المواعظ
الأحد, 26 تشرين2/نوفمبر 2017 13:37

الأحد الرابع من تقديس البيعة - الكنيسة: كنيسة أخوة، وكنيسة خدمة

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الرابع من تقديس البيعة

الكنيسة: كنيسة أخوة، وكنيسة خدمة (متى 22: 41- 23- 22 )

 

سألَ ربّنا يسوع الكتبة والفريسيون: ما قولكم في المسيح؟ إبن مَن هو؟ قالوا إبن داود! فقال لهم" كيف كيف يدعوه داود نفسهُ ربّاً ؟... كيف يُمكن أن يكونَ إبنه؟ ويُصلي إليه كربٍ؟ فسكتوا مُحرجين ...لأن المسيح ليس إبنَ داود فحسب، بل هو الذي سيحكم على بيت داود كله بل يفتح أبوابَ ملكوتِ الله امام الأمم ليدخلوا ملكوته، لأنه مُخلّصُ العالم بأسره. لم يكن سؤالهُ لإحراجهم مثلما كانوا يفعلون، بل سألهم لتكون لهم الفرصة ليتعلّموا ويقرأوا الكتبَ ويتأملوا فيها لتكون لهم هدايةً فيصلوا إلى الله، فهذه هي "الغاية" من قراءة الكُتب المقدسة والتأمل فيها، وغاية كل تعليم في الكنيسة: أن يصلَ بالمؤمِن، بكل إنسان، إلى الله. 

ومن أجل أن يكون لتعليم الكنيسة مصداقية، يجب أن يكون أصيلاً أي أن يتحول من تعليم إلى شهادة فيتناغم أسلوب حياة مؤمنيها مع ما يُعلّموهُ ويعظوه به، وإلا فسيكون أبنائها مُصابون بمرض خطير هو: الرياء. والذي يُحذرنا منه ربنا يسوع اليوم. الرياء هو أخطر مرضٍ يُمكن أن يُصيب مسيرة الكنيسة وأبنائها. الرياء مرضٌ ينفخ صاحبهُ، ويجعلهُ يتعالى ويتشامخ باطلاً على الآخرين، ويدفعهُ إلى إقتراف خطايا النميمةِ والإفتراء والحسد والغضبوالعداوة، وينزع عن حياته الفرح والسخاء والشهامة مثلما أشار قداسة البابا فرنسيس في أحدى عظاته، بل الأسوأ في ذلك هو: خداعهُ لذاته ِفيتوهم أنه أهمُ شخصيةٍ في العالم، فينسى خدمةَ القريب وتمجيدَ الله. خطورة مرض الرياء تكمنُ في قدرته على أن يجعل من هذا الغش والكذب اسلوبَ حياة لاسيما وأنه يُحقق للمرائي "حاجة الإعجاب" التي يبحث عنها، فينال تصفيقَ الناس وإستحسانهم، إلا أنه يُبعده عن حقيقةِ ذاتهِ ولن يكون له علاقة صحيحة مع الناس ومع الله. لذا، فتحذيراتُ ربّنا يسوع اليوم جاءت شديدة اللهجة بتعابيرها وصورها، وربنا يعرِف أن المُجرب محتالٌ وله القدرة على خداعنا.

ربّنا يُريدنا اليوم أن نكون صادقينَ معه ومع الآخرين: فكم من مرّة نقول كلاماً جميلاً عن فلان في حين أن قلبنا مليءٌ بالغضبِ أو الحقدِ عليه؟ كم من مرّة نمدح فلان بكلام حَسَن في حضوره أو حضور أصدقائه، ونلعنهُ في الخفاء؟ كم من مرّة نتظاهر بالتقوى والنقاء، وقلوبنا مليئة بأفكار دنسةٍ عن هذا أو ذاك، وملوثةٍ بالبغضاء والمرارة؟ لذا، جاء تعليم ربّنا يسوع اليوم وتعليم الرُسل لنتأمل حياتنا بصدقٍ فتسلَم قلوبنا من مرض الرياء: " "طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، أَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ" ( 1 بط 1: 22). 

ولكن ما شكلُ كنيسة ربّنا يسوع التي تُصلي لتتقدَس؟ 

هي أولاً كنيسة متواضعة تبحث عن الفقراء والمُهَمَشين لا عن المناصب والكراسي الأولى. كنيسة تشتغل وتعمل لتُعين الناس في حياتهم وتُرافقهم في صعوباتهم، وتكون أول مَن يُعطي الشهادة للنعمة التي باركنا بها الله. إلهنا يُريدنا كنيسة تُحِب وتخدم. ربّنا يفرح عندما يرانا نحملُ أثقالَ الناس وهمومهم بمحبّة، ونُوسّخ أيدينا لنُخفف أتعابَ الناس، ونُجهِد أجسادنا من أجل راحة العالم. سهلٌ أن ندينَ العالم، ونحكم على اعماله، ولكن الأصعب هو أن نلتزم بتغيير العالم وتطويره، ابتداءً من أنفسنا. لأن ذلك يتطلّب قلباً مُحباً، قلباً مُضيافاً، فرحاً بالخدمة التي يُقدّمها، ويكون سبب فرحِ الضيفِ أيضاً، لأننا مدعون لنكون كنيسة الفرح: أفرحوا أمام الرب يقول المُزمّر (مز 68: 4). 

​ربنا يُريد أن تكون كنيستهُ كنيسة نزيهةٌ في خدمتها وتشعٌ فرحاً وهي تخدُم، فلو فقدت الفرح والنزاهةُ لصارت خدمتها واجباتٍ وليست مسؤوليات تلتزِم بها بلقب ملؤه الفرح والحب. ربّنا لا يُريدنا مسيحيين حزانى، بل كنيسة قدّسها الرب لتخدم العالم بفرح. أن تكون خدمتنا حجراً يرصّف طريقَ مسيرتهم الإيمانية، لا حجراً على أكتافهم. كنيسة تعظُ بما تفعل، وتشهدُ بأفعالها لا بكلماتها. كنيسة خدمات لا كنيسة إمتيازات ومناصب، كنيسة تُريد أن توجّه أنظار العالم كله واهتمامه نحو ربّنا يسوع ونحو الإنسان الضعيف والمحتاج وليس نحوها أو نحو إنجازاتها.  

فإذا كُنا نُصلي ونطلب قداسة الكنيسة، فكنيسة ربّنا يسوع كنيسة تتقدّس بمقدار إلتصاقها بيسوع الخادِم المُحِب والرحوم فتعيشَ على مثاله خادمة ومُحبة وصادقة. قداسة الكنيسة مرتبطُ بالله الذي يُنعِمُ علينا بالقداسة، نحن الخطأة ويُواصِل عملهُ "المُقدِس" على الرغم من خطايانا. الله ينتصِر دوماً على عدم أمانتنا لأنه مُحبةٌ أمينةٌ تُلاقي الإنسان، لاسيما الضال، وتبحثُ عنهُ. نعمةُ الله تُبقي الكنيسة مُقدسِة، وتُشعلُ القلوب بالمحبة المجانية، فالعالَم كلّه بحاجة إلى المحبة والرحمة والغفران، بحاجة إلى ربّنا يسوع ليُشفى من أمراضه وخطاياه.

قراءة 58 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *