المواعظ
الأحد, 24 كانون1/ديسمبر 2017 09:51

الأحد الرابع من البشارة - يوسف الصديق: إيمان وطاعة ملتزِمة

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد الرابع من البشارة

يوسف الصديق: إيمان وطاعة ملتزِمة (متّى 1: 18- 25)

يُخبرنا متّى الإنجيلي أن مريم كانت مخطوبة ليوسف، والخطوبة في العُرف اليهودي آنذاك كانت تعني عقداً قانونياً بين شريكين، بحيث كان بالإمكان أن تُدعى زوجة يوسف حتّى لو لم تنتقل بعد إلى البيت الزوجي. كانت المخطوبة تعيش في بيت أبيها سنة واحدة ثم تنتقل في احتفال إلى منزل زوجها، وهذا ما كان متوقعاً في خطوبة يوسف ومريم، ولكن، يوسف أكتشفَ أن مريم خطيبتهُ حُبلى، ولم يكن يُوسف يعرِف ما الذي دبّره الله، فظنَّ أن مريم نكثت بالعهد، وكان عليه أن يهجرها أو أن يقدمها إلى محكمة أو أن يُسلّمها كتاب طلاق سراً، وهذا ما فكّر فيهِ لأنه لم يرد أن يشهرها. لقد أحبَّ مريم حتّى وإن خيّبت ظّنهُ، وأرادَ تحقيق العدالة مثلما تُوصي الشريعة، ففكّر في حلّ يجمع ما بين العدالة والحُب والرحمة، وقرر أن يُخليها سراً دون أن يُعرّضها لفضيحة. 

يوسُف الصديّق (البار) هو إنموذج الإنسان الذي يُبقي الحوار مع الله متواصلاً لاسيما في الساعات الحرجة في حياتهِ فيُصلي في أزماتهِ. وكشفَ بذلِك عن صداقةٍ أصيلة مع الله. ولأن الله لن يتركَ "الصديقَ" في ضيقهِ فأرسلَ إليهِ ملاكهُ ليُثبّته في الإيمان ويكشِف عن هوية مريم، ويُعرفه بأن ما يختبره في حياتهِ إنما هو تواصلٌ لما وعدَ به الله وباركهُ في سابِق الأجيال. فالحبل لم يكن بسبب خيانة مريم ليوسف بل بتدخُلٍ إلهي: "يا يُوسُفَ ابنَ داود، لا تَخَفْ أَن تَأتِيَ بِامرَأَتِكَ مَريمَ إِلى بَيتِكَ. فإِنَّ الَّذي كُوِّنَ فيها هوَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس" (متّى 1: 20)، في إشارة واضحة إلى أننا أمام خلقٍ جديد: "في البَدءِ خلَقَ اللهُ السَّمَواتِ والأَرض وكانَتِ الأَرضُ خاوِيةً خالِيةوعلى وَجهِ الغَمْرِ ظَلام ورُوحُ اللهِ يُرِفُّ على وَجهِ المِياه" (تك 1: 1-2).

تصرّف الله مع يوسف مثلما يتصرف صديقٌ حميمٌ مع صديقهُ، فيكشِف له عن "السر" الذي جهلهُ، كما فعل الله مع إبرهيم عندما أرادَ معاقبةَ أهل سدوم وعموّرة (تك 18: 17- 20)، وكشفَ ليوسُف عن سرّ الحبل وحرره من قلقه وهمومهِ في نفس الوقت، وشرح له "سر" هذا الحبل ورسالة الطفل، وكلّفه برسالة: "أن يُسمي الطفل" ليكون والدهُ الشرعي، وشرح له معنى الأسم: "يسوع: لأنه سيُخلص الشعب من خطاياهُ". وهذا الخلاص له توجهان: يُحرره من الخطايا وعودة الشِركة مع الله التي فُقدِت بالخطيئة. 

برارة يوسف كانت في إستعدادهِ ليكون تحت تصّرف الله وفي خدمتهِ، مؤمناً بهِ حتّى لو لم يفهَم ما يُريده الله منه. برّه كانَ في قُدرتهِ على تمييز إرادة الله لأنه أصغى بإعتناء إلى صوتِ الله. شعرَ بما يُريد الله منه. سَمحَ يوسف لله بأن يأخذ المكانة المُطلقة في حياتهِ، ولم يدع لأفكاره وتأملاتهِ أن تجّره إلى طُرق عنيفة أو ظالمة وإلى حلول فوضويةٍ، بل واصل السير في ظلمة الأفكار التي تتصارَع فيه، حتّى "جاءه الله" في زيارة خاصّة فأنارَ الطريق أمامهُ، فانسحبَ من "إجراءات المنطق البشري"، واستسلمَ كلياً لله (نامَ نومَ المتأمِل)، حتّى لو لم يفهم تدبير الله ومطالبه: "لهُ يَرُزقُ حَبيبَه وهو نائم" (مز 126: 2)، ونومُ الصدّيق ليس تهرباً من مشروع الله، بل إنفتاح للحضور الإلهي في حالةٍ من الوعي حيث يضعُ الإنسان جانباً افكارهِ وتصاميمهِ الخاصة ليسمَح لله بالتفكير فيه ومن خلالهِ. 

قَبِلَ يوسف، من خلال مريم سرّ الله أيضاً، وأُعطي له أن يهبَ للطفل إسماً يُعّبر عن هويتهُ ورسالتهُ: وستَلِدُ ابناً فسَمِّهِ يسوع، لأَنَّه هوَ الَّذي يُخَلِّصُ شَعبَه مِن خَطاياهم". فكان يوسف أول الإنجيليين، أو المُبشرين بالخلاص الذي صارَ لنا بربّنا يسوع. على يوسف الإعتناء بالأم وطفلها، وأن يكون الحارس الأمين على "تابوت العهد"، مريم على مثال داود الملك، يتقدمه مُصليا راقصاً. لقد صارَ مع ظهور الملاك شريكاً في سرّ تجسّد الله، وعليه أن يتبنّى الطفل قانونياً كإبنهِ. الله هو الذي سمّى الطفل: "لاتَخَفْ فإِنِّي قَدِ آفتَدَيتُكَ ودَعَوتُكَ بِآسمِكَ، إِنَّكَ لي" (إش 43: 1)، فهو له، ولكن بطاعة يوسف صارَ هذا الولد "إبنَ داود". 

"فلمَّا قامَ يُوسُفُ مِنَ النَّوم، فَعلَ كَما أَمرَه مَلاكُ الرَّبِّ".كشفَ يوسف عن طاعتهِ وفعلَ كل ما امرَهُ به الملاك دون إبطاءٍ. فلم يُؤجِل المهمّة لأيامٍ، ولم يستشر مُفسِرَ أحلامٍ، بل كمّل كل ما أوصاه به الملاك، فصار الحارس والمُدبر والمعتني والمُحّب والمرافِق للأم وطفلها مُتخلياً عن إرادتهِ ورغباتهِ الشخصية ليكون تحت تصرّف تدبير الله الخلاصي. دُعي ليُحبِ خطيبتهُ وزوجته في بتوليتها، ويعتني بطفلها دون أن يتوقّع مكافآتٍ شخصيةٍ، وهو على أتمّ استعداد ليتحملالمشقات بسبب هذه الدعوة. دعوته كانت: أن يكون الأب المرئي لتدبير الله الخلاصي على الأرض، أن يخدُم إبن الله وأمه بسخاء تامٍ، وهذه مكافأة بحدّ ذاتها. 

يُوجه يوسُف اليوم رسالةً إلى كل العوائل مضمونها: أهمية الإنفتاج لتدبير الله، فإرتباطُكم ليس رغبة بشرية بل هو جزءٌ من مشروع الله الكبير لكلِّ واحدٍ منكم. هذا المشروع نستقبلهُ بالإيمان ونرعاهُ في احترامنا الواحد للآخر. محبتنا التي ترعى الآخر بعناية فائقة. حرصُنا على سمعةِ الآخر وكرامتهِ. إنشغالنا بكل ما يؤولُ إلى خير الآخر. أن نفتش عن سعادة الآخر وراحتهِ. إلتزامنا بأن نسير معاً في طريق الإيمان فنجعل من بيوتنا أمكنة ينمو فيها الأولاد "بالقامة والحكمة والنعمة"، فنحول الإيمان إلى عملٍ مُحبٍ وواقع ليغدو كل بيت فرصة للقاء الله.

قراءة 483 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *