المواعظ
السبت, 11 تشرين2/نوفمبر 2017 13:06

الأحد الثاني من تقديس البيعة - أما قرأتم ... اُريدُ رحمةً لا ذبيحة

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد الثاني من تقديس البيعة

أما قرأتم ... اُريدُ رحمةً لا ذبيحة (متى 21: 1-21)

"أُريدُ رحمةً لا ذبيحةً" هذه هي البُشرى السارة لإلهنا وملكنا، فهو لم يأتِ ليدين الإنسان بل ليُخلّصه بالرحمةِ. الكتاب المُقدس كله، وتاريخ مسيرة الله معنا يرتكز على هذه البشارة: يُريد الربُّ الرحمة قبل الذبيحة، وما الذبيحة إلا صلاة شُكرٍ للرحمة التي نلناها من لدنه والتي اكتملَت بتجسدّ ربّنا يسوع المسيح. 

غاية الشريعة لم تكن مُعاقبة الإنسان وسجنهِ في مُشترعاتٍ وقوانين ومحرماتٍ، بل التقرّبُ المتواضعِ الشاكِر من الله الآب والذي يُريد أن يقفَ الإنسان طاهر القلب واليدين أمامهُ، من دون أن يُهمِلَ أي جانب حياتي مهما كان تفصيلهُ. وكلُّ مَن يقترِب من الله سيزداد محبة ورحمةً، وسيفرح بعمل الرحمة، فعمل الخير والصلاح كشفٌ صادق لصلاح ِالله الذي أعطانا الشريعة لتقديسنا. 

الإنسان يبحث عن الكمال، ولكنه يسعى، على مثال الفريسيين، في صلبِ الآخرين وقتلهم باسم المُشترعات الدينية، في حين أن إلهنا يبحث عن القلوب النقيّة التي تقبله بالشكرِ والإمتنان، وترغبَ في معرفته أكثرَ فأكثر، فتُصلي أمامه بتواضعٍ لا من أجل إفتخار باطل، بل لتكون هذه الصلاة جمرة تُنقي القلب من كل خُبثٍ ومن كل ما لا يليقُ بجماعة اختارها الله وقدّسها لتكونَ نوراً للعالم، وملحاً للأرض. فمن دون هذا الموقف سنكون مثل هؤلاء الفريسيين الذين انتقدوا تلاميذ ربّنا يسوع بدافع ريائهم وتديّنهم الكاذب، وكانوا يبحثون عن حجةٍ للخلاص منه، هو الذي جاء لينشرَ رحمةِ الله خيراً على الإنسان. 

لذا يضع ربّنا اليوم معياراً هاماً لصدقِ العلاقة مع الله: "كلّما إزددنا رحمةً تجاه اخوتنا وأخواتنا، وفرّنا المجال  لنعمة إلهنا لتعملَ فينا". كلّما تقدمنا خطوة نحو أخينا الإنسان في حاجته وألمه، قدّمنا الله نحوه خطوتين. فالمؤمن الحقيقي هو كل إنسان يعرف نقائصه ويُقرُ بها، ويقف أمام الله طالباً الرحمة، ويمدُ يده متضامناً مع القريب بمحبّةٍ وحنانٍ وإصغاء ليقول له: إلهي أنعمَ عليَّ بالرحمة، فأسمح لي بأن أُشارككَ بما أعطاني الله من نعمٍ وبركاتٍ. إسمح لي أن أكون لكَ أخاً، وعندها ستولدُ كنيسة يسوع المسيح، كنيسة الرحمة، فيها مؤمنونَ اختبروا الرحمة ويعرفوا أن يرحموا الآخرين فيقبلوهم بصدقٍ من دون خداع أو كذبٍ أو إفتراء. كنيسة أناسٍ يُحبّون الخير ويتفانون في عمله، وفي عمل الخير يعملون إرادة الله ومشيئتهِ، ويحتفلون بيوم الرب، يومَ حضوره الرحوم بأفعال الخير التي يعملونها. كنيسة مؤمنةٌ حقاً بربنّا يسوع المسيح، وإيمانها يتجسّد في المحبة الصادقة التي تعيشها فالإيمان من دونِ محبةٍ إنّما هو إيمانُ الشيطان، وإيمان بمحبةٍ هو إيمان تلميذِ يسوع المسيح، لأنه إيمان سيُكلّفهُ الصليب.  

ربّنا يعرف أننا مجرّبون بأن نبحث عن كنيسة أو جماعة كاملة. إلهنا يعرف ان فينا جميعاً من النزعة الفريسيّة التي تدفعنا إلى اتخاذ مواقف ناقدة تجاه الآخرين. ربّنا يعرف أننا أحيانا نبتعد عن الكنيسة بحجة اننا لا نجد فيها أناساً صادقين، أو أنهم يحضرون الكنيسة ولكنهم لا يحملون الكنيسة إلى العالم. ربّنا يعرف هذا كله، ومع ذلك يرغب في تنقيتنا وتقديسنا وتطهيرنا، نحنُ كنيستهُ، ويُقدّسنا جماعةً له فيقول: أُريدُ رحمةً لا ذبيحة. 

يُقدسنا ربّنا اليوم كنيسة له في العالم، ويُرسلنا لنمدَّ يدَ الخير والرحمة لمَن هم حولنا، عارفين أن المجرّب أحاطَ بنا ليجعلنا نتذكّر أنفسنا وننسى الآخرين. ويقدّم لنا الربُّ كل يومٍ فرصاً لعملِ الخير، فلنُصلِ ليفتح روح الله عيوننا لنرى كم من مُحتاجٍ ينتظر منّا إلتفاتة مُحبةٍ، وكم من متألمٍ يتوق الى كلمة تعزيةٍ تشفي جراحه وتُسليّه في محنتهِ. يومُ الربِّ هو يومِ الخير، اليوم الذي نتقرّب إلى حياة الناس فيتقدسوا بطيبةِ الله الذي في قلوبنا، فنكون نحن الهيكلَ المُقدس الذي يلتقي فيه الله فقراءه ومساكين َشعبهِ. 

إيماننا يتجسّد في المحبة الصادقة التي نعيشها في حياتنا، لأننا تعلّمنا أن إيماناً من دونِ محبةٍ إنّما هو إيمانُ الشيطان، وإيمان بمحبةٍ هو إيمان تلميذِ يسوع المسيح، لأنه إيمان سيُكلّفهُ الصليب. عملُ الخير سيُكلّفنا الكثير وسيجعلنا نُحارب أنانيّتنا ورغبتنا في تأمين ِراحتنا. عمل الخير هو حملُ الصليب خلف ربّنا يسوع الخير العظيم الذي صارَ لنا، ومواصلة الطريق بأمانةٍ مهما كانت التضحيات. وهكذا سنشعُ للناس نوراً بما نحملهُ من قيمٍ وفضائل ثبّتها فينا ربّنا يسوع المسيح، فالمسيح هو إنسانُ الخير دوماً، إنسانٌ على قلبِ الله الخير الأسمى. 

إلهنا يدعونا لنجعل من كنيسته، ومن حياتنا، فرصة ليحتفل العالم بحضور الربِّ معهم. عمل الخير، تقديس يومِ الأحد خلال إيقاد شمعة في البيت، عمل رحمة مميّز، حضور القُداس مع الجماعة، قراءة الكتاب المُقدس، خطوة غفران مميزة تجاه مَن إبتعدوا عنّا، مُصالحة وسلامٌ مع الذين أغضبونا ... كلّها أعمالٌ تجعل من يومِ الأحد يوم الرحمةِ، وهكذا نُكمِلَ مشيئة الله. هي دعوة لنا جميعاً، نحن الذين اختبرنا محبّته ورحمتهُ أن نُبشَّر بهذه المحبة من خلال أعمال الرحمة في حياتنا، فيرى الناس أعمالنا الصالحة ويُمجدوا أبانا الذي في السموات.

قراءة 666 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *