المواعظ
الأحد, 03 حزيران/يونيو 2018 00:30

الأحد الثالث من الرُسل - رسالة الكنيسة: الرحمة أفعال وليست أقوال

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الثالث من الرُسل

رسالة الكنيسة: الرحمة أفعال وليست أقوال (لوقا 10: 25- 37)

تواصِل الكنيسة نشرّ "البُشرى السّارة" وتُؤكِد على ما علّمهُ ربّنا يسوع من أن الله يُريد من الإنسان أن يكون رحوماً مثلما هو رحيمٌ، وأن يُعامِل الآخرين بالرحمة فيكون شهادة حيّة لفاعلية "البُشرى السّارة" في حياته وفي حياة الآخرين. وفي إنجيل اليوم واجه ربّنا يسوع تساؤلات عالم الشريعة التي أرادَ فيها إحراجَه فأرادَ يسوع أن يجيب عليهِ من خلال مثل السامري الرحيم، وبالسؤال: لا تسأل مَن هو قريبي؟ بل قريبُ مَن أنت؟ فالقريب ليس المجروح الذي تتعطّف عليهِ، بل هو أنت في مواجهةِ احتياجات الناس وألمهم، فترى وتُصغي وتَّتخذ موقفاً مسؤولاً منها. فيأتي جديدُ ربّنا يسوع ليُرشدنا إلى أن محبّة الله والقريب لا تنطلِق من رغبة شخصيّة لإشباع حاجّة فينا، بل تنطلِق من حاجةِ الآخر الذي يتطلّب منّا إنتباهاً وإصغاءً وقدرة على الشعور بالرحمة تجاهه (أشفقَ عليهِ)، والتحرِك بشكل فاعلِ لتغيير واقعهِ المُؤلِم فيواصِل الحياة بكرامةٍ. فتأتي المحبّة دعوة ونداءٌ من الآخر موجهةٌ إليَّ بشكل شخصي، لتُخرِج كل الخير والإحسان الذي خلقهُ الله فيَّ، لأنه خلقني على صورته ومثالهِ، فهو الخير (تك 1: 28)، لأحقق إنسانيّتي، مُدرِكاً أن الرحمة هي أفعالٌ (مُحبّة ومجّانية) وليست أقوالاً فارغة. 

لنعد ونتأمل في قصة السامري الرحيم؟ فمعلمُ الشريعة أرادَ أن يُحرِجَ ربّنا يسوع فسألهُ: يا مُعَلِّم، ماذا أَعملُ لِأَرِثَ الحيَاةَ الأَبَدِيَّة؟ ليرى هل سيأتي بما هو جديد فيستحِق كل هذه المكانة والشهرة بين الناس؟ أم سيُناقِض الشريعة وتكون هذه فرصة للإطاحةِ به؟ 

وعلم يسوع ما يدور في ذهن عالِم الشريعة، فأعاد السؤال بسؤالٍ آخر، ووجه سائله ليقرأ الشريعة بعيون واهبها، الله. والمطلوب ليس تطبيق بنود الشريعة بحرّفيتها، بل أن تكون في خدمةِ الإنسان، فليس بمقدور أحدٍ أن يُتمّها ما لم يكن مُستعداً لأن يقبلها نعمةً ومسؤولية. وتبدأ هذه المسيرة من كون الإنسان حُراً ليُحِب: "أَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ، وكُلِّ نَفسِكَ، وكُلِّ قُوَّتِكَ، وكُلِّ ذِهِنكَ وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ". الإنسان الأناني بحُبِ ذاته، والذي يبحث عن إشباع رغباتهِ والمحبوس في أفكاره ورؤياهُ لن يكون حُراً بكفاية ليرى "جديد الله"، ويُحِب مثلما يجب أن يُحِب. وهذا واضح من أسلوب حياة الكاهِن واللاوي، فلكل منهما مشروع للحياة: لقاء الله، ليكون لهما صيتٌ حسنٌ ومكانةٌ متميّزة وسط شعبهما، وهكذا تتحقق سعادتهما. كانا مؤمنان بأن هذا اللقاء يتحقق في الهيكل، سُكنى الله، وعليهما أن يكونا مُستعدين لهذا اللقاء بطهارِة الجسد فلا يمُسان ما هو نجس، الجثّة مثلاً فجعلا من الشريعة طريقاً لتحقيق هذا المشروع، وإلتزما بها حرفياً. والرب لم يدنهما على ذلك، ولكنهما لم يَنعما باللقاء الذي كانا يطمحان إليه. وأما السامري، مع أنه غريب عن الديار بل عدوٌ للمُستمعين، فلم يختلِف عنهما فيما يُريد لحياتهِ، فلهُ هو أيضاً مشروعه الحياتي الخاص، ولكنه مشروع منفتحٌ لجديد الله. 

فجأة ظهَر على طريق حياتهم إنسانٌ مجروح بأمسّ الحاجة إلى المُساعدة، إذ كان جريحاً مُهان ومتروكاً بين حيِّ وميّت بسبب شرّ الآخرين وجشعهم. هذا الإنسان كان نداءً ودعوة موجهة إلى المارين الذين كانوا أحراراً قادرين على الإجابة بـ "نعم" أو "لا". حضور هذا الإنسان باغَتَهم ولم يكن بمقدورهم التغافُل عن منظره أو والتظاهر بعدم رؤيتهِ، فمثل هذا الموقف هو كذبٌ وإفتراء. أنت رأيتَ وسمعِت أنينَ هذا المجروح، وعليك أن تتّخذ موقفاً إزاء ما تراهُ وتُصغي إليهِ. فإن ملتَ بعيداً عنه (مثلما فعل الكاهن واللاوي)، فسيموت، وتكون أنت مسؤولاً عن ذلِك، فلستَ أفضل من الذين ضربوه وجرحوه بحثاً عن أمواله وسعادتهم، وإن إنحنيتَ نحوه "رحوماً مُعتنياً" (مثلما فعلَ السامري) فسيحيّا وستكون أنت سببَ خلاصهِ: أنت مُخلصهُ، أنت الماشيحا بالنسبة إليه. 

المحبّة بالنسبة لربّنا يسوع المسيح، ليست "عاطفة وشعوراً وإنجذاباً" تنطلِق منّا نحو الآخر، بل هي وصيةٌ وواجبٌ: "أُعْطيكم وَصِيَّةً جَديدَة:أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضاً. كما أَحبَبتُكم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضاً بَعَضُكم بَعْضاً. إذا أَحَبَّ بَعضُكُم بَعضاً عَرَف النَّاسُ جَميعاً أَنَّكُم تَلاميذي" (يو 13: 34- 35). فتكون المحبّة فعل رحمة مجّانياً وليس تأملاً وتعليماً، ولم يحاول السامري أن يعرّف بنفسه للمجروح. الرحمة، بحسبِ تعليم ربّنا يسوع، ومثلما اختبرها هو، ليست تعاليم بل هي تكريسُ الحياة لخدمة الآخر، خدمةٌ سخيّة حتّى بذل الذات. إنحناءٌ نحو الآخر، وتعاطفٌ مع حاجاتهِ: أنت مُحتاجٌ لأن أغسلَ لكَ قدميك: و"إِذا لم أَغسِلْكَ فلا نَصيبَ لَكَ معي" (يو 13: 8). رحمة تتطلّب وقتا وجهداً: إيقافٌ لمسيرة الحياة وإنحناء نحو المجروح وصرف الزيت والخمر؛ مؤونةَ الطريق، واستخدام كل ما هو شخصي (دابتهُ) من أجل إنقاذ حياة المجروح. 

الكنيسة التي إنطلقت في يوم العنصرة لتنشر البُشرى السارة التي صارت لنا بيسوع المسيح، يجب أن تلتفِت نحو الناس، ولا سيما الفقراء والبؤساء، وتُصغي إلى آلامهم واحتياجاتهم الأساسية، ألا وهي: الله. للكنيسة مشروع واحدٌ فقط وهو مشروع الملكوت الذي تحقق بيسوع المسيح، وعندما تنظر إلى العالم بعيون الله، عيون الرحمةِ، ستُلاحِظ كم من الناس تُركوا أحياءً جسدياً ولكنهم أمواتٌ روحياً. فعلى الكنيسة (علينا) أن نعي ونفَهَم أن رغبتنا في السعادة وفي تقديس ذواتنا، يجب أن تمر من خلال خدمةِ الآخرين، وليست لتحقيق رغباتٍ وتطلّعات شخصية: "وأُكَرِّسُ نَفْسي مِن أَجلِهمِ لِيَكونوا هم أَيضاً مُكَرَّسينَ بِالحَقّ" (يو 17: 19). هذا هو معنّى عبارة: "أَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ، وكُلِّ نَفسِكَ، وكُلِّ قُوَّتِكَ، وكُلِّ ذِهِنكَ وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ". فالآخر هو الله الذي خرجَ للقائنا بالشكل الذي اختاره هو لنا، وليس مثلما يحلو لنا أن نراه ويسألنا أن نكون "قريبا" له.

قراءة 909 مرات آخر تعديل على الأحد, 03 حزيران/يونيو 2018 00:35

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *