَ والخلاص. لم تعترِض مُطلقا على تشبيه يسوع لها ولأبنتها بـ"بصغار الكلاب"، وأجابَت بعبارة: "نَعم، يا رَبّ! فصِغارُ الكِلابِ نَفْسُها تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ الَّذي يَتساقَطُ عَن مَوائِدِ أَصحابِها". صلّت بكل تواضعٍ مثلما صلّى أبوها إبراهيم: "قد أَقدَمتُ على الكلامِ مع سَيِّدي، وأنا تُرابٌ ورَماد" (تك 18: 27). قبِلَت على نفسها بأن تكون أصغرَ المخلوقات، بل لا قيمةً لها، لتنال الرحمة وتكون في ملكوت الله. تواضعَت حتّى تخلّت عن كل شيءٍ وأستسلمت إلى الله على نحوٍ تام، مرددةً عبارة "يا ربُّ" ثلات مرّاتٍ. هي تعرِف أنها ليست من شعب الله المختار، وهي لا تستحقُ الرحمة، فحاوَلت إستمالةَ الله إلى صلاتها، واثقةٌ من أن صلاتها ستُستجاَب، فثابرَت في صلاتها، ولم تتراجع أمام صمتِ ربّنا ورفضهِ لها، وعبّرت بصراحةٍ لا مثيل لها عن محبّتها له: "يا ربّ سأرضى بالفتات لأنه منكّ وهذا يكفيني. إني لا أسألُك عن ما أستحقهُ، ولكنَّ أطلبُ منّكَ ما أنت عليه: الحُب والرحمة". فنالتَ ما أرادت وأكثر من ذلك: "ما أَعظمَ إِيمانَكِ أَيَّتُها المَرأَة، فَلْيَكُنْ لَكِ ما تُريدين". صلاتها فيها شكلٌ من الصراعِ المتعنّد مع الله، وكأني بالله يستمتِع بهذا الصراع الروحي ويُعلِن إنتصارَ المرأة، مثلما حصل مع يعقوب الذي صارعهُ الله الليلَ كلّه: "فقالَ يَعْقوب: "لا أَصرِفُكَ أَو تُبارِكَني". فقالَ له: "ما اَسمُكَ؟" قالَ: "يَعْقوب". قال: "لا يَكونُ آسمُكَ يَعْقوبَ فيما بَعْد، بل إِسْرائيل، لأَنَّكَ صارَعتَ اللهَ والنَّاسَ فغَلَبتَ" (تك 32: 27- 29).

بشارة إنجيل اليوم تطلُب منّا أن نؤمِن وأن نثبُت في الإيمان، وأن نواصِل الصلاة بألفةٍ مع الله الآب الذي يستجيبُ لصلاة الإيمان بفرحٍ. لقدّ بيّنت هذه المرأة عن عظيم إيمانها، إيمان مقرون بالتواضع والحُب والمثابرة. كان مرضُ إبنتها فرصةً لها لتُعلِن هذا الإيمان أمام الجميع، ولم يكن هذا المرض، وتجاهل الله لها وصمتها أمام صلاتها ورفضهُ الإصغاء لها، سبيلاً للتخلي عن الإيمان والإبتعاد عن الله حُزناً وغضباً، بل واصلت المسيرة في "ظلمةِ ليل الإيمان"، ونالت معجزة الإيمان قبل معجزة الشفاء: "الحَقَّ أَقولُ لكم: إِن كانَ لَكم مِنَ الإِيمانِ قَدْرُ حَبَّةِ خَردَل قُلتُم لِهذا الجَبَل: اِنتَقِلْ مِن هُنا إِلى هُناك، فيَنتَقِل، وما أَعجَزَكُم شيء. وهذا الجِنسُ مِنَ الشَّيطانِ لا يَخرُجُ إِلاَّ بالصَّلاةِ والصَّوم" (متّى 17: 20- 21)

قراءة 1229 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *