المواعظ
%PM, %10 %859 %2018 %22:%حزيران

الأحد الرابع من الرُسل - رسالة الكنيسة: أَحِبُّوا ... أَحسِنوا ... وبارِكوا ... وصلُّوا

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الرابع من الرُسل

رسالة الكنيسة: أَحِبُّوا ... أَحسِنوا ... وبارِكوا ... وصلُّوا (لوقا 6: 12- 46)

تواصِل الكنيسة نشرَ رسالة ربّنا يسوع المسيح التي فيها طلبَ من تلاميذه (ومن الكنيسة)، أن يروا العالم بعيون الله، الله الآب الذي يُحِب ويرحم ويغفِر ويُصالِح الإنسان، فيُبشروا بمحبتهِ الأبوية والرحومة. الآب الذي لا يُجازي الإنسان وفقَ سلوكيات حياته الخاطئة، بل يقبله بالرحمةِ. كيفَ تُعاش هذه الرحمة؟ وما جديد ربّنا يسوع الذي على الكنيسة أن تحملهُ إلى العالم؟ 

طالبَ الله شعبهِ، بعد أن وهبَ لهم الكلمات العشر: "كونوا لي قِدِّيسينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ أَنا الرَّبّ، وقد مَيَّزتُكم مِنَ الشُّعوبِ لِتَكونوا لي" (أح 21: 26). وعلّم الكتبة والفريسيون ورؤساء الكهنة أن القداسة تتحقق بمحبّة الله ومحبّة القريب، من خلال طهارة الجسد ونقاوة الأفكار (الشريعة) تجاه الله وتجاه القريب. جديد ربّنا يسوع كان في كشفهِ عن صورة الآب الرؤوف الكثير الرحمة الذي أعلنهُ أنبياء العهد القديم، فعاشَ هذه الخبرة واقعاً مع الخطأة الذين جعلوا أنفسهم أعداء الله بخطاياهم، وخرجَ ليبحث عن الخاطئ ويُعدَّ له عُرساً. وعلى الكنيسة أن تستحضِر حياة ربّنا يسوع المسيح بشهادة حياة أبنائها، الذين لا يُحبون القريب وحدهُ، بل حتّى الأعداء الذين يُضايقونهم، وهم يحسنونَ إلى مُبغضيهم ويُباركون لاعنيهم ويُصلّون من أجل الذين يفترون عليهم كذباً. فلا ينتقمون لأنفسهم لهذه الإهانات، بل يقبلون الأعداء بإحترام ورحمةٍ، ويرفعون الصلاة من أجلهم لا لكي يُهلكهم الله بل ليُنير عقولهم ويعرفوه. 

صيغة التعليم تأتي ليس من معلّمٍ يُملي على مُستعميهِ ما تعلّمهُ هو، مثلما تعوّد اليهود سماعهُ من الكتبة والفريسيين، بل من شخصٍ ذي سُلطان، يكشِف لهم عن هويّة الله الآب، مّن هو؟ وما الذي سيحصلَ حقاً في قادِم الأيام. فما يُعلّمه ربّنا يسوع ليس "رغبة: هكذا اُريدكم أن تكونوا!"، بل "واقعٌ": هذه هي هويّتكم". تعليمهُ ليس أوامر يُمكن لتلميذه أن يختار الطاعة فيُطّبقها في حياته أو يرفضها. بل هو كشفٌ لأسلوب حياة التلميذ: هكذا يحيا تلميذُ المسيح حياتَه اليومية، فهو لا يغضَب ولا يحقد في قلبهِ على القريب ولن يسعى للإنتقام لنفسه، مثلما توصي شريعة موسى: "لا تُبغِضْ أَخاكَ في قَلبِكَ، بل عاتِبْ قَريبَكَ عِتاباً، فلا تَحمِلَ خَطيئَةً بِسَبَبِه. لا تَنْتَقِمْ ولا تَحقِدْ على أَبْناءِ شَعبِكَ، وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ: أَنا الرَّبّ." (أح 19: 17- 18)، بل يسعى ليواصل عيش البُشرى السارة التي بدأ مسيرتها ربّنا يسوع المسيح، فيُحبَّ أعداءَه ويُبارِك لاعنيه ويُصلي من أجل مُضايقيه، مثلما أن ربّنا يسوع الذي أحبَّ أعداءَه وصلّى من أجل مُضايقيه وصالبيهِ: "يا أَبَتِ اغفِرْ لَهم، لِأَنَّهُم لا يَعلَمونَ ما يَفعَلون" (لو 23: 34)، فحقق بالفعل ما علّمه للتلاميذ. 

محبّة الأعداء والإحسان إليهم والصلاة من أجلهم ومُباركتهم، هذا الواقع ليس رغبة بشرية إذاً، فنحن نميل عادة إلى مَن يتقاسم معنا الأفكار والتطلّعات والمشاعر، إلى أناس قريبين منّا ويفهموننا. قد يكذبون علينا بداعي مصالحَ شخصية ويُسمعوننا طيبَ الكلام، فنكون ضحيّة ريائهم، ولكننا نُفضل التواصل معهم، ونرفض مخالطة مَن يُخالف رأينا، ولا نُحِب أعداءَنا، بل نرفض التعامل مع مُضايقينا، ونغضب على كل مَن يفتري علينا الكذِبَ. ولكنّ ربّنا يسوع، كلّمة الله، يُريد أن تكون الكنيسة مكاناً يُستقَبل فيها كلُّ إنسان، وتعكس حضور الله الرحيم: "كونوا رُحماء كما أن أباكم السماوي رحيم". ربّنا يُريد من كنيستهِ أن تُحِب وتُحسِن وتُبارِك وتُصلي من أجل الأعداء، فتنضج في المحبّة وتنمو في الله، وتجعل حضوره ملموساً، لأنه محبّة. 

نحن إذن لسنا مدعوين لأن نختار ما بين: محبّة القريب أو رفضه (كرهه)، نجن مدعوون لأن نُحب فحسب، فليس لنا أختيار آخر سوى أن نُحِب. وهذا لا يعني أننا نتجاهل وننكر "أثرَ الشّر وتأثيره في حياتنا وفي علاقاتنا"، ولكن نقطة الإنطلاق في علاقاتنا الإنسانية ليست مبنيّة على تفضيلاتٍ شخصيّة، بل هي مؤسسة على حقيقةَ أن ربّنا يسوع، إبنُ الله، جعلنا أبناء الآب السماوي، وعلينا أن نتصرّف على مثالهِ: "وتكونوا أَبناءَ العَلِيّ، لِأَنَّهُ هو يَلطُفُ بِناكِري الجَميلِ والأَشرار"، فنتنازل عن حقّنا في الدفاع عن أنفسنا ونواصِل "الحُب والإحسان والصلاة والمُبارَكة". هذا ما يفعلهُ الله الآب، وهذا ما ينتظرهُ من أبنائهِ، وبذلك يتميّزون عن باقي الناس. فمحبّة الأعداء تُلّخص بشارة ربّنا يسوع، الذي عاشَ حقيقة هذه البُشرى فانحنى وغسلَ أقدام يهوذا الخائِن، الذي جعل نفسه عدوا لربّنا يسوع. 

ربّنا يُعلِن صريحاً: هناك أعداء ومُبغضون ولاعنون ومَن يفترون ويختلقون الفضائح كذباً عنّا، وهو لا يحكم عليهم ولا يدين سلوكياتهِم، فهذا شأن يعود إلى الله، هو الديان وليس لنا الحق في إبعاد الله عن كرسي الدينونة ونجلس نحن عليه: "لا تَدينوا فَلا تُدانوا". ربنا مُهتمٌ بشكل صريح بأسلوب حياتنا كتلاميذ له، وهو يُريد أن يكون فينا فكرُّ الله ومشاعرهُ. فالله هو أبونا، سواء كُنا رُحماء أم لا، وهو يبقى أباً حنوناً حتّى لو رفضنا المُشاركة في العُرس الذي يُحييه لعودة أخينا الخاطئ (لو 15: 29- 30). لذا، يُطالبنا ربّنا يسوع بأن نسعى لأن نعيش هوّيتنا: نحن أبناء الله، فنحن لا نُحِب الآخر لنُحقق رغباتنا ونُشبِع حاجاتنا، بل لنُحقق صورة الله فينا. الله الآب أحبّنا وغفرَ لنا، وجعلنا أبناء له بيسوع المسيح، وعلينا (روم 5: 8-10)، كجواب حُبٍّ لله الآب أن نُبادِل الآخرين هذه المحبّة التي لن تأتي عفوية بل تتطلّب الدخول في مدرسة يسوع للتعلّم والثبات على الطريق، وكبح مشاعر الغضب التي تولَد فينا إزاء سلوكيات الآخرين تجاهنا، وسنفشل مراراً وننجح أحيانا، لكننا واثقون بأنه لن يتركنا وحدنا في هذا الطريق، بل سيُنعِم علينا بما نحن بحاجةٍ إليه لنواصِل المحبة. 

قراءة 262 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *