المواعظ
السبت, 26 آب/أغسطس 2017 10:00

الأحد السادس من الصيف - الإنسان: فعلٌ شكُرٍ وامتنان

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد السادس من الصيف

الإنسان: فعلٌ شكُرٍ وامتنان (لو  17: 5 - 19)

 

كشفَ الأبرص الشاكِر، والذي شفيَّ وهو في طريقهِ إلى لقاء الكاهنِ، معنى الإيمان. الإيمان الذي طلبَ الرُسل من ربّنا يسوع أن ينالوا المزيد منه، فالإيمان يعني أولاً: تمجيدُ الله وشُكره، تقديم العبادة النزيهة له وحدهُ، وهو ما يصعبُ على الإنسان مراراً. فالشُكر هو خير تعبيرٍ عن إيمانٍ نقي بمَن نُحبهُ، ونفتخِر فخراً عظيماً بأننا لولا محبتهِ ورحمتهِ ما كُنا سنكون ما نحن عليه. لذا، ولأهمية الشُكر في حياتنا، يجمعنا الله دوماً حول مذبحهِ في أفخارستيا إبنه، ربّنا يسوع المسيح، لنكون جماعة الشُكر، فالأفخارستيا هي فعل الشُكر لأن الله اختارنا بربنا يسوع المسيح ليُبارِكنا ويجعلنا نوراً بين الأمم. وأول صلاّة نرفعها بعد مناولة جسد ربّنا يسوع المسيح، هي صلاةُ الشُكر: "كلّنا نحن الذين بموهبة الروح القُدس ..."، فالشُكر يسبُق التضرع.

كان الناس يؤمنون أن البرص ليس مرضا ًفحسب، بل حُكمٌ وعقابٌ من الله على الإنسان، ويحتاج إلى المصالحة مع الله، لذا قالوا: "إرحمنا" ولم يقولوا "إشفنا". والحال أن الله نفسه جاء ليُصالح الخطأة، فأمر ربنا يسوع البُرص العشرة بالذهاب إلى الكهنة قبل أن يشفوا، بل لم يتلقوا أية علامة على أنهم سينالون الشفاء: "أمرهم وعليهم أن يطيعوا"، أي، يجب أن يكون لهم إيمانٌ بكلمة ربّنا يسوع، وهذا ما حصل بالفعل. جميعهم ذهبوا من دون أن يسألوا: متى نُشفى؟ وكيف سنُشفى؟ آمنوا بما قاله ربّنا يسوع فنالوا الشفاء. فالشفاء جاء ثمرة الطاعة. أمرهم بالقيام بفعل يتطلّب الكثير من الشجاعة: الذهاب إلى أورشليم، حيث مركز الرئاسة الكهنوتية، بل مدينة محرمة عليهم كونهم يحملون مرضاً مُعديا وهم من المغضوبِ عليهم من قبل الله.

لقد تصوّر البُرص التسعة أن على يسوع، كونه مسيح الله، أن يمنحهم الشفاء، وكأنهم يستحقونَ ذلك، لذا، لم يعودو ليشكروا. أما السامري، فلقد شعرَ بأنه غير أهلٍ لمثل هذه العطية فعادَ ليشكرَ. يشكر حضور الله في يسوع المسيح: "عادَ يُمجدُ الله". لقد أكتشفَ السامري مَن هو ربّنا يسوع: هو الطريق إلى الله. فالإيمان بيسوع يقودنا إلى الله الآب، بل أن ربّنا يسوع يحملنا إلى الله الآب، الذي أرادَ أن يُصالحنا بابنهِ يسوع المسيح. فعلُ الإيمان يكتمل إذن بالعودة إلى الله ممجدين إياه، فالإيمان فعلُ من الله وعودةٌ شاكرةٌ إليهِ.

نحن واعوونَ للشر الذي أصابَ العالم والإنسانية وتركَ خلفهُ ضحاياً بل كوارثَ وأمراضٍ يصعبُ شفائها إنسانياً. ونعيش في هذه الأيام مآسٍ كثيرة سببها خطيئةُ الإنسان. ويُؤلمنا كثيراً إبتعادُ الإنسان عن الله الآب، وتفكير البعض من أنه، أي الله، بعيدٌ عنّا وعن مآسينا، والحقيقةُ هي أنه معنا دوماً، ويعمل على عمل الخير ومد يد الرحمةِ ونشر المحبة والسلام، ولكنه يطلبُ منّا أن نكون له شاكرين دوماً. مشاعرُ الشُكر هذه ليست عباراتٍ نقولها، بل مواقف علينا أن نلتزِم بأن نكون فعلةً أمينينَ لنُحقق تدبيرهُ الأبوي، مثلما فعلَ ربّنا يسوع. أن ندخلُ مجدهُ وذلك بأن نسعى لعملِ إرادتهِ وتحقيقها في العالم، وإرادتهُ تكمنُ في خلاص كل إنسان، والخلاص يكون في القُربِ منه، مثلما فعل الأبرص الذي شُفيَّ جسدياً، فعادَ يُمجد الله ويقترِب من ربّنا يسوع لينال الخلاص.

البُرص التسعة نالوا الشفاء الجسدي، ولكنهم لم ينالوا الخلاص، حالهم حالُ كثير منّا: نعرِف الله ولكننا لسنا قريبين منه. تحدي الإيمان الكبير اليوم هو أن نكون مؤمنينَ "شاكرينَ"، فنحن مهوسونَ بحبِ الذات إلى مرحلة نجد فيها صعوبة في التعرّف على تدبير الله في حياتنا. ألمنا الجسدي وظروفنا تجعلنا نتردد في تلفظ تعابير الشُكر، ونُكثِر من التذمّر، وكأن الله غير آبهِ بما نختبرهُ من ألمٍ وصعوباتٍ وإضطهادٍ. يروي لنا آباؤنا الروحيون عن كاهن إشتهرِ بمواعظهِ التي كانت مليئة بعباراتِ الشُكر على الكثير من النعِم التي كان يتلمسها في حياته، ويراها في حياة رعيّته. وحدث أن عاصفةً هوجاء ضربت القرية فدمّرت كل شيءٍ، فراهنَ العديد من الناس من أن الكاهن اليوم لن يجد ما يشكر الله عليه، وإذ به يبدأ عظتهِ بعبارة: "نشكركَ يا الله لأن أيام حياتنا لا تُشبهُ هذا اليوم المُتعِب".

ربّنا يسوع يُعلّم تلاميذه، ويُعلّمنا، أن نكون جماعة شاكرين. جماعة تعرف حاجتها وتعترف بالنعمةِ التي قبلتها. عالمنا اليوم مُصابٌ بأمراضٍ كثيرة، وهذه الأمراض راحتُ تٌصيبُنا نحن المسيحيين أيضاً. فالعالم لم يعد يعترفُ بمجّانية العطاء، ولا يعرف بالتالي أن يشكرُ. العالم لا يؤدي عملاً إلا وينتظر المُقابلَ مكافأة أو منصباً، ولذا فهو لا يشعر بواجبِ الشُكرِ. وحتى ما بين المتزوجين لا يوجد كلماتُ الشُكر، بل يظنُ الرجل أن من واجب المرأة أن تُدبّر البيت من دون أن تُشكَر، وتعتقد المرأة أن من واجب الرجل أن يوفّر المصاريف من دون أن يُشكر. وهكذا نكبر ويكبر معنا هذا التعامل حتى مع الله. كلمة الشُكر هي مثل حاجة النبات إلى الماء. كلمات الشُكر هي حياة كل علاقة إنسانية وحتى علاقتنا مع الله. فلو تعلّمنا أن نشكر الله، سنتعلم أن نشكر الأب والأم والأخ والأخت والصديق على كل ما يُقدموه لنا من محبة ورعاية وإهتمامٍ، وهذا كبيرٌ في عيونَ الله. نشكر الله على إنسان يحاول أن يترك في حياتهِ إشارةً لحضور الله المُحِب، وأن لا نتردد في تمجيد الله على ذلك مهما كان ذلك صعباً علينا أحياناً، فالشُكر سيُغيّر نظرتنا للحياة، ويُعيدنا إلى الله الذي يحاول الشر أن يُبعدنا عنه.

ربّنا يُريدنا اليوم أن نكون من الشاكرين لا من المُتذمرين أو ناكري الجميل، لاسيما وأنه ينتظرنا دوماً لنحتفلَ معه بالأفخارستيا، والتي تعني فعلَ الشُكرِ.

 

السادس من الصيف

قراءة 537 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *