المواعظ
السبت, 16 كانون1/ديسمبر 2017 12:50

الأحد الثالث من البشارة - يوحنّا: نبيٌّ يُعلِن خلاص الرب

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد الثالث من البشارة

يوحنّا: نبيٌّ يُعلِن خلاص الرب (لو 1:  57- 80)

امتلأ زكريا من الروح القُدس فأنشدّ يوم ميلاد إبنه يوحنّا، وبعد صمت تسعة أشهرٍ قضاها في التأمل في تدبير الله الخلاصي، أنشدّ مُسبحاً الله على نعمة الخلاص التي صارتَ لبيتهِ ولشعبهِ، شاكراً حضور الله الذي لن يكون حضور ديّان يُريد معاقبة الخطأة وهلاكهم بسبب قساوة قلوبهم، بل حضورٌ خلاصي، وسيكون إبنه يوحنّا شاهداً لرحمةِ الله وحنانهِ، ليقودَ خُطى الإنسان إلى السلام: "وأَنتَ أَيُّها الطِّفْلُ ستُدعى نَبِيَّ العَلِيّ لأَنَّكَ تَسيرُ أَمامَ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَه وتُعَلِّمَ شَعبَه الخَلاصَ بِغُفرانِ خَطاياهم. تِلكَ رَحمَةٌ مِن حَنانِ إِلهِنا بِها افتَقَدَنا الشَّارِقُ مِنَ العُلى فقَد ظَهَرَ لِلمُقِيمينَ في الظُّلمَةِ وَظِلالِ الـمَوت لِيُسَدِّدَ خُطانا لِسَبيلِ السَّلام". كشفَ زكريا الكاهن عن ملامح رسالة إبنه النبوية، فهو سيسير أمام الربّ "نبياً" يُعلِن برَّ الله ويُعد الطريق ويُعلّم سُبُلَ الخلاص. ونريد أن نتأمل في هذه العبارة: "تعلّم شعبهُ الخلاص".

لم يقل زكريا: تُرشدهم إلى "طريق التوبة" أو تعلّمهم "التوراة"، أو "توصيهم بأن يُكملوا متطلبّات الشريعة" بل قال: "الخلاص". الخلاص الذي سيُعلمه يوحنا لشعب الله لن يكون بإنقاذهم من خطرٍ جسدي يُحدِق بهم وهم يعيشون تحت نير الرومان وبطشهِم، بل الأهم هو أن يصلَ بهم إلى "السلام"، الذي يعني: المُصالحة مع الله بغفران الخطايا، لأن الخطيئة تخلق حالة العداوة مع الله ومع الإنسان على حدٍّ سواء. لذا، فالرّب آتٍ ليُخلِص الإنسان، والخلاص يتطلّب أن يبسُط نورهُ على الأرض: "ليكن نور" (تك 1: 3) وهو أول فعلٍ خلاصي قام به الله. وحيثما يكون النور سيُقبِل إليه كل الذين لا يخافون النور، لاسيما أولئِك الذين يعملون الصالحات.

كان زكريا الكاهن يعرِف ان الله قد سبقَ فخلص شعبهُ من أزمات كثيرة بدءاً من عبودية مصرَ وعنايتهُ بهم في الصحراء ومرافقته للقضاة وللملوك ومساندتهم في الأزمنة الصعبة. كان يؤمِن، مثلما يؤمِن كل الشعب، أن الله هو "المُخلِص"، لأنه "آمين" ولا يتراجع عن وعدهِ أمام خطيئة الإنسان، لذلك يأتي الخلاص هبةً من الله لا مكافأة أو إستحقاقاً. فالله يُنعِم بالخلاص على الإنسان الذي يُؤمِن به ويرجوه في الصعوبات، وليس على الإنسان "الذي يُكمِلُ ما تطلبهُ منه الشريعة". فعلى يوحنّا أن يُهُيئ الطريق للرب ويُرشِد الناس ليستعدوّا بتغيير حياتهم الخاطئة ويرفعوا عن طريقهم ما يُعيق مجيء الله، ليقبلوا المسيح، وعندما يقبلوا (يؤمنوا به) المسيح، يحصلوا على السلام، ويُصبحوا أبناء النور: "فقَد ظَهَرَ لِلمُقِيمينَ في الظُّلمَةِ وَظِلالِ الـمَوت لِيُسَدِّدَ خُطانا لِسَبيلِ السَّلام"، فمع المسيح يسوع، سننتقل من حالة الظلمة إلى النور.

الخلاص إذاً هو "خلاص القلب"ـ أي التوبة والإهتداء إلى الله. هكذا سيُقدّم الإنسان المُخلّص فعلَ العبادة لله من دون خوف، لأنه يدخل معهُ إلى علاقة محبّة: "الأبن مع أبيهِ"، وهو ما سيشرحهُ ربنا يسوع في قصّة الإبن الضال التي سيرويها لوقا لاحقاً، بل أكثر من ذلك هو الراعي الذي يترُك الخراف ليبحث عن الخروف الضآل، ليكشِف عن عظمة المحبّة التي يكنّها الله للإنسان لاسيما الخاطئ لأن الله يُحبُ الخاطئ ولا يُريد الخطيئة. 

وعلى الإنسان الذي نالَ نعمةَ الخلاص، فصارَ في ديار النور، أن يعيشَ حياة القداسة والبِر، فيُبشّر بشهادة حياتهِ بإنجيل الخلاص الذي نالهُ: هو من أبناء النور. فالخلاص ليس دعوة للكسَل الروحي، بل عليه أن يقبل كلمة الله ويحفظها بأمانةٍ (يعقوب 1: 21)، ويُغذي إيمانهُ بمعرفة الكُتبِ (2 طيمو 3: 15)، فيُثمِر أعمالاً صالحةً (يعقوب 2: 14)، ويُجاهِد لأن المُجرّب سيحاول جذبهُ بعيداً عن الله، فيجب أن يكون أرضاً طيّبة تستقبل كلمة الله لتتعمّق فيها فلا يخطفها المُجرّب (لو 8: 12). زكّا العشار نالَ الخلاص لأن الله قرر أن يُقيمَ عنده (لو 19: 5) وحضور الله جعلهُ رحوماً لأن الرحمة، كلمة الله، عمّذتهُ فوُلِدَ من جديد، وخلاصهُ إنعكَس رحمةً على حياة الآخرين، لاسيما الضعفاء والمساكين الذين إستغلهم بجشعهِ. 

أمام مُبادرة الله الخلاصيّة هذه يعلّمنا زكريا أن علينا أن نلتزِم بخطوتين في حياتنا: الأولى إستقبالهُ في حياتنا متأملين تدبيره في حياتنا، والثانية أن نُقدِم حياتنا له. فإستقبال ربّنا يسوع المسيح ليس مُحدداً بإحتفالية يوم أو يومين نقضيها في أفراحٍ ظاهرية، الأهم هو إستقبالهُ ربّا ومُخلّصاً. ومثل هذا الإستقبال يجب أن يتضمّن التوبة والإهتداء، أي تغييراً جوهرياً في حياتنا ليكون الخلاص فاعلاً. هذا الإهتداء ممكن لمَن عَرَف الصمت والتأمل في كلمةِ الله على مثال زكريا. هذا الصمت يُساعدنا في أن نُحسِن الكلام، بل أن ندَع الروح القُدس يتحدّث فينا ومن خلالنا. فإذا اتفقَ وأن اختبرنا مُشكلة أو أزمة، فالروح القُدس يُعلّمنا التريث قبل النُطقِ بأي كلمةٍ، وسيأتي الكلام تسبيحة ونشيداً، ونحن واعون بأننا قلنا كلمات كثيرة بعجلةٍ وتندمنا بعدها.

سنُقبلُ إلى إلهنا حاملين له حياتنا بكل ما تتضمنهُ من خطايا، لآننا مؤمنون بأنه "المُخلِص" ولن يحكم علينا، بل سيُعيننا لننكشِف أمامهُ، هو النور الحق، نتعرف ونعرف حقيقة ذواتنا: مَن نحنُ؟ خطايانا لن تمنعنا من الإقترابِ منهُ، بل سنعمل على أن نسير أمامه سيرة أبناء النور فنعمل كل ما هوَ صالحٌ وحقٌّ، وقد أعادَ يوحنا ما علمه ربّنا يسوع عن المحبّة الأخوية في وصفهِ لأبناء النور فكتب: "مَن قالَ إِنَّه في النّور وهو يُبغِضُ أَخاه لم يَزَلْ في الظَّلام إِلى الآن. مَن أَحَبَّ أَخاه أَقامَ في النُّور ولم يَكُنْ فيه سَبَبُ عَثرَة. أما مَن أُبغَضَ أَخاه فهو في الظَّلامِ وفي الظَّلامِ يَسير فلا يَدْري إِلى أَينَ يَذهَب لأَنَّ الظَّلامَ أَعْمى عَينَيه" (1 يو 2: 9- 11).

قراءة 813 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *