المواعظ
السبت, 19 آب/أغسطس 2017 10:00

الأحد الخامس من الصيف - عندهم موسى والأنبياء

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد الخامس من الصيف

عندهم موسى والأنبياء (لو 16: 19- 31)

لم يلعَن ربّنا يسوع الغنى بل حذرنا من التعلّق به والتعبد له فنتنكّر لإلهنا وخالقنا، وننسى القريب، هذه هي رسالة إنجيل اليوم، وكلمة الله: "عندهم موسى والأنبياء"، كفيلةٌ بأن تُذكرنا بهذه الحقيقة. فالتعلّق في الغنى يكشُف عن وهمٍ لطالما أغرى الإنسان، فاعتقدَ أنه حصل على كل شيءٍ، وهو قادرٌ على صنعِ المعجزاتِ، متناسياً الآخرين، فالغني لم يُفكّر بإخوتهِ الخمسة إلا بعد مماتهِ، وهو يتعذّب، ولو تذكرهم لصاروا ستة، ولو تذكّروا لعازر الفقير لأصبحوا سبعة، وهو عدد الكمال، جماعة مُحبّة، وبالتأكيد كان الربُّ سيتذكّرهم كلهم معاً. فلا سعادة من دون الآخرين، لأن السعادة تكون في المُشاركة، ويذكّرنا بولس الرسول بكلمة لربّنا يسوع: "تباركَ العطاء أكثر من الأخذ" (أع 20: 35). فالغنى قسّى قلب الإنسان وأعمى عيناه وصمَّ أذنيه فلم يسمع ولم يرَ ولم يشعر بحالة إخوتهِ ولا بالقريب الذي إلتصقِ قربَ بابهِ.  

 خطيئة الغني أنه لم ينتبه إلى حضور لعازر وكأنه لم يَره، لم يسمع أنينَ لعازر، وكان له يدان ولكنه لم يُحرّك لعازر من مكانه، ولم يأمر بأن يُحّركَ من أمام بيته. كان غنياً ولكنه لم يعمل على تغيير حياة لعازر. ربنا لم يقل ان الغني طردَ لعازر الفقير، أو أهانهُ، أو ضربهُ، ولكنه لم يعتن به ولم يُطعمهُ، وكأنه لا يراهُ ولا يسمعهُ ولا يشعر بوجوده وإحتياجاتهِ، فصارت الهوة كبيرة بينهما، بل عظُمت جداً، لأن الغنى أعمى عيون الغني وصمَّ آذانهُ عن السماع.  صحيح أنه لم يطرد الفقير من أمام بيته، ولكنه رضيَ بحالة لعازر وكأنها أمرٌ طبيعي لا يعينه البتّة، مُتناسياً أنه مسؤولٌ وحارسٌ على القريب. فالجحيم الذي استقرَّ فيها لم تكن عقاباً على أنه فعلَ شيئاً، بل لأنه لم يفعل شيء من أجل إسعاد حياة القريب.

أما لعازر الفقير فقَبِلَ بالفُتاتِ الذي كان يتساقط من مائدة الغني، ورضيَ بحالهِ من دون تذمّر أو حسدٍ لحياة الغني، وصبرَ من دون أن يلعن الله على وضعه الصعب بل بقيَ اسمه خالداً في ذاكرة الناس: لعازر أي الله المُعين. لقد حافظَ على نقاوة قلبه فلم يدع للحسد أو الغضبِ أو التذمّر مجالاً للتسرب إلى قلبه، بل إنتظرَ لعلَّ الغني يرأف بحالته ويُبادرَ إلى مساعدته. كان هناك إمكانية لحصول معجزة، إلا أن قسوة قلبِ الغني حرمتهُ من هذه النعمة. فالمعجزة الحقيقية، هي إمكانية توبة الإنسان واهتدائهِ. أن يتغيّر ويُعدّل طريقهُ فينظر بعين الرأفة والرحمة إلى الآخرين، ويعترفَ بتواضع أن ما ناله إنمّا هو للمُشاركة من أجل حياة إنسانية أفضلَ للجميع.

عندهم موسى والأنبياء، عندنا كلمة الله، عندنا تعليم الكنيسة الذي قدّموه أباء ومعلمون وشهدَوا من خلال تقدمة حياتهم لهذه الكلمة. عندهم قديسون عظام أضحوا منارة في طريقنا نحو الله. فلا ننتظر المُعجزات، ولا نعتمد على "أوهام" العرّافين، بل لنُنظّف آذاننا ونُهييء حياتنا ونوسّخ أيدينا بعمل الخير. ولنسعَ بما ما أُوتينا من إمكانياتٍ ومواهب لتغيير حياة الفقراء من حولنا، فخيرات الأرض هي للجميع، وإذا ما أعطينا الفقير فإنّما نُعيدُ إليه ما هو له.

إلهنا لا يُحرّم الغنى ولا يلعنهُ، ولا يقول: ان كل غني سيذهب حتماً إلى الجحيم. على العكس، فكلاهما الغني والفقير هما أبناء إبراهيم: يا ابتاه إبراهيم إرحمني ... تذكّر يا ابني ...، ولكن المُشكلة كانت أن هذا الغني لم يتصرّف بأموالهِ مثلما يجب أن يتصرّف كابنٍ حقيقي لإبراهيم. فأبنُ إبراهيم لا يحتاج إلى مُعجزاتٍ ليُؤمنَ، بل يحتاج إلى علاماتٍ، والفقير هو احدى العلامات التي يضعها الله في حياتنا لنؤمن ونتوبَ إليهِ. إبنُ إبراهيم هو إنسانٌ يتضامنُ مع الفقير والمحتاج والمعوَز، وكم لنا من شواهد في تاريخ الكنيسة لأبناء إبراهيم الأُصلاء، وكم لنا من شواهد اليوم أيضاً تُفرحنا بطواعية عملها الخيري تجاه الفقراء. إلهنا يفتح باب الملكوت للجميع شرطَ أن نعيشَ الأخوّة الفعلية من الآن، والأخوّة الحقيقية تتطلّب قلباً رحوماً كقلبِ الله أبينا. ولكن هذه الرحمة كانت تنقص الفريسيين الذين كانوا يُعلنون بافتخار: إنهم كملّوا كل ما تأمر به الشريعة، فصاروا معلمين لها.

فإذا وهبَ الله للإنسان من خيرات الأرض فعليه أن يشكرَه على هذه النعمة، وشكرهُ يتحقق واقعاً عندما يُشارِك الفقير فيما وهبهُ الله له. هذا ما علّمه الله للأباء في العهد القديم: أن يتركوا جزءً من الحصاد للمحتاج والفقير. وإذا صاموا فعليهم أن يكسروا خبزهم مع الجائع، فملكوت الله هو ملكوت المحبّة وثمرها عدالةٌ وسلامٌ. وإذا وُجدَ فقيرٌ وسُمِعَ صوتُ أنينهِ فهذا يعني أننا بعيدون عن أجواء ملكوتِ الله. 

لربما نقول: كم كان إبراهيم قاسياً ولم يُبالِ بتوسلاّت الغني، الذي لم يطلب منه سوى قطرة ماءٍ، ثم أن يُنبه إخوته إلى الحذر من الغنى وحياة اللامبالاة. رَفضَ إبراهيم توسلاًت الغني، الذي كان أولَ مَن رفض توسّلات الفقير. ولكن، علينا أن لا ننسى أيضاً أن إبراهيم يُؤكد أن رحمة الله تشمل الجميع، فيرسل لنا الأنبياء، بل الفقراء ليُنبهونا على أننا قادرون على أن نكسَبَ الحياة الأبدية، إذا عشنا على الأرض حياة المحبة والتضامُن مع الأكثر فقراً وحاجة. ربّنا يُعلّمنا أن نستخدم الغنى لا ليُبعدنا عن الناس ويخلقَ هوّة عظيمةً بيننا. ربّنا يعلّمنا ان نستخدم هذا الغني لنجعل منه أصدقاء لنا، وهذا ممكن بمحبتنا لهم، لا بمحبتنا لما نملِك. أكد إبراهيم للغني أنه حتّى وإن قام أحدهم من بين الأموات وذهبَ ليُنذرَ إخوته الخمسة، فلن يؤمنوا، وهذا صحيح اليوم ايضاً. لأننا جميعاً سمعنا هذه القصة منذ أن كُنّا نتهيأ للمناولة الأولى، ولكنها لم تُغيّر شيئاً في حياتنا، فما زلنا نتراكض خلف الغنى، وما زال المال يُفرّق حتّى بين الأخوة. 

 

الخامس من الصيف

قراءة 705 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *