المواعظ
السبت, 09 كانون1/ديسمبر 2017 11:43

الأحد الثاني من البشارة - "الطاعّة: فعل الإيمان"

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد الثاني من البشارة

"الطاعّة: فعل الإيمان" (لو 1: 26- 56)

كشفت بشارة الملاك لزكريا الكاهنّ وإليصابات، وهي من عائلة كهنوتية أيضاً، أن يوّحنا سيكون "الرسول" الذي يتقدّم "إبن العلّي" في مجيئهِ بيننا. يوحنّا، هو إبنٌ سلالة كهنوتية، فهو كاهن. لم يختر هو أن يكون كاهناً، بل الله اختاره، وولادته "المعجزة"، علامةُ تكريسهِ المُطلّق لله. هو ممتلئٌ من الروح القُدس من بطنِ أمّه، فلن يكون كاهن طقوس وأزمنةٍ مخصصة، بل هو كاهنٌ في خدمة تدبير الله.. ويُعلّمنا القديس لوقا حقيقةَ أن كل كهنوت العهد القديم إنّمّا هو إعلان وإعداد لقدوم ربّنا يسوع المسيح المُخلص، فتوجيهات الأنبياء الأخلاقية وتعليم الكهنة ليس من أجل تنقية القلوب فحسب، بل، لتتهيأ لتكون حافظة "الزرع" الذي يبذره الزارع، كلمتهُ المُحيّة. 

جاء الله ليسكن بين البشر وينتظر جواب الإنسان الحُر، إلا أن الإنسان، وخلال قرون طويلة، وما زال، أظهر رفضهُ للحضور الإلهي، فدخل العالم في ظلمةِ الخطيئة وعنفها. مجيء الله هذا لن يكون مهيباً في شكلهِ، بل في مضمونهِ. لأنه اختارَ الحضور بيننا متواضعاً فتخلّى عن المدينة العظيمة، أورشليم، وعن الهيكل والسلالة الكهنوتية، ليحضر عند فتاة غير معروفة، تسكن مدينة صغيرة مجهولة، وحيّاها بعبارة: "إفرحي أيتها المُمتلئة نعمةً"، وسيُعلنها للرُعاة مرّة أخرى: "ها أنا اُبشرّكم بفرحٍ عظيمٍ". تحيّة تكشِف لنا عن جوهر رسالة الخلاص التي يُريد الله أن يجسّدها في حياة الإنسان: الفرح، فهو لم يأتِ ليدينَ الإنسان، بل ليُخلّصهُ. والخلاص يتحقق اذ يتجاوب الإنسان، بطاعتهُ، مع تدبير الله الخلاصي. فالله الذي خلقَ الإنسان حُراً، لن يُخلّصهُ إلا بإرادتهِ الحُرّة، فالإنسان الحُر والشجاع وحدهُ قادر أن يقوم بفعل الإيمان.

"لا تخافي يا مَريَم، فقد نِلتِ حُظوَةً عِندَ الله". اختارَ الله مريم، فصارت هي كُلياً له، مُكرَسة له، فهي تحمل كلمتهُ. الله فيها وهي في وسط هذا العالم، فأضحى بطن مريم "مركز الخليقة كلّها". هي الهيكل الجديد، وهي تعرِف ذلك، وتواصِل عبادتهُ بصمتٍ ومهابة متأملّة في كلمتهِ: "ما معنى هذا؟" الله لم يعد إلهاً بعيداً تناديه في الصلاه، بل أضحى إلهاً فيها تقبلهُ بتواضع وصمتٍ ومهابة وتأملٍ وتفكير.

اختبرَ الله طاعة مريم في العمق، لقد عرّضها "للتشهير" لأنها قد تُفضَح وتُطلَق وتتعرّض للرجم والعقاب، ومع ذلك، قَبِلَت مريم "فعل الله" هذا بطاعة تامّة: "ها أنذا أمةُ الرب فليكن لي حسبَ قولِكَ. طاعة أمنّا مريم لتدبير الله جعلت حضورهُ واقعاً على الأرض إذ سمحَت له بأن يتجسّد فيها، فما صارَ لنا كان بسبب قبولها. فهي تعرف أن الملاك الذي حيّاها لن يكون إلى جانبها دوماً، بل سيتركها لتتحمّل وحدها هذه المهمّة الخطيرة، وعليها أن تواجه خطيبها يوسُف، وتهبّ للعالم كلمة الله، ربّنا يسوع المسيح، الذي سيدعو الناس إلى الإهتداء، إلى تغيير مسار حياتهم، وهو ما لن يُسِّر الجميع. فقسوة قلب الإنسان تمنعهُ أن يتصالح مع نفسه ومع الله ومع الآخرين.

"نالت حظّوة لدى الله واختارها هيكلاً ومسكناً للعلي". وهذا أمر جعلَ أمنا مريم أكثر تواضعاً فرتلّت أمام نسيبتها إليصابات ممجدة عظمة عمل الله فيها، فهو المُخلَص. وفي اعترافها هذا تُعلِن باسم كل المُحتاجين والمظلومين والفقراء والمعذبين حاجتهم إلى الخلاص، لأنهم يشعرون بأنهم عاجزون ومحبوسون في عوزهم. مَن يعتقد متوهماً أنه قادرٌ ومُكتفٍ بذاتهِ، لا يشعُر بالحاجة إلى الخلاص، مثلنا نحن الذين صِرنا نتذكّر الله في مناسباتٍ متميّزة في حياتنا، ونتصرّف كما لو كُنّا قادرين على كلَّ شيءٍ، حتّى نتفاجأ بالحقيقة: نحن بحاجةٍ إلى مُخلِص. إعتراف مريم أمنا بأن الله هو "المخلص" يعني أننا لن نطلبُ الخلاص من بشرٍ. وإذا اختارَ الله احدى هذه الوسائل ليكون فيها معنا، فهي لا تُلغي أهمية الإيمان به والطاعة لتدبيرهِ.

"إسمهُ يشوع، المُخلّص"، الخلاصُ آتٍ إذاً، فالمسيح جاء ليُخلّص الشعب من خطاياهم. قدومه ليس ليُجدّد مملكة داود أو أن يُؤسس مملكةٍ سياسية أو قومية. ولم يأتِ ليهبَ الإنسانَ أن يعيش حُريتهُ مثلما يرغب، بل ليُنقذهُ من عبودية ذاتهِ ويُعيدهُ إليه: أنت بحاجةٍ إلى الله. فلطالما توهّم الإنسان بأنه ليس بحاجةٍ إلى الله مُصدقاً كذبّة المُجرّب لأمنا حواء: "فاللهُ عالِمٌ أَنَّكُما في يَومِ تأكُلانِ مِنه تَنفَتِحُ أَعيُنُكُما وتَصيرانِ كآلِهَةٍ تَعرِفانِ الخَيرَ والشَّرّ" (تك 3: 5). وأمام هذا المجيء الخلاصي لا يُمكننا أن نُخفي حقيقة "خطيئتنا"، وحاجتنا إلى الخلاص، أن تعود الحياة إلى علاقتنا بالله فتستقيم لتنتظِمَ بعدها كلَّ العلاقات الأخرى في الحياة.  

فلنُصلِ اليوم، ليُباركنا ربّنا بحضورِه فينا ومعنا، ويسند خُطانا لنكون على مثال أمنا مريم، الإناء النقي الذي اختاره الله ليحلّ بيننا، ويُقوينا ليكون جوابنا شجاعاً على دعوتهِ، وهذا ممكن. فالعذراء مريم، أختنا وأمنا قالت "نعم"، وهذا يعني اننا قادرون على أن نقول مثلها: "نعم لحضورِك يا رب، وتاريخ الكنيسة يشهد لقديسين إستجابوا لهذه الدعوة فأضحوا مناراتٍ على الطريق، وقوّة تسند خُطانا نحن جميعاً. 

قراءة 416 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *