المواعظ
الخميس, 14 أيلول/سبتمبر 2017 01:13

عيد إكرامُ الصليب - الصليب؛ إنتصار محبّة الله وحكمتهُ

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

عيد إكرامُ الصليب

الصليب؛ إنتصار محبّة الله وحكمتهُ (لوقا 24: 13- 35)

           

"ما معنى كل ما حصل؟" "ولماذا حصلَ كل هذا لنا؟" "لمّا هذا الصليب؟" "لماذا يُقتلَ الإنسان البرئ الطيّب الذي عاش رحمّة الله بيننا، وتتوقف المسيرة من دون أن يكون لنا الفداء؟ هذه بعضٌ من الأسئلة الكثيرة التي حملها قليوبا وزميلهُ وهما يُغادران أورشليم حزانى بسبب مشاعر اليأس والإحباط بعد توقفٍ فاشل لمسيرة خلف المعلّم القدير "يسوع الناصري". فلم يفهما أبداً معنى الأحداث ولماذا الصليب والموت، وما معنى أنه حيٌّ؟ نحن مثلهما نسأل مراراً كثيرة: "لماذا كل هذا الألم والشَر يا إلهي؟" "وأين حضوركُ في كل ما يحصل في حياتنا؟"

         ربّنا الذي تجسّد ليُشارِك الإنسان حياتهُ لن يتركهُ أسيرَ الحزن واليأس والحيرة، بل يرافقه ليُعيد له الفرح ويُعيده إلى الجماعة رسولاً، فرحُ اللقاء به والإنطلاق إلى العالم مُبشرين بمحبّة الله التي تتغلّب على قسّوة قلب الإنسان. فأول ما نتعلّمهُ من لقاء عمّاوس هو أن الربَّ عندما يُنعمِ على إنسان برؤية فهو يبغي بناء الكنيسة وليس قسمتها، هكذا، لم يؤسس قليوبا كنيسة جديدة، بل عادَ إلى جماعة الرُسل ليقوّيهم ويُثبتهم في المسيرة.

         بدءَ ربّنا يسوع رحلة تعليم التلميذين من جديد بعباراتٍ قاسية (وبخهما) وتحدّاهما لينفتحا على حقيقة الله ويفهما الكُتب، لأنه عرِف أن قلبهما يحترِق طالباً "الحقيقة"، والحقيقة هي: أن الله يُحبُ الإنسان ومحبتهُ لا تعرِف الحدود ولا يوقفها صليبٌ أو موتٌ، وإن تطلّبَ الأمر أن يبذُلَ حياتهُ من أجل الإنسان، فسيقدمها حُباً به. ربّنا ربّى تلاميذه على الحقيقة وعندما ييأسُ الإنسان ويخافُ ويحزَن معنى ذلك أنه "جاهلٌ" و"بطئُ الفهِم" ولا يعرف محبة الله، ولم يفهم مسيرة الله مع الإنسان. ربّنا لم يُلاطِف التلميذان أو يجاملهما، بل واجههما بحقيقتهما: "أنتما أغبياء".

         السؤال هنا: "لماذا أغلقت عيونهما عن معرفتهِ؟ كيف لم يعرفا المعلّم الذي تبعه لفترة ليست بالقصيرة؟ والجواب هو من حديثهما للغريب: "كُنّا نرجو"؟ كانوا هم الذين يُخططون لله كيف له أن يتصرّف ولم يكونا مستعدين لقبول تدبير الله، لذا، أُمسِكت أعينهما عن معرفتهِ، وتطلّب الأمرُ توبيخاً قاسياً من المعلم. نظنُّ أننا في مثل هذه الأوقات بحاجة إلى كلماتٍ تُهدأ من مخاوفنا وترافقنا بحنانٍ وطيبةٍ، ولكنَّ ربنا يسوع واجه التلميذان بحقيقتهما: أنتما جاهلان ولا تفهمان.

ظنَّ التلميذان أن "الغريب" الذي يرافقهما يجهلُ ما حصلَ في أورشليم، ولكنّ ربّنا يسوع كشفَ لهما عن جهلهما التام بالكُتبِ المُقدسة، فما حصل سبقَ وأن تحدّث به الأنبياء. فلم يكن في فكرِ الله "تدمير" الإنسان ليتغلّب على خطيئتهِ. وبدأ هذا الغريب يشرح لهما "فكر" الله. وتأزمَ الأمرُ أكثر إذ حلَّ الظلام على الجميع، هنا، وعوضَ أن يتركا هذا الغريب الذي وبخهما يُواصِل رحلته، طلبا منه البقاء، فقبِل الدعوة ولكنه ترأس "أفخارستيا" المحبّة، وعرّفهما معنى كل ما حصل: "هذه هي حياة الله"، حياة المحبّة والرحمة والعطاء الذي لا يعرِف الحدود، فأنفتحت أعينهما وعرفاهٌ فتجاوزا الخوف وعادا إلى أورشليم، إلى جماعة "الرُسل" إلى الكنيسة ليجعلا من خبرتهما هذه خبراً مُفرِحاً: بشارة؛ إيونكاليون.

         الصليب ليس علامة القسوة والفشل بل علامة إنتصار محبّة الله. فالله الذي وهبَ للوالدين محبّة تجعلهما يبذلان كل شيءٍ محبّة بأبنائهما لن يكون أقل منهما محبّة بالإنسان. فهو نبعٌ كلِّ محبة وأصلها. وهل يُمكن أن ننعمَ بفرح القيامة من دون جمعة الألم والخيانة؟ هل يُمكن للوالدين أن يفرحا بنجاح أبنائهما من دون تعبٍ وألم وسهر الليالي؟ لذا، يأتي ربّنا اليوم ليسيرَ مع التلميذين ودعاهما ليقرأ حياتهما على ضوء كلمة الله والافخارستيا، ليُوصلهما إلى الإيمان بأن الصليب على الجُلجلة ليس علامة إنتصار الخطيئة على الخير، بل شهادة حُبِّ الله للإنسان، هذا الحب الذي لا يُمكن أن تُوقفهُ الخطيئة: "ما مِن حُبٍ أعظمَ من هذا من أن يبذًلَ الإنسان نفسه عن أحبّائه". فصليبُ الجلجلة ليس صليب الفشل بل صليبُ الانتصار. ليس صليب القسوة بل صليب حنان الله الثابت. ليس صليبَ ضعفِ الله بل صليبَ قوّته وحكمتهِ، ليس صليبَ الموت بل صليب الرجاء.

مسيرتنا إلى الله تتطلّب تخليات كثيرة وتجّرداً عن الرغبات الخاصة لأكون مُستعداً لأقبلَ ما يُريده الله مني. ربنا يدعونا مثلما دعا تلميذي عمّاوس لينظرا إلى الحياة بعيون الفصح والقيامة، بعيون الحب الغير المشروط. بعيون تعرف أن تنظر إلى الآخر وإلى حاجته. تعرف أن تُسامح وتغفر وتُصالح، وتعود إلى الأخوة مُبشرة أنها إلتقتِ الربَّ. العيون التي ترى كيف يعطينا الرب حياته ليجعلها خُبزاً مُتقاسماً. بعيون ترى في المعاناة حضور الرب الراعي لنا، والذي لم ولن يتركنا بل أحبّنا بإمتياز وخاصة في ساعة ضُعفنا ويأسنا، فلم يدعنا أسرى الحزنِ، أو فريسة حيرتنا ويأسنا، بل يأتينا وكُلّه عزم ليقوي ضُعفَ إيماننا إن سمحنا له بأن يُكلّمنا، وإن دعوناه ليدخل بيتنا فيحلَّ لا ضيفاً بل صديقا حميماً.هذا هو انتصار الصليب الحقيقي: أن يدخل ربّنا يسع حياتنا، ونسمح له بأن يُباركها هو.

قراءة 203 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *