المواعظ
%PM, %19 %875 %2018 %23:%أيار

عيد العنصرة (الأحد الأول من الرسل) - رسالة الكنيسة: أن تُحدِثَّ الناس عن يسوع

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

عيد العنصرة (الأحد الأول من الرسل)

رسالة الكنيسة: أن تُحدِثَّ الناس عن يسوع المسيح 

(يوحنا 14: 15- 16، 25- 26/ 15: 26- 16: 4)

احتفل شعبُ إسرائيل بعيد العنصرة مُستذكراً حدث إقامة العهد في سيناء حيث أعطى الله الشريعة: الكلمات العشر، لتنظّم شكل العلاقة التي تربط الله بشعبه والإنسان أخيه الإنسان. واستلم الشعب هبة الشريعة وإنغلقَ على نفسهِ متوهماً أَنه الأفضل بسبب اختيار الله له، وانغلقَ على الله مكتفياً بالشريعة. عوض أن تكون عطيّة الله دافعاً وانطلاقةً نحو الآخرين حاملين رسالة الخلاص: "أخترتُكم لتكونوا نوراً للأمم"، أضحت، بسبب أنانية الإنسان فرصة للتفاخر، بل حافزاً للصعود وإزاحة الله والإستيلاء علىمكانتهِ مثلما حصل مع جماعة برج بابل (تك 11: 1-9). والأمرُ الأهم الذي سيقوم به الروح القُدس هو أن يذكر الُرسل: "بعمل ربّنا يسوع" الذي كان عمل محبّة تجاه جميع الأمم، وعليهم أن يتعلّموا أولاً محبّة الأخوة مثلما هو أحبهم، محبّة حتّى بذلِ الذات. وهذه المحبّة ستجعلهم يفهمون بعضهم بعضاً حتّى لو إختلفوا في الطباع والجنس والأعراق واللغة، فالجميع اليوم يفهَم ما قاله الرُسل. هذه المحبّة تنمو في تربة التواضع، وتنتعِش من خلال الحضور معاً، والصلاة معاً بعيداً عن روح التنافس التي تخلق الإنقسامات داخل الجماعة، وتقتل فرص الحياة فيها. 

ولأن إلهنا وملكنا محبّة، قرر النزول إلى الإنسان ليرفعهُ إليه بيسوع المسيح، الذي انحدرَ حتى ركع امام رُسلهِ وغسل لهم أقدامهم. لذا، فالشريعة الجديدة التي يريدها اللهلشعبهِ هي: شريعة المحبّة: "إن كُنتُم تُحبوني"، فمحبّة الله تسبُق الوصية وتفترضها، إذ لا يُمكن أن يكون لنا محبّة الأبناء لأبيهم ما لم تتأسس على "المحبّة"، هذه المحبّة التي نتقاسمها مع الاخوة والأخوات من خلال "الكون معاً في الصلاة"، وهذا ما طلبهُ ربّنا يسوع من رسُلهِ: "كانوا يواظبون جميعاً على الصلاة بقلب واحد، مع بعض النسوة ومريم أم يسوع ومع إخوته" (أع 1: 14). فالصلاة معاً هي أول الأنشطة التي طلبها ربّنا يسوع من تلاميذه مؤكداً على أهمية نقطة الإنطلاق: الله. فالكنيسة ليست مشروع الرُسل، بل مشروع الله الذي يستلمها الرُسل مسؤوليةً وإلتزاماً، في مجابهة صريحة لأنانية الإنسان وتكبره الذي يعتقد أنه صاحبُ المشروع ومالكهُ، وهذا ما يدفعهُ إلى تدمير الآخرين وتدمير نفسهِ بسبب مشاعر الحسد التي تجعله شخصاً غضوبا يُثير في الآخرين مشاعر الخوف ويخلق الإنقسام لأنه يُريد السيطرة على مجريات الأحداث والتحكم بحياة الآخرين. 

اليوم، يبعث الله روحهُ، محبتهُ لتُرشِدَ التلاميذ والكنيسة فيجمَع ما كان مُشتتاً ويُقرِّب البعيدين ويخلق جواً من التفاهم بين المختلفين، لأن المحبة تجّمع وتجعل الإنسان يشعُّ، لذا، فألسنةُ النار التي تنزل على التلاميذ لا تُحرقُهم بل تجعلهم أكثر تشبُهاً بالله، أكثر محبّة. تُحرِق فيهم كل ما يعيق توهج المحبّة: الأنانية والكذب والخداع والرياء والفساد ورغبة التسلط والتملُك التي تجعل الإنسان ينغلق على ذاتهِ فيُعادي نفسه والآخرين. نارٌ تُحرِق أشكال الخطيئة وتُبطِل الخوف الذي يمنعُ الإنسان من أن يكون صادقاً في استجابتهِ لدعوة الله له. وهكذا تتطهّر علاقة الإنسان مع الله الآب ومع أخيه الإنسان، غير خائفٍ أو متردد من إلتزامات هذه العلاقة، التي تتطلّب تخلّيات عديدة، وإستعدادات إستثنائية لمواجهة رفض العالم لمثل هذا الروح: "سيفصلونكم من المجامع بل تأتي ساعة يظن فيها كل من يقتلكم أنه يؤدي لله عبادة." (يو 16: 2). 

هذه هي متطلّبات الإنتماء إلى شعبّ الله الجديد: الكنيسة، أن يكون فينا فكرُ المسيح، وأن نعمَل تحت إرشاد الروح لنجعلهُ حاضرا ًفي حياة العالم: "ولكن المؤيد، الروح القدس الذي يرسله الآب باسمي هو يعلمكم جميع الأشياء ويذكركم جميع ما قلته لكم". ربنا يسوع المسيح اختار الكنيسة والروح القدس ثبّتها، فالروح القدس لن يأتي بما هو جديد، لأن الله قالَ كل ما كان يريد أن يقولهُ بيسوع المسيح، بل جاء يُذكِرّ التلاميذ (الكنيسة) بما قالهُ ربّنا يسوع وعملهُ من أجل أن يتمجّد اسمُ ربّنا يسوع: " فمتى جاء هو، أي روح الحق، أرشدكم إلى الحق كله لأنه لن يتكلم من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بما سيحدث، سيمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم به". وعلينا أن لا نتوقّع قبولاً من العالم لنا، لأننا سنقدِم لهم ربّنا يسوع المسيح، وليس أنفسنا أو أفكارنا ومُخططاتنا. 

نحن مدعوون اليوم إلى الصعود نحو العُلية، العُليّة التي وهبَ فيها ربّنا يسوع المسيح جسده ودمه للتلاميذ، ينالون اليوم هبّة الروح القُدس. نحن مدعوون لأن نقبلَ ربّنا يسوع في أفخارستيّتهِ ونسمحَ للنار التي أرادَ أن يُلقيها على الأرض بأن تضطرم فينا (لو 12: 49)، وتُحرِق فينا كل مشاعر التنافس والمُخالفة التي تُبعدنا عن الآخرين. نارٌ تجمعنا في الصلاة معاً وتخلُق فينا مساحة لقبول الاخرين في تفهّم ومسامحة. علينا أن نتجنب الرغبة في "أن نخلقُ الآخرين على صورتنا ومثالنا"، ونسمح لروح الله بأن تجعل صورة الله المحبّة تشعُّ فينا وأن يكون لإرادة الله الكلمة الأولى والحاسمة في حياتنا فتعطينا قلبا جديداً ولساناً ولغةً تُقربّنا من الآخر. فمحبة الله تجعلنا أكثر قُربا منه وأكثر تضامنا مع الإنسان: الأخ والقريب. محبة الله ستجعلنا نُحدِث الناس عن يسوع المسيح، وهذا لن يُخيفهم مثلما يحصل عندما نُحدِثهم عن أنفسنا وأفكارنا ورؤيتنا. فلنُصلِ إلى الروح القُدس ليُذكّرنا بكل ما قاله ربّنا يسوع وعملهُ، ونحدّث الناس عنه.  

 

قراءة 1075 مرات آخر تعديل على %PM, %19 %881 %2018 %23:%أيار

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *