المواعظ
السبت, 07 نيسان/أبريل 2018 19:07

الأحد الثاني من القيامة (الأحد الجديد) - "طوبى لِلَّذينَ يؤمِنونَ ولَم يَرَوا"

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الثاني من القيامة (الأحد الجديد)

"طوبى لِلَّذينَ يؤمِنونَ ولَم يَرَوا" (يو 20: 19- 31)

كلما قُرئَ علينا هذا الإنجيل يتركّز اهتمامنا حول توما وشكوكهِ متناسين أن الإنجيلي يوحنّا كان مُهتماً بالبشارة بربّنا يسوع المسيح، الذي كشفَ عن نفسهِ مرّة أخرى إنه الراعي الصالح والمُحِب والذي يعرِف خرافه وهو قريبٌ من حاجاتهم، فتراءَى للتلاميذ وسجناء الخوف، ووهب لهم ما كانوا بحاجة إليه: "السلام"، ومنح لهم الروح القُدس ليبدؤا رسالتهُم في العالم، ثم عاد وظهرَ لتوما ليُثبتهُ في الإيمان، ويسمع منه مجاهرة إيمان شخصي: "ربّي وإلهي"، مثلما ظهرَ لمريم المجدلية وسمِع منها مجاهرة إيمان شخصي أيضاً: "رابوني أي يا مُعلمي"، وجعلَ منها رسولة قيامتهِ. 

حظي التلاميذ على رؤية ربّنا يسوع القائم من بين الأموات "وأَراهم يَدَيهِ وجَنبَه"، وفرحوا لِمُشاهَدَتِهمِ له بغياب توما الذي لم ينعَم بهذه المشاهدة، فطالبَ بها، وعبّر عن موقفهِ من قيامة ربّنا يسوع: "إِذا لم أُبصِرْ أَثَرَ المِسمارَينِ في يَدَيهِ، وأَضَعْ إِصبَعي في مَكانِ المِسمارَين، ويدي في جَنْبِه، لن أُومِن". فعلى الصليب كشفَ الله عن عظيمَ محبتهِ للإنسان. وحضرَ ربّنا يسوع بين تلاميذه، وتوما معهم، ولبّى طلبهُ دون أن يُوبخهُ بسبب عدم إيمانهِ بشهادة الرُسل، مثلما لم يوبّخ تلاميذه لأنهم لم يؤمنوا بشهادة مريم المجدلية، فأغلقوا الأبواب عليهم خوفاً من اليهود. إيمان توما هو أمرٌ مهم بالنسبة لربّنا يسوع من شروط الإيمان التي وضعها توما، فأعطى له علامة الإيمان التي طلبها، ودعاه ليرى ويؤمِن، فجاهرَ بإيمانهِ على نحو شخصي: "ربّي وإلهي". 

محبّة ربّنا يسوع لتلاميذه لم تنتهِ عند موتهِ، بل واصلَ رعايتهُ لهم ولكل الكنيسة التي تؤمِن بالبشارة من خلال البركة التي أعلنها أمام التلاميذ: "طوبى لِلَّذينَ يؤمِنونَ ولَم يَرَوا". محبتهُ كراعٍ جعلتهُ يمّر عبر الأبواب المغلقة التي حبَس التلاميذ انفسهم خلفها خوفاً من اليهود. جاء ربّنا يسوع، وهو "بابُ الخراف" (يو 10: 9)، ودعاهم ليدخلوا ويخرجوا فيه ومن خلاله ليجدوا المرعى (الحياة). فالأبواب البشرية تحبُس الإنسان الخائفِ، أما باب يسوع فيُحرر الإنسان للحياة لأنه بابُ المحبة التي تقبل الإنسان مثلما هو وتحضر إلى جانبهِ حيثما يكون. وعادَ ربّنا يسوع وتراءَى للتلاميذ وتوما معهم، ومرّ عبر الأبواب المغلقة بسبب شكوك توما، ليفتح بابَ الإيمان للجميع: "طوبى لِلَّذينَ يؤمِنونَ ولَم يَرَوا". فالقيامة لا تُحررنا من مخاوفنا وشكوكنا، بل تجعلنا رُسلاً نشهدُ لمحبتهِ ونُبشِّر بالغفران الذي صار لنا نعمةً: "خُذوا الرُّوحَ القُدُس. مَن غَفَرتُم لَهم خَطاياهم تُغفَرُ لَهم، ومَن أَمسَكتُم عليهم الغُفْران يُمسَكُ علَيهم". 

لم تكن ترائيات ربّنا يسوع لإثبات قيامتهِ فحسب، بل هي إعلان بدءِ رسالة الكنيسة، بدءُ الإرسال لمواصلة عمل ربّنا يسوع: الغفران. فمن خلالنا يُريد ربّنا يسوع أن يمّر عبر القلوب المُغلَقَة بسبب الخوف والشكوك، ويُظهِر لهم أيضاً عظيمَ محبّة الله الآب لهم. فروحهُ هو فينا ويخلقنا من جديد مثلما نفخَ الله في آدم وصارَ نفساً حيةً: "ونَفخَ في أَنفِه نَسَمَةَ حَياة، فصارَ الإِنسانُ نَفْسًا حَّيَة" (تك 2: 7). والشهادة للخلق الجديد تكون عندما نمنح الآخرين الغفران، فالغفران علامة على حضور القائم من بين الأموات فينا، وانتصار محبّة الله بيسوع المسيح، وعدم الغفران إشارة إلى أننا ما زلنا تحت سُلطان الخطيئة، سجناء الحزن والألم والغضب تجاه الآخرين. هذه هي رسالة الكنيسة: إعلانُ محبّة الله بيسوع المسيح في لقاءٍ شخصي معه من خلال التأمل في إنجيليهِ وفي شهادة الذين آمنوا به: "وإِنَّما كُتِبَت هذه لِتُؤمِنوا بِأَنَّ يسوعَ هو المسيحُ ابنُ الله، ولِتَكونَ لَكم إِذا آمَنتُمُ الحياةُ بِاسمِه". فما كُتبَ ليس ليكون تاريخاً، بل ليتسامى بالتاريخ ويسمهُ بوسمٍ إلهي فيكون للإنسان ملءُ الحياة بربّنا يسوع المسيح. 

قيامة ربّنا يسوع دعوة لنا جميعاً لأن نفتح أبواب قلوبنا المُغلقَة لأسباب كثيرة (خوفُ وإرتيابٌ وتكاسلٌ وفتور حماس الإيمان ويبوسةٌ روحية، شعورٌ بغياب الله ...)، وتنكشِف أمام نورِ المسيح يسوع ويُنير ظلمتها ويزرع فينا كلمة الإيمان به، فيتحقق اللقاء معهُ في ومن خلال الكنيسة (جماعة التلاميذ) مثلما حصلَ مع توما. لقاء يتعزز بأمانتنا له، هو الربُّ والإله: "ربي وإلهي"، فهذا ليس إعلان إيمان فحسب، بل مُجاهرة ستُكلّف توما حياتهُ، إذ عليه بدء مسيرة التبشير بالمسيح الذي أحبّهُ ولم يتركهُ ضائعاً في شكوكه، بل حضرَ إلى جانبه وقت الشّك (الظلمة) وثبّتهُ في الإيمان. هذه المجاهرة الإيمانية تهبُ لنا سلام القائم من بين الأموات الذي لا يقوى عليه خوفٌ أو حزنٌ أو شكُّ.

قراءة 746 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *