المواعظ
الأحد, 30 تموز/يوليو 2017 14:15

الثاني من الصيف - محبّة الله، رحمةٌ تغفرُ وتُحيي

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الثاني من الصيف

محبّة الله، رحمةٌ تغفرُ وتُحيي (لوقا 15: 1- 32)

في خطوة جريئة، بل وقحة، طلبَ الأبن الصغير حصتهُ من الميراث، وكأنهُ يقول: أنت ميّتٌ بالنسبة لي. وفي موقفٍ مُحبٍ قدّمَ الأب للأبن الصغير الحصّة، وغادرَ الأبن بيتَ أبيهِ وهجرَ العائلة، ليعيش متغرباً في طيشٍ وعبثيةٍ وضياعٍ حتّى وصلَ إلى أن يكون راعياً للخنازير، وهي مهنةٌ وضيعةٌ لا يُمكن ليهودي أن يتصوّرها. ويقولُ ربّنا يسوع عنه: "وعادَ إلى نفسهِ"، وفي هذه العودة تذكّرَ متندماً كم أنه كان محبوباً ومُكرماً عندما كان في بيتِ أبيهِ، وكم ساءت أحوالهُ عندما قرر أن يواصِلَ حياتهُ من دونِ أبيهِ، ظناً منه أنه يعيش الحُرية. قصّة تصفُ حالة الإنسان مع الله، فهو إمّا أن يختفي خائفاً منه، أو يبتعِد متنكراً وجودهُ.

ربّنا يسوع، كلمة الله الأخيرة، محبتهُ المتجسدِة، كشفَ لنا في قصص الأمثال الثلاث عن ما يدورُ في قلبِ الله المحبّة، فهو ليس إلهاً يسعى إلى هلاكِ الخاطئ، وليس إلهاً منتقماً، بل ينتظرُ عودتهُ، وينطلقَ يبحث عنه، فيرسِلُ إليه إشاراتٍ وأُناساً يسألونهُ العودةِ، وفي عودتهِ فرحٌ عارمٌ للجميعِ. إلهنا محبة، والمحبة لا تُفكرُ بالسوءِ أبداً، بل تعتني بكلِ إنسانٍ حتّى وإن كان خاطئاً. إلهنا يُحب الخاطئ ولكنهُ لا يُحب الخطيئة. لم يسأل الأب إبنهُ كيف قضى حياتهُ، وكيف بعثرَ ثروتهُ، بل غفرَ له مُسبقاً، وهذا الغفران مهدّ له طريقَ العودةِ. فالعودةٌ إحتفالٌ وعُرس، ونحن مدعوون لأن نُصليّ من أجل خلاصِ النفوس، بل أننا مدعوون أيضاً إلى مُشاركةِ الله مهمّة البحث عن النفوس الخاطئة، ونفرحُ لعودتهِ، وهو تحدٍ آخر يوجهنا، مثلما كشفَ عنه الأبنُ الكبير.

فنحنُ ننتظرُ ونقبلُ محبّة الله التي تترحمُ علينا، وننزعِج مراراً عندما يتعلّق الأمرُ بالآخرين. ربّنا يسوع أرادَ في قصص الأمثال الثلاثة أن يحكي لنا عن محبّة الله أبيهِ، وهي محبّة مجانية، نعمةٌ وبسخاءٍ، عارفاً أننا مراراً ما نمتلِك صورةً مشوهةً عنها. إلهنا يعرِف أن الخطيئة هي ضياعٌ وموتٌ، مثلما أن التعاملُ مع الله وفقَ مبدأ الأجرِ والمُكافأة هو ضياعٌ عن محبتهِ الأبوية. لذا، فبشارة إنجيل اليوم هي: لنُصحِح هذه الأفكار المشوهة والمشاعر المريضة، وليكن لنا علاقةٌ صحيحةٌ مع الله ومع الآخرين، فننعَم بسلامِ القلب. فإن لم نُصحح أفكارنا عن الله وعن القريب، سيكون تديننا مبعثَ غضبٍ وحُزنٍ لنا، عوض أن يكون مصدر فرحٍ وإبتهاجٍ، بل دعوةُ إحتفال بعيد والاشتراك بوليمة محبة. 

إحتجاجُ الابن الكبير كشفَ لنا عن صورة مشوهة عن الله، إذ كان يعتقد أنه خادمٌ في بيتِ أبيهِ، وأن عليه أن يستحق وجوده في هذا البيت، فلم يؤمن بمجانية محبة الأب له، بل عاشَ وفقَ عقليةِ الخادم والسيّد متناسياً الأبوّة والبنوة. ظنَّ إنه عاملٌ بأجرةٍ ولم يقبل محبّة الآب المجّانية، فلم يكن له إستعدادٌ لقبول الآخرين إخوة وأخوات له: "ولما رَجِعَ إبنُكَ هذا"، متناسياً انه أخوهُ. غضبٌ كشف عن ضياع هذا الابن هو الآخر عن محبةَ أبيهِ، فما كان من الأب إلاّ أن يُعيده إلى حياة المحبة، فخاطبهُ يا بُني وليس أيها الخادم أو أيها الأجير، فنحن لا نتعامل في هذا البيت كأجراء أو عمال بعقود بل كأننا متساوين نتقاسم كل ما نملكُ. هذا هو إلهنا الذي بشّرنا به ربّنا يسوع، والذي يدعونا إلى أن نؤمن به. إنه إلهٌ يُحبُّ بمجانية وينظرُ إلى إبنه بعيون المحبة فيقبلهُ مع خطاياه ليتغيّر، لأن المحبّة تُغيّر وتلينُ قساوة القلبِ.

أمام موقف إبنيهِ خرجَ الأبُ ليمنحَ لهم محبتهُ، فأنعمَ بالقبولِ إبناً مُكرماً لأبنهِ الأصغرِ فاستقبلهُ فرحاً وأعدَّ له عُرساً، وتحمّل غضبَ إبنه الأكبر وعلّمه معنى محبّة الأب، فغفرَ لهما معاً سوءَ علاقتهما بهِ. خرجَ الابن الصغير من البيتِ حزيناً راغباً في الحُرية والإبتعاد عن "سلطةِ" ابيهِ، ومكثَ الأبن الأكبر في البيت حزيناً على أنه إبنٌ لأبٍ مثلَ أبيهِ. كلاهما كانا يشعران بعدم الراحة في البيت، ولم يعرفا: مَن هو الأب وأيُّ محبةٍ يكنّها لهما، فهربَ الأصغر مستاءً وبقيَّ الكبر خوفاً وضجراً. ولأن ربّنا يسوع المسيح أرادَ أن يُبرِزَ محبّة الأب للجميع، أعلنَ بُشراه السارة: الله الآب يفرح بالإنسان القريب منهُ، حتّى لو أخطأ الإنسان، أو تعبّد له مُكرهاً، فالله بمحبتهِ القديرة قادرٌ على أن يجذبهُ له في الوقت الذي يُريدهُ هو. محبة الله وأمانتهِ هي التي تمنعُ الإنسان من الموت بسبب خطاياهُ.

إنجيل اليوم هو إنجيلُ التوبة، وهو يدعونا أولاً إلى تصحيح مفاهيمنا عن الله، الله المحبة والرحمة. هذه الصورة ستحدد طبيعة علاقتنا به وعلاقتنا بالناس من حولنا. إلهنا ينتظرنا لنُجدد بناء علاقتنا به، علاقة أبٍ بأبنائهِ، من خلال بناء علاقة أخوّة مع مَن نتقاسم معهم الحياة، فإذا تذكرنا أن لنا إخوة، سنؤمن بأبوّة الله، الذي وهبَ لنا جميعاً الحياة بمحبة مجانية، وينتظرنا أن نُبادلهُ هذه المحبة بمجانية أيضاً، إذ لا نفعَ من إيمانٍ خالٍ من المحبة لله وللقريب. وعندما يعُصبُ علينا تجديد هذه الصورة تأتينا البُشرى السارة: الله نفسه عزم على رسمِ صورتهِ فينا بيسوع المسيح: الكلمة صارَ جسداً وحلَّ بيننا، ليُبشرنا بأبوّة الله المُحبة. أبوة فيها فيضٌ من محبة مجّانية مثلما يُقدمها الأب لأبنهِ البكر ويُعيدها إلى الأبن الأصغر، من دون أن يُعاتبهُ.

بشارة ربّنا اليوم لنا هي أن إلهنا هو محبةٌ لا متناهية، وهذه المحبّة تجعلهُ جوالاً يبحث عن الإنسانِ ليُعيده إلى ذاتهِ، وفي عودتهِ فرحةٌ كبيرة. بشارة اليوم دعوة لنا لنُشارِكَ الله بحثهُ هذا، فنُصلي لتوبةِ الخاطئين وعودتهم، وهذه الصلاة لن تُرتفعَ بصدقٍ إلا من قلبٍ أحسَّ ببعدهِ عن الله، واختبرَ نعمةَ العودة، فيُصلي ليعودَ الجميعُ إلى رعيّة الله الآب الحنون. 

 

 

قراءة 192 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *