المواعظ
السبت, 09 أيلول/سبتمبر 2017 20:27

الأحد الأول من إيليا - ماذا تُريد أن أصنعَ لك: أن أُبصِرَ يا ربُّ

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الأول من إيليا

ماذا تُريد أن أصنعَ لك: أن أُبصِرَ يا ربُّ (لو 18: 35- 43)

جلس الأعمى لسنوات طويلة يستعطي عطفَ الناس وشفقتهم، وكان يتحسس مرورهم ويلتمس رحمتهم، ليضمُن طعامه اليومي، فلم تتغيّر حياتهُ كثيراً. ولكنّ مرور ربّنا يسوع كان حاسماً في حياتهِ. فلقد إنتظره طويلاً، فصرخَ: "يا يسوع إبنَ داود إرحمني". وها هي الجموع التي كانت تُشفقُ عليه تريد إسكاتهِ، ولكنه إزدادَ صراخاً ثابتاً في قصدّه: يا إبنَ داود إرحمني". إصراره ولجاجته أوقفت ربّنا يسوع وأمرَ بأن يُحضروه ليلتقيهِ. لقد رأى بعيون الإيمان ما لم يراه الآخرين بعيون الجسد: هو المسيح المُخلّص الذي أرسلهُ الله ليهبَ البصر للُعميان.

عَرِفَ الأعمى أنه لا يُبصِر وهو مشلولٌ لا يقوى الحركة ولا يستطيع فعل الكثير ليُعينَ نفسه ليحظى بلقاء ربّنا يسوع، ولكنه كان يعرِف كيف يصرخ فاستغلَّ ذلك ليُحقق اللقاء بيسوع، وعندما دُعيَّ تركَ كلَّ شيءٍ في الحال وأسرعَ من دونِ إبطاءٍ إلى لقاء ربّنا يسوع الذي سألهُ: ما تُريد أن أصنعَ لك؟ وكان يعرِف ما يُريد: أن يُبصِرَ! أن يترُكَ المكان الذي تجمّد فيه منذ سنوات طويلة، فكان له ما أرادَ لأنه آمنَ. أبصرَ وراح يتبع ربّنا ويُمجّد الله، والجموع التي أرادت أن تُسكته إنطلقت تُمجّد الله. لقد تحرر من حبسهِ وتحولّ من "ساكنِ متشائم" إلى مُبشِّر فرح. من إنسان يصرخ طالبا عطف الناس إلى مُرنّم يُمجّدُ الله على الرحمة التي حصلَ عليها بربّنا يسوع المسيح.

لم تكن عملية شفاء الأعمى "سهلّة"، بل رافقها الكثير من الصعوبات. فربّنا يسوع كان بعيداً عن الأعمى، وهو في حركة متواصلة ويُحيط به جمهور كبير، بخلاف الأعمى الجالس على جانب الطريق ساكناً من دون حرِاك، وعليه أن يبذل جهداً للوصول إلى ربّنا، ولم يملُك إلا صوتهُ، فراح يصرخ. أجبره الناس على السكوت، فإزداد صراخاً، وهنا، جاء تدخّل ربّنا ليحسِم القضية، ويطلب لقاء الأعمى ويبدأ حوار شخصي بينهما يسمح للأعمى بأن يشترِك في مسيرة ربّنا نحو أورشليم. طلبَ الرحمة فنالها، ليس فحسب، بل حوّلتهُ إلى تلميذ ورسول ومُبشِّر.

يمرُ بنا ربّنا عشراتِ المرّات ولكننا مراراً ما نكون محبوسين في يأسنا، ومحبطين بسبب الصعوبات التي نختبرها، فلا نقوى حتّى على الصلاة والصُراخ لأننا خائفون وحزانى فنخسر لقاءاتٍ كان من شأنها أن تُغير حياتنا كلياً بسبب عدم إيماننا. وليس فينا إيمان من أن الآب السماوي هو معنا ويرافقنا بل يتقاسم معنا حمل صليبنا. ربّنا معنا لا ليُزيل عنّا الصعوبات، بل ليُقوينا ويُثبتنا في المسيرة حتّى نجتاز البحرَ آمنين ومؤمنين.

لقد طلب الأعمى النظر لا من أجل أن يعود إلى مكانهِ فينظر ويميّز بين فقراء القوم وأغنيائه ليطلب ما يشاء، ولم يعد إلى المدينة باحثاً عن عملٍ، بل إنطلقَ خلف يسوع السائر إلى أورشليم الموت. ربّنا يسوع لم يعدنا بمسيحية خالية من الصليب، بل جعل الصليب في مركزها: "كل مَن لا يحمل صليبهُ ويتبعني فلا يستحقني". ولجميعنا صُلبانٌ كثيرة  وصعوبات جمّة، والسؤال الذي يتحدانا اليوم: هل جعلتنا هذه الصُلبان، أقرب إلى الله الباحِث عنّا، أم إن المُجرّب نجحَ في إبعادنا عنه بسبب ما نُعانيه من ضيقٍ وهمِّ وحيرة وشكٍّ؟ هل جعلتنا المتاعِب والهموم والألم والضيق عمياناً جالسينَ على طريق الحياة نستعطي عطفَ الناس وشفقتهم، أم ملأتنا إيماناً وإنتظاراً لخلاص الله الآتي إلينا في طُرقٍ لا نتوقعهُ؟ أوَ لم يحن الوقت لنترُك "أراضينا المريحة" وننطلق نتبع جديد الله؟

نحتاج إلى شيء واحد إذن: أن نثبت في الصلاةَ وأن نواصل الطلب، مؤمنينَ أن الله الآب آتٍ لخلاصنا مهما طال الانتظار. مواصلة الصلاة تُبقي الإيمان حيّا فاعلاً فينا عارفين أن الذي دعانا هو أمينٌ. نختبرُ الكثير من الصعوبات التي تشلُّ حركتنا وتأسرنا في مشاكلَ وتُعمي أنظارنا فلا نُبصِر حقيقةَ الناس والأحداث من حولنا. فلنطلب نعمة الإيمان اللجوج، نعمة البصر لنرى تقّرب الله في حياتنا، فلنطب رحمة الله فنتقوّى وننهض من مشاكلنا ونسير خلفَ يسوع، فنُصبِح سبب تمجيد الله: "ولمّا رأى الشعبُ ما جرى، مجدّوا لله كلّهم" (لو43:18).

اليوم، إذا دعانا ربّنا وسألنا: ماذا تُريد أن أصنعَ لك؟ كيف أخدُمك؟ تُرى ما الذي سنطلبهُ منه؟ جوابُ هذا السؤال مهمٌ جداً في حياتنا، وعلينا أن نتأمل ملياً في حياتنا كلّها قبل أن نطلب. ما الأمرُ الأهم الذي عليَّ أن أطلبهُ اليوم إذا سألني ربّنا هذا السؤال. بالتأكيد هناك قائمة بالكثير من الحاجات المادية التي نحتاجها في حياتنا، ولربما نفسية أو إجتماعية، وكلّها حاجاتٍ حقيقية يعرفها ربّنا قبل أن نطلبها منه. ربنا يُريد منّا أن نطلب ملكوت الله وبرّه، أما البقية فتزاد.

الأعمى إنموذج إيمان للإنسان الذي لا توقفهُ صعوباتٌ بل يُتابِع المسيرة حتّى لو عارضه الناس ومنعوه. إيمانه تحوّل إلى صلاة وإستغاثة لجوجة، وعندما تحينُ السرعة فهو مُستعد لأن يترُكَ كل ما يملُك، كل الضمانات، من أجل اللقاء بيسوع.

 

الاول من ايليا

قراءة 665 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *