المواعظ
الأحد, 23 تموز/يوليو 2017 14:10

الأحد الأول من الصيف - الرحمة والتواضع مطلبٌ أساسي للملكوت

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الأول من الصيف

الرحمة والتواضع مطلبٌ أساسي للملكوت (لوقا 14: 1- 14)

الرحمة والتواضع مطلبان أساسيان للدخول في ملكوت الله الذي بشّرنا به ربّنا يسوع المسيح.

فالرحمة تصلُ قلبَ الله لأنه محبّة، والتواضع يجعل الحياة كلّها مسكناً له، وتقدمنا ربّنا يسوع على هذا الطريق، فكان رحوماً ومتواضعاً. رحوما عندما حرر الإنسان من أسره الروحي والجسدي فشفاه وأطلقهُ مُعافى. لقد دخل بيتَ أحد رؤساء الفريسيين ليدعوه إلى أن يقبلَ ملكوـت الله، فوجدهُ أسيرَ "تدينهِ"، فشفى المريض ودعى الفريسي ليقبلَ نعمةَ الشفاء من أمراضهِ الروحية ويرتاح في يومِ السبتِ، يوم راحةِ الله. فيوم السبت ليس يومَ "بطالةٍ" تامّة، بل هو يومٌ نُقدِمُ فيه المجدَ لله.

حافظَ ربّنا على قُدسية السبتِ فجعلهُ إحتفالية لقاءِ الله "الطيّب" بالإنسان المُهان. هذا اللقاء هو لقاء شُكر، ولنا ان نتخيّل اليوم مشاعرَ الشُكر التي عاشها المرضى وهم يُشفونَ يومَ السبتِ، يوم راحةِ الله، لأنهم شعروا أن الله قريبٌ منهم بيسوع المسيح، المُحِب والرحوم، وهذا ما لم يفهمهُ الفريسيونَ الذين طلبوا تطبيقَ قانونَ يوم السبت متناسين الإنسان الذي أحبهُ الله وخلقهُ على صورتهِ ومثالهِ. فإذا أرادَ الله أن يحمي الإنسان من عبودية العمل ليقفَ أمامهُ حُراً مُعافى من أسرِ الإدمان على العمل، وهذا لأنه أحبّه، فكيف يُمكن لربّنا يسوع أن يتركَ الإنسان أسيرَ المرضَ؟ "السبت للإنسان وليس الإنسان للسبت" (مر 2: 27).

يجتهِد الإنسان في حياتهِ ليكون الأول، وهو طموحٌ مشروعٌ، ولكنه، ولأجل أن يكون الأول، يتصارعُ مع أخيه الإنسان، ويُديم سلطان الشّر والخطيئة. ربّنا يسوع لم يُلغِ هذا الطموح في أن يكون الإنسان "الأول"، بل غيّر المسيرة، وجعل التواضعُ وخدمَة الآخر الطريق لتحقيق هذا الطموح. فالإنسان المتواضِع يعرِف نفسهُ جيّداً، وهو واعٍ لما أنعمَ به الله عليهِ من مواهبَ، وهو صادقٌ مع ذاتهِ يعترِف بخطاياهُ، مؤمناً برحمةِ الله التي تقبلهُ وتهبُ له الفرصة تلو الأخرى ليشهدَ لخلاصِ الله، فيسعى ليعيش حياة الله على الأرض، ويجعل حاجات القريب أولاً ويجتهدِ ليُتمّها ليكونَ القريبُ سعيداً. لا يبحثُ في ذلكِ عن مديحٍ أو إطراءٍ أو مكافأة، بل يشهدُ لمحبّة الله التي خلّصتهُ وجعلتهُ معافى من كل مرضٍ، لاسيما الأمراض الروحية.

المتواضِع، إنسانٌ ينسى ذاتهُ ويفتكِر بالله وبالقريب، ويرغب في أن يهبَ له الأماكن الأولى حيث تكون الخدمةُ مميزة. هكذا يتميّز المسيحي في مواقفهِ، فهو إبن ملكوت الله فيعيشَ، على مثال ربّنا يسوع المسيح، المحبّة بمجانية وسخاءٍ، ويختبِر الجميع حياة الأخوّة. ويتعامَل بالرحمة معه، والرحمة تصل قلبَ الله، ومطمح الإنسان هو أن يكون مع الله الآب، وأن يهِبَ لله "المكانة الأولى" في حياتهِ، ولا "يغتصِب" مكانة الله فيدينَ الآخرين إنطلاقاً من تدينهِ.

يُعلّمنا آباؤنا الروحيون، أن الشيطان قادرٌ على محاربة الإنسان في كل الفضائل، إلا التواضع، فهذه الفضيلة مُستحيلة عليه. هو قادرٌ أن يكون مُحباً وصادقاً ونزيهاً وأميناً بحثاً عن مجدٍ شخصي، والحال، أن المتواضع لا يبحث عن مجدهِ، بل عن مجدِ الله والقريب. يُحكى عن راهبٍ تقيّ جرَّبه شيطانُ الكبرياء. فصلّى إلى الله طالباً العون، فمدّه بطريقة بطريقة ذكية لمحاربة الشيطان، إذ كتبَ على جدار قلاّيتهِ العبارات الآتية: محبة الله، التواضع، القداسة، الطهارة، الفرح ... فكان كلّما جرّبه الشيطان، يلتفت إلى الجدار ويقول لنفسه: تعالي نفحصُ الحقيقة: هل تُحبين الله حقاً؟ هل تسيرين في طريق القداسة؟ هل كان فرحُك حقيقياً اليوم؟ ... ويختُم: يا نفسي إنك بعيدة من هذه كلّها، وهكذا، كان مراقباً على قلبهِ وحياتهِ، منفتحاً لعملِ الروح القدس فيه، ليكون دوماً مثلما يُريدهُ الله أن يكون: إنسان الحقيقةَ.

العلاقة الحقيقية مع الله تُعرّفنا بخطايانا وبحاجتنا الكبيرة إليه، وتجعلنا رُحماء مثلهُ. وكل تديّن يدفعنا إلى إنتقاد الآخرين والحكمِ عليهم، هو تدين خالٍ من الله، لهذا علينا أن نحذر منه، لأن هذا التدين يدفعنا إلى الجلوس في مكان الله، والحكم على الناس، والبحث وعن المجد الشخصي. تدينا وتقوانا يُصبح رياءً، وأفعال الخير والإحسان التي نقوم بها تصبح سبباً دينونتنا. ربّنا يُعلّمنا أن السلام سيغيبُ عن قلبِ الإنسان الذي يبحث عن المكانة الأولى وعن التميّز ومديح الناس وإطراءهم. أما مَن يبحث عن مجد الآخرين ومنفعتهم، فهذا هو إنسانُ السلامُ لأنه يسكنُ في الله، الذي تركَ مكانتهُ ونزلَ ليخدُم الإنسان.

تعليمُ ربّنا يسوع هذا لم يكن لأنه حصلَ على حكمةٍ بشرية متميزة، بل لأنه الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، ثالوثٌ يبحثُ فيه كل أقنومٍ عن مجدِ الآخر لا مجدهِ هو. هو يُعلّم ويُعرف الإنسان بحياة الثالوث الأقدس، والأهم يُريد من كنيستهِ أن تعيش حياة الثالوث هذه، والتي فيها يُمجدُ الآب الابنَ، ويُمجدُ الابنُ الآب، ويُمجد الفارقليط الابن، وهكذا لا يُمكن للحسد أن يدخل في مثل هذه الكنيسة.  

الإنسان الذي يُعطي الله المكانةَ الأولى في حياتهِ سيكون لطيفاً وحليماً، ويتنازل بفرحٍ من أجل خير الآخرين، ولن يكون عنيداً أو خشنا ًفي تعاملهِ معهم، ولن يسعى إلى التسلّط عليهم، وسيرحمهم ويُصلي من أجلهِم إذا أخطأوؤا المسيرة، لأنه يعرِف أنه محبوب من قِبل الله الذي رحمهُ وغفرَ له، بل صارَ قُرباناً ليكون في خدمةِ الإنسان.

درسُ اليوم هو: أن يكون الله الأول والأهم في حياتنا، فنكونَ رُحماء مع أنفسنا ونخلّصها من همومها وقلقها، وأن نكون متواضعين ونعمل الخير لا ليرانا الناس ويتحدثون عنا، بل لأنه خيرٌ وهو يُرضي قلب الله الطيّب.

 

الاول من الصيف 

قراءة 184 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *