المواعظ
الأحد, 24 كانون1/ديسمبر 2017 11:51

عيد الميلاد - وهو المسيحُ الربّ ... فلنُمجدهُ ونُسبحهُ يومَ ميلادهِ

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

عيد الميلاد

وهو المسيحُ الربّ ... فلنُمجدهُ ونُسبحهُ يومَ ميلادهِ (لو 2: 1- 20)

كعادة كل عامٍ نجتمعُ اليوم لنحتفل بميلاد ربّنا يسوع المسيح. ويدعونا لوقا الإنجيلي لنتأمل الطريق الذي إتخذه الله ليكون قُربَ الإنسان، مع الإنسان، طفل يُولد وسط عائلة مُهجرة تبحث مأوى، ولا تجد مكاناً، في تعبيرٍ عن حالة الإنسان المنشِغِل دائماً عن الله، فلا مكان لله في قلبِ الإنسان. وتستمر الحال على ما  هي عليه كل سنةٍ: نجتمِع لساعاتٍ ونحتفِل لأيام ثُم نعود إلى ممارسة حياتنا وكأن شيئاً لم يحصل أبداً، فتعود الملائكة إلى السماء لتُبلِغ الله: شعبُك لا يُريد أن يقبَل البُشرى السارة التي تعلنها لهم، ولا تغيير في حياتهِم، فميلادُك كان للحظاتٍ فقط.

ولكن، أي تغيير ينتظره الله منّا في ميلادهِ اليوم؟ أوَ لا يكفي أننا إنسحبنا من عالمنا وأشغالنا وخصصنا له هذه الساعات؟

نُريد في هذا الميلاد أن يحصلَ تغيير في حياتنا وذلك بإعلان وعيش حقيقة في حياتنا: أن يسوع هو المسيحُ الربُّ مثلما أعلنهُ ملاكٌ الربّ للرعُاة، من خلال الإيمان به شافياً لجروحاتنا ومخاوفنا، وأن ننضمَ إلى جُندِ السماء فنُمجدهُ على حضوره معنا ومرافقتهِ لنا.

الميلاد ليس إحتفالية بل مسيرة نحو ... قيام من حالة نحن فيها وتوجهُ نحو واقعٍ جديد. فما نفعُ الميلاد إن أتى ومضى وتركنا حيثُما نحن من دونِ أي تغيير في حياتنا؟ المحتفلون بميلاد ربّنا يسوع كانوا أُناساً متحركين: يُوسف ومريم والرعاة والمجوس، أناساً في مسيرةٍ، حُجاجاً دفعتهم بُشرى الميلاد إلى أن يتركوا أراضيهم وأوطانهم واشغالهم ومواشيهم ليكونوا حيثُ أرادَ الله أن يكون. حجٌ وقيامٌ تطلّب شجاعةً للتخلي عن المُعتاد الذي تعوّدنا عليه، ليلتقوا الله طفلاً طلبَ السُكنى في مريم فوجدَها مُكرسةً كلياً له: "وجاؤوا مُسرعين، فوَجَدوا مريمَ ويوسُفَ والطِّفلَ مُضجَعاً في الـمِذوَد". وهكذا اختبروا الخلاص الذي بشرهم به الملاك. المولود هو مُخلصٌ وهو المسيحُ الرب، وقد اختار أن يكون خادماً ومأكولاً فاستقرَ في مذودٍ (مخصص لإطعام الحيوانات) ليكون في خدمة الإنسان، ليس مُخلصاً ورباً فحسب، بل، ليبقى معه ويُغذيهِ (الافخارستيا)، فيواصِل المسيرة وقد تقوى بخُبزِ الله مثلما أختبر ذلك إيليا النبي (1 ملو 19: 5- 8). 

"المسيحُ الرب"، ربٌّ يُعبَد ويُمجّد إلهاً أوحد في حياتنا. عندما يُعلِن جُندُ السماء أن المولود هو المخلص وهو المسيح الرب، فهذا هو إقرارٌ إيمان يُريد الله ان يُذكرنا به، فيعود بنا إلى أولى الوصايا: "أَنا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذي أَخَرجَكَ مِن أَرضِ مِصرَ، مِن دارِ العُبودِيَّة. لا يَكُنْ لَكَ آِلهَةٌ أُخْرى تُجاهي" (خر 20: 2-3)، لأن الله عارفٌ أننا نعبدُ آلهةً كثيرة: الشُهرة والمال والسُلطة والمكانة المتميزة وتحقيقُ الإنجازات والحصول على الإمتيازات ... إلخ"، لذلِك، يُريد أن يُذكرنا اليوم بأن الآتي هو "الربُ الأوحد"، وهو مَن يستحقُ التمجيد والعبادة، وفي تعبدنا هذا له سيُحررنا من كل مخاوفنا وهمومنا وقلقنا وحاجاتنا وطموحاتنا وسعينا لتحقيق الإنجازات وانتظارات الآخرين. نحن نستنزف طاقاتٍ وأوقات ومشاعر للحصول على رضى هذا وذاك من الناس، فتجدُنا متعبين ومرهقين نرزحُ تحت حملٍ ثقيل. اليوم، تأتي بُشرى الميلاد لتُعلِنَ لنا: "لست مُجبراً يا إنسان على أن تُرضي الناس، بل قُم وأسرع لتقبل الله المولودَ طفلاً من مريم، هي التي قدّمت حياتها خادمةً لله، وتهيأت لحضورهِ وهي مستعدةٌ لأن تُقدمهُ لكلِّ مَن يحجُّ إليهما.

ربّنا يسوع ينتظر أن يكون لنا الشجاعة لأن نجعل قلوبنا تُعيّد عيدهُ، فنترُك جانباً مشاعر الغضب والبغض والعداوة والحقد التي تأسرُها لتكون قلوبنا وحياتنا له كُلياً ويملكَ عليها مسيحاً (مُخلِصاً) ورباً. فينا غضبٌ موجهُ ليس ضدّ القريب فحسب، بل ضدّ الله أيضاً. مُعظمنا يظنُ أن الله ليس عادلاً ورحوماً ومحباً معنا، فحرمنا من خبراتٍ أو أشخاصٍ او إمتيازاتٍ ومراتب شرفٍ نستحقها. فينا شعور بأن الله والعالم لم يُنصفنا. هذه المشاعر الغضوبة حولّـت قلوبنا وجعلتها صخرية يابسة لا حياة فيها ولا تشعر بحضورِ الله ولا تتحسس قُربهُ، لذا، صارت الحاجة إلى أن يخلقُ الله فينا قلوباً من لحمٍ ودمٍ مثلما تنبأ حزقيال: "هكذا قالَ السَّيِّدُ الرَّبّ: إِنِّي سأَجمَعُكم مِن بَين الشُّعوب، ...وأُعطيهِم قَلبًا آخَر، وأَجعَلُ فيهم روحًا جَديدًا، وأَنزِعْ مِن لَحمِهم قَلبَ الحَجَرِ وأُعْطيهِم قَلبًا مِن لَحْم، لِكَي يَسيروا على فَرائضي ويَحفَظوا أَحْكامي، ويَعمَلوا بها فيَكونونَ لي شَعبًا وأَكونُ لَهم إِلهًا. أَمَّا اَلَّذينَ قُلوبُهم تَسيرُ نَحوَ قُلوبِ أَرْجاسِهم وقَبائِحِهم، فأَجعَلُ سُلوكَهم على رُؤوسِهم، يَقولُ السَّيِّدُ الرَّبّ" (حز 11: 17- 21).

 ربّنا يسوع ينتظر أن يجد في قلوبنا مكاناً يُولدُ فيه، وهذا لن يكون ممكناً إلاَّ إذ استأصلنا من قلوبنا وإلى الأبد الغضبَ والضغينةَ التي نشعرُ بها تجاه هذا وذاك من الأقرباء أو المعارِف، وحتّى تجاههُ. ربّنا يسوع لم يتجسّد حتّى يقبل هدايا مادية، بل جاء يبحث عنّا، نحن الذين أغلقنا أبواب حياتنا حزانى ينقصنا الفرح ويملأها الخوف فيجعل حياتنا في ظلمةٍ الشكوك والظنون والأوهام والمخاوف التي تأسرنا وتشلُّ حياتنا. لذا، جاء اليوم ليقول لنا: "لا تَخافوا، ها إِنِّي أُبَشِّرُكُم بِفَرحٍ عَظيمٍ يَكونُ فَرحَ الشَّعبِ كُلِّه: "وُلِدَ لَكُمُ اليَومَ مُخَلِّصٌ في مَدينَةِ داود، وهو الـمَسيحُ الرَّبّ. وإِلَيكُم هذِهِ العَلامة: سَتَجِدونَ طِفلاً مُقَمَّطاً مُضجَعاً في مِذوَد". إلهنا يُريد أن يُنيرَ ظلمتنا ويشفى جراحاتنا ويُطيّب حياتنا بحضوره، فلنقُم ولنمضِ إلى حيثُ يُريدنا الله أن نكون، فلا نبقى محبوسين في "ظُلمتنا"، هو نورُ حياتنا: "وأَشرَقَ مَجدُ الرَّبِّ حَولَهم".

والتغيير الثاني الذي يريدهُ ربّنا منّا هو أن نكون مع جُندِ السماء ممجدين ومُسبحينَ الله، وزارعي السلامَ على الأرض: "وانضَمَّ إِلى الـمَلاكِ بَغَتةً جُمهورُ الجُندِ السَّماوِيِّينَ يُسَبِّحونَ الله فيَقولون: "الـمَجدُ للهِ في العُلى! والسَّلامُ في الأَرضِ لِلنَّاسِ فإنَّهم أَهْلُ رِضاه!"، فإن كُنا نُريد أن نكون من أهلِ رضاهُ، لنهَبْ قلوبنا له، ولنضبُط لساننا وشفاهنا فلا تنطق إلا بالحق ولا نتكلم إلا بما يُرضي الله ويُمجدهُ. كلامنا أضحى تمجيداً لذواتنا وتحقيراً للآخرين. تعظيماً لإسمنا وتصغيراً لاسم القريب. مدحاً لمكانتنا وإهانةً لمكانةِ الآخرين. لذا، جاء جُند السماء ليُعلمونا أن إحتفالية الميلاد لن تكتمِل إلا بتمجيد الله، فيكون على الأرض وبين الناس السلام. فالمسيحية ليست تعاليم ووصايا بل هي حياة نعيشُها في الأرض على نحو يرى الآخرون فينا أثرَ وتأثيرَ حضور الله فيها: عمانوئيل. مَن يرانا ويتعامَل معنا سيقول: لقد وُلِد الله حقاً في حياة هذا الإنسان. الفمُ الذي تعلّم تمجيد الله لن ينزلق في ثرثرةٍ مُهينةٍ، وسيكون كلامهُ كلام نعمةٍ وطيبةٍ وسلامٍ، وهو ما نحتاجهُ جميعاً، لاسيما في هذه الأيام التي لنا فيها فرصة لنتواصَل مع الآخرين أو نتقاطع معهم.

فإذا جئتَ اليوم لتحتفِل بميلاد ربّنا يسوع لا تترُك للمجرب أن يجعلَك تحتفِل به ظاهراً، بل، احمل الطفلَ وقرّبهُ إلى قلبِكَ، وأجعلهُ يشعرُ بما تشعرُ بهِ، وسلمّهُ مخاوفَك وأحزانِك وهمومِك، فهو كفيلٌ بأن يضعَ في فمِكَ تسبحةَ شُكرٍ له، فتُنشِد مع الملائكة: "الـمَجدُ للهِ في العُلى! والسَّلامُ في الأَرضِ لِلنَّاسِ فإنَّهم أَهْلُ رِضاه!".

قراءة 207 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *