المواعظ
الجمعة, 12 كانون2/يناير 2018 13:06

الأحد الثاني من الدنح - كلمة الله: نورٌ لحياتنا

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد الثاني من الدنح

كلمة الله: نورٌ لحياتنا (يو 1: 1- 18)

تدعونا أمنّا الكنيسة لنتأمل كشفاً جديداً (دنحا) عن "هوية" ربنا يسوع المسيح. فهو إبنُ الله المحبوب مثلما أُعلنَ يومَ عماذهِ، وهو مسيحُ الربِ الذي أُرسِلَ ليكونَ مع الإنسان، لاسيما الفقراء والمُهَمَشين والمُستضعفينَ، وهو كلمة الله الذي كان مع الله منذُ البدءِ وبه خُلِقَ العالم، وفيه خلاصنا لأنه "النور" الذي يُضيء حياتنا ويقودنا لنعيش حياة أبناء الله، وهذا كلّهُ صارَ لنا نعمةً من الله الآب، مثلما يُعِلِن إنجيل اليوم.

كما ولكشِف اليوم تعليم لحياتنا. فبدءأَ يوحنا إنجيلهُ بعبارةِ: "في البدءِ كان الكلمة"، وهي عبارة تأخذنا إلى الكلمات الأولى في الكتاب المُقدس، في سفر التكوين، إلى البدءِ الأول: "في البَدءِ خلَقَ اللهُ السَّمَواتِ والأَرض" (تك 1: 1)، مُعلناً إيمان الكنيسة بأن "الخليقة كلها" تعود إلى لله الخالق، وهي في الوقت نفسه هدية للإنسان، وإننا، مع يسوع المسيح أمام فعلِ خلقٍ. كما ويُعلمنا ان الكلمة لم يُخلَق، بل كان مع الآب قبل إنشاء العالم، وبهِ وفيه صارَ الخلقُ بدءاً بالنور: "وقالَ اللهَ: "لِيَكُنْ نور"، فكانَ نور (تك 1: 3)، وكانت هذهِ أول كلمة نطقَ بها الله، فأبدعَ الحياة. وعندما تتجسّد كلمة الله في العالم: "الكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا" أصبح نورَ العالم: "ما دُمتُ في العالم، فأنا نورُ العالم" (يو 9: 5). هذا النورَ أخبرنا عن محبةِ الآب ورحمتهِ: "إِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ الابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآب هو الَّذي أَخبَرَ عَنه".

الإنسان الذي خُلِقَ على صورة الله، وأُعطي أن يكون "وكيلَ" الله ليعتني بالخليقة ويُديمَ استمراريتها، إلا أن الإنسان تعجرفَ وتوهَم أنه سيّد الحياة، وحجبَ نورَ الله عن حياتهِ، متوهماً أن له الحكمة (النور) ليحيا من دون الله، فكانت الظلمةُ والشر والخطيئة التي حطّت من كرامتهِ وجعلتهُ عبداً للخطيئة. أرادَ الله أن يُعيدَ للإنسان الكرامة المسلوبة بالخطيئة، فتجسّد: "والكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا"، وفي تجسده تغيّرت العلاقة مع الله، فصارَ بإمكان الإنسان أن يراهُ ويلمُسه ويشعُرَ بقربهِ: "ذاك الَّذي كانَ مُنذُ البَدْء ذاك الَّذي سَمِعناه ذاك الَّذي رَأَيناهُ بِعَينَينا ذاكَ الَّذي تَأَمَّلناه ولَمَسَتْه يَدانا مِن كَلِمَةِ الحَياة ... نُبَشِّرُكم بِه أَنتم أَيضًا لِتَكونَ لَكَم أَيضًا مُشاركَةٌ معَنا ومُشاركتُنا هي مُشاركةٌ لِلآب ولاَبنِه يسوعَ المسيح" (1 يو 1: 1-3). فالتجسّد أولانا إمكانية أن نرى ونسمع ونعِرف الله على نحوٍ جديد، بل أن نُشاركهُ أيضاً حياة الإلوهةِ وهذا صارَ لنا نعمةً بفضل علاقة الآب بالإبنِ، علاقة الله بيسوع المسيح. بل ومنحَ لنا أيضاً هويةً جديدة، إذ صِرنا أبناء الله بالإبن يسوع المسيح: "أَمَّا الَّذينَ قَبِلوه وهُمُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاسمِه فقَد مَكَّنَهم أَنْ يَصيروا أَبْناءَ الله".

هذا الوحي (التجسّد) لم يكن ليكشِف الله عن جبروتهِ وآلوهيتهِ، ولم يرغَب يوحنا الإنجيلي في أن يُقدم لنا تعاليم عقائدية، بل تعليماً لحياتنا، فالتجسّد صارَ من أجل الإنسان، وفيه يدعو الله الإنسان ليُشاركه حياة الألوهةِ. نحن لسنا إذاً أمام "مشهدَ" نُعجَب به أو تعليم نحفظهُ، بل إننا مدعوون إلى لقاءٍ الكلمة، لقاء المسيح، نورُ العالم، النور الذي يُنير الظُلمة التي نحن فيها ويمنح لنا حياةً جديدة، حياة أبناء الله. والإيمان بيسوع المسيح يعني: بدءُ علاقة جديدة مع الله، علاقة الأبناء بأبيهم، وأن ندع نورَ الله، يسوع المسيح، يدخل فينا ويشعَّ في حياة الآخرين، ليتمجّد عملُ الله فينا ومن خلالنا: "أَنتُم نورُ العالَم ... هكذا فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة، فيُمَجِّدوا أَباكُمُ الَّذي في السَّمَوات" (متّى 5: 14- 16).

التجسد يعني أن الله يُحدّثنا بالقُرب منّا، لأنه بيننا، في وسطنا، صارَ بشراً مثلنا، وسيكون هو أولَ من يُكمِل ما يطلبهُ من الإنسان. إلهنا لم يعد ذاك المُعلّم الذي يسأل موسى ليصعدَ الجبل ليُسلّم إليه كلماتهُ، بل نزلَ هو بنفسهِ ليعيشَ هذه الكلمة أولاً قبل أن يُعلِنها. وفي ذلك تعليمٌ للحياة لنا نحن الذين نسعى لنكون مُعلمينَ أكثر منّا عاملينَ. نحن الذين نجتهِد للحفاظ على "مكانة الشرف" "وإمتيازات المعلم والحكيم".

الإنجيلي يوحنا وكنيستهُ شهودٌ على واقع تجسّد كلمة الله بينهم. ففي التجسّد تركَ إلهنا مجدهُ؛ وكأنهُ تخلّى عنه، ووهبُ ذاتهُ للإنسان دون تحفظ. التجسّد هو عطيةُ الله للإنسان، والله أعطى ذاتهُ كلياً: "لَيسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعظمُ مِن أَن يَبذِلَ نَفَسَه في سَبيلِ أَحِبَّائِه" (يو 15: 13). ولأننا خُلقنا على صورة الله ومثاله، فنحن مدعوون لأن نتمثّل به، فنتعلّم العطاء بسخاء ومحبّة. إلهنا لم يُرسل لنا ملاكه ليُرشدنا إلى طريق الخلاص، بل تجسّد هو، وأخلى ذاتهُ وصارَ إنساناً مثلنا وعاش بيننا. أعطى ذاتهُ للإنسان، ليتعلّم الإنسان ألا يكتفي باعطاء ما يفضل عنهُ بل ما هو عزيزٌ على قلبهِ مثلما فعلَ إبراهيم فجعلهُ الله بركة لجميع أمم الأرض: "خُذِ اَبنَكَ وَحيدَكَ الَّذي تُحِبُّه، إِسحق، وآمضِ إِلى أَرضِ المورِيِّا وأَصعِدْه هُناكَ مُحرَقَةً على أَحَدِ الجِبالِ الَّذي أريكَ" (تك 22: 1- 18).

         لقد صّرنا بربنا يسوع المسيح أبناء النور، وهو ينتظر منّا أن نشهدَ في حياتنا على أن نورهُ قد أشرقَ علينا، فنسلُكَ سيرة أبناء النور (أفسس 5: 8) في كل عملٍ صالح نقومُ به عن محبّة، وإحدى علامات حياة أبناء النور هي المحبّة الأخوية التي بها يعرفوننا إن كُنّا في الظلمات أم في النور: "مَن أَحَبَّ أَخاه أَقامَ في النُّور ولم يَكُنْ فيه سَبَبُ عَثرَة" (1 يو 2: 10). فلنُصلِ ليُنيرَ ربّنا يسوع حياتنا، فنرى بنورهِ. 

قراءة 888 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *