المواعظ
السبت, 18 تشرين2/نوفمبر 2017 14:56

الأحد الثالث من تقديس البيعة - الكنيسة: مكان لقاء الله بالإنسان

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد الثالث من تقديس البيعة

الكنيسة: مكان لقاء الله بالإنسان (يو 2: 12- 22 )

كعادة كل سنّة صعدَّ ربّنا يسوع إلى هيكل أورشليم ليُقدّم صلاة شكرٍ لله على نعمة الاختيار والتحرر من عبودية مصرَ، فوجدَ الهيكل في فوضى عارمة، فلم يعد مكان صلاةٍ، بل هرجٌ وصراخ وباعة وصيارفة وتجارة. غضِب ربّنا وقامَ بطردِ الباعةِ من الهيكلِ، وأشارَ في ذلك إلى سلطانِ خاصٍ: "لي سُلطان على الهيكلِ لأنيّ أنا ربُّ الهيكلِ" وأثارَ كلُّ هذا غضبَ اليهود، فطالبوه بأيةٍ يُظهِر فيها سُلطانهُ، فأجابَ: "إهدموا هذا الهيكلِ وأنا أبنيهِ في ثلاثةِ أيامٍ"، وشرحَ يوحنا الإنجيلي هذا قائلاً: "وكان يسوعُ يعني بالهيكلِ جَسدَه". هيكل جسده الذي قدّمه محبة للعالم من خلال فعل الطاعة التام لله وإهتمام أبوي بفقراء الله ولمسة شافية للمرضى وتحرر لمَن حبسهُ الشيطان في الخطايا وقُربٌّ من كل إنسان. رعاية لكل مَن يريد لقاء الله ليكون هو الطريق الحق للحياة مع الله.

إلهنا يريد أن يكون كلُّ مؤمِن حجارة حيّة في بيناء جسد المسيح، ويحزِن لمواقف المتفرّج أو الناقد الكسلان أو "مَن في قلبهِ خبثٌ فتراه يتفنن في "التشهير بالكنيسة" ليُبيّن للناس أنه "المُصلِح الثوري"، ويدعي أن ربّنا يسوع هو مثلهُ الأعلى، متناسياً أن ربنا لم يطرد الباعة فحسب، بل قدّم حياتهُ هو ليكون هيكل الله الجديد. كثيرون ينتقدون الكنيسة ويجعلون من أنفسهم "أنبياء عصرهم" متبجحينَ: "نحن على مثالِ ربّنا يسوع المسيح، غيرتنا على بيت الله تجعلنا نحمل السوطَ ونقلبُ الموائد ونطرد الباعة"، ولكنّهم ينسونَ الجزء الثاني والأهم من قصّة تطهير الهيكل: "إهدموا هذا الهيكل، وأنا أبنيهُ في ثلاثةِ أيامٍ"! وكيف بناهُ؟ أحبَّ وبشّرَ برحمةِ الله، ووقفَ إلى جانبِ المساكين، وصدقَ في حياتهِ، وإلتزَمَ طريق القداسة وكلّفهُ ذلك المهانةَ والصليبَ والموتَ ليشهدَ لمحبّة الله المجانية لنا. فلا يكفي أن نفضح أخطاء الكنيسة، بل الأهم أن نعمَل لتكون الكنيسة، ونحن حجارتها، دوما مكان لقاء الله بالإنسان. أنبياء الله لم يكونوا "فاضحين" بل متعلقين بالله ومُستعدين لعمل كل ما يحفظ حقوق الله حتّى لو كلّفهم ذلك حياتهم. 

يقول لنا القديس متّى أن ربّنا، بعد أن طردَ الباعةَ من الهيكل، شفى كثيراً من المرضى في الهيكل، لأنه حضور الله المحُب. ربّنا طردَ الباعة من الهيكل وألغى الذبائح التي كانت تُقدم فيه، وقدّم نفسه بدلاً عنها، فأعطى مصداقية "لسلوكه ِالنبوي"، وصارت محبتهُ التي ستُكلفه حياتَهُ عطية لله كاملة، وبذلك بنى هيكلاً لا من الحجارة، بل من المحبة التي تُحيي،الآخر وهذه المحبة لا ترضى بالغش، وترفض المراءة، ولا يُمكن أن تُصنّف الناس إلى أغنياء وفقراء، أصلاء أو غرباء، يهود أو وثنيينن مثلما كانت العادة في الهيكل. فمثل هذه التصنيفات تناقض عدالة الله ومحبته وتخالف قداسة الهيكل، وسوف تسبب دماره، والله لن يحمي هيكلاً فاسداً. فالمحبة والخدمة الطيبة الشافية هي سمات الهيكل  الجديد الذي لن تقوى عليه أبوابُ الجحيم. 

الهيكل الجديد هو "هيكل جسدهِ" حيث لقاء الله بالإنسان صارَ ممكناً، فالكنيسة تتقدّس بمقدار ارتباطها بربنا يسوع المسيح. وبإمكانيتها في جعل هذا اللقاء مُباركاً. هذا يعني أننا لن نستطيع الوصول إلى الله ما لم نتّحد به، فالعلاقة معه أضحت ضروريةً للقاء الله. وكلما إمتلأت الكنيسة من المسيح اختبرتَ نعمة القداسة، والقديس هو مَن سمحَ للمسيح يسوع "أن يملءَ حياتهُ"، والمسيحية ليست مُشترعاتٍ أو قوانين بل علاقةٌ وثيقةٌ بربنا يسوع المسيح، الذي يُريد ان يُغيّر حياتنا فيجعلها على مثالهِ: "مسكنَ الله العلي"، وهكذا يتحقق سرّ التجسد، أي إتحاد الله بالإنسان بيسوع المسيح. ففي الكنيسة، ومن خلال الافخارستيا يتحقق هذا الإتحاد، لأن الافخارستيا هي "إتحاد" ربّنا يسوع المسيح بنا، وهذا الإتحاد يتطلّب الحضور، فنحضر أمامهُ شعباًواحداً، ونتصافح علامة للمودة والسلام الذي يربطنا معاً، ويدعونا لنكون الافخارستيا التي نحتفل بها، وهذا هو الهيكل الجديد الذي اراد يسوع ان يبنيه (يُقيمه). 

عندما دخلَ ربّنا يسوع هيكل أبيه وجدَ فيه الكثير من العبادات لإلهةٍ كثيرة إلا التعبّد الحق لله، وهناك مَن يتعمدون إبعاد الناس عن الله بإشغالهم الناس بالطقوس والذبائح، أو بنظرياتهم وأفكارهم عن التدّين، لذا، يعلو صوت ربّنا ربنا يسوع في الهيكل: أنا سأبني هيكل الله. وهو يسألنا اليوم: تُرى أيُّ إلهِ تعبُد؟ وما هي الأصوات العالية التي تحاوِل إسكاتَ صوت الله في قلبِك؟ نحن نأتي للصلاة ومعنا مخاوفنا وهمومنا وطموحاتنا وأحلامنا وهي أشبه بتلك الخراق والبقر والثيران وموائد الصيارفة في هيكل أورشليم، فهذه أيضاً تمنعنا من أن نُقدِم التعبّد الصحيح لله ويضحى اللقاء به مُستحيلاً. في حياتنا أمور كثيرة صارت أكثر أهمية من الله، وإلهنا لم يعد في المركز، بل صارَ ثانوياً.

اليوم نحن بحاجة إلى تدخّل ربّنا يسوع الحاسِم ليُطهرَ قلوبنا وتعبّدنا من كل الوثنية التي تعلّقت فيه، ويُنقي "غيرتنا: لتكون له وليس لإسمنا. حياتنا بحاجة إلى مثلِ هذا التطهير لتكون هياكلَ نقيّة لله وأمكنة صلاة. هناك العشراتُ من الباعة والصيارفة الذين يحاولون أن ينسلوا إلى هياكل الله المُقدسة: "أجسادنا"، "ألا تعرفون أن أجسادكم هي هيكلُ الروح القُدس الذي فيكم هِبةً مِنَ الله؟ فما أنتم لأنفسكم، بل لله. هو إشتراكم ودفعَ الثمنَ. فمجدوا الله إذاً في أجسادكم" (1 كور 6: 19- 20).  

نُصلي اليوم من أجل كل مَن يجعلَ من كنيسة الله مكانَ صلاة إلى الله، وفرصةَ لقاء حقيقي معهُ.

قراءة 84 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *