المواعظ
الأحد, 02 تموز/يوليو 2017 13:53

الأحد الخامس من الرسل - لا كرامة للإنسان إلاَّ مع الله

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الخامس من الرسل

لا كرامة للإنسان إلاَّ مع الله (لو 12: 13- 21)

ظنّ الغني الغبي أنه قادرٌ على إدارة حياتهِ مثلما يشاء، ويمكنه أن يُقرر مُستقبلهُ مُتعلّقاً (مُلتصقاً) بأملاكهِ ومتوهماً أنه ليس بحاجةٍ إلى القريب، مثلما ليس بحاجةٍ إلى الله. هو "جاهل" لأنه إعتقدَ أن لا وجودَ لله: "قال الجاهل في قلبه: "ليس إله" (مز 14: 1)، وجهلهُ وصلَ به إلى مرحلة ظنَّ فيها أن بإمكانهِ أن يضع ثقتهُ (أمنهُ) بما جمعه من أموالٍ ويتنعمَّ بها وكأنَّ هذه الأموال كفيلةٌ بأن تؤمّن له حياة هانئة ولسنواتٍ طويلةٍ. فقالَ عنهُ ربّنا يسوع: "إنهُ جاهلٌ"، لأن قلبهُ كان متعلّقاً بما لهُ وليس بالله. 

كما وتناسّى الجاهلُ أيضاً أن الحياة أعطيتَ لنا هبةً (عطيّة) نُعيدها إلى الخالِق واهبها، لذا، ذكّرهُ الله قائلاً: "يا غبي، في هذه الليلة تُستردُّ نفسك منك"، وعبارة "تُسترد" تشير إلى أن أحدهم جاءَ ليطلبَ ما هو له. فما أُعطي له كان "إعارة وقرضاً" وجبَ أن يُعيده في الوقت الذي يشاءُ المُعطي أن يستردهُ. لقد فكّرَ في أن يوسّع مخازِنَ الحبوب، وتناسى أن يخزنُ له في الله وفي قلوبِ الناس من حولهِ المحبّة التي تُنقذهُ من عبودية الذات، وتجعلهُ ينامُ الليل مُطمئنَ البال، لأنه آمنٌ في راحةِ الله.

عالمنا الإنساني وتاريخهُ يشهدُ لحقيقةِ أنه كلّما أفتخرَ الإنسان بقدرتهِ على العيش من دون الله، كلمّا زادت شرورهِ وأفسدَ الأرض وأهانَ القريب سواء أكانَ ذلكَ بإرادتِه أم بغير إرادتهِ. فالغني، وكلُّ إنسان، يتعلقُ بالهبةِ وينسى الواهِب، عاشَ ظلمةَ العقل والقلب عندما ظنَّ أنه قادرٌ على العيش والإستمتاع بالحياة من دون الله، ومن دون مُشاركة الآخرين، فلم يظهرَ من القصّة أن له أصدقاء يستشيرهم أو يستأنس بإرائهم. كان غنياً مع أموالهِ ومع نفسهُ وفقيراً بالله، فصارَ جشعاً وجعلَ من ذاتهِ معبودًا يُقرّبَ لها القرابين، فلم يرى الله في حياتهِ. وعندما يصبحُ الإنسان جشعاً سيتصرف بخبثٍ ويُعادي أقرب الناس إليه، ويتراكض خلفَ المال ليجمعَّ المزيد وسيكذبُ ويحتال ويسلكُ بمكرٍ مع الآخرين، حتّى مع نفسهِ، ولا يُوقفهُ شيءٌ من أجل تحقيق المزيد من المكاسب، حتّى لو أُضطرَ لقتل الآخرين.

إلهنا، وبتدبيره الأبوي المُحِب، ينعِم على جميع الناس بالمواهب، ولا يوجد على الأرض من يخلو منها، حتّى الفقير والمعدوم له موهبةُ نشكرُ الله عليها، فالفقير قادرٌ على أن يُخرِجَ كل ما هو طيّبٌ وحسنٌ ومُباركَ من حياتنا بفعل الإحسان المُحِب الذي نُقدمهُ له. كما وبيّن ربّنا يسوع المسيح أن الخطيئة ليست في جمعِ الأموال، بل في السبب الذي من أجلهُ تُجمَع هذه الأموال؟ في الاستخدام الأناني للمال؟ في الإستخدامِ السيءِ له؟ فالغنى بركة من الله وهو الذي أنعمَ به على كثيرين مثل إبراهيم (تك 13: 2)، وإسحق (تك 26: 13)، وأيوب (42: 12)، وداود (1 أخ 29: 28)، وسليمان (1 مل 3: 13)، لكنهم لم ينسوا مَن أعطاهم هذه البركة: الله، في حين أن الغني في المثلِ الوارد في الانجيل تناسى الله، وهذه كانت خطيئة هذا الجاهل وتعلّق قلبهُ بأمواله فأضحى جشعاً. عندما يتعلّق الإنسان بالموهبةِ وينسى الواهِب، عندما يُعلِنَ صريحاً رفضهُ لله، وإيمانهُ بنفسهِ، والحياة كلّها متوقفةٌ على الإجابة على هذا السؤال: "أتؤمِن بالله"؟ أرني ذلك في شهادة الحياة!

طلبَ الأسكندر المقدوني الذي سيطرَّ بجبوشهِ على أراضٍ شاسعةٍ في العالم، أن يحملَ نعشَهُ أطباؤه، وأن تُنثرَ امامِ نعشهِ قطعٌ ذهبيةٌ، وأن تبقى يداه مفتوحتانِ خارج التابوتِ. فسألوه عن معنى هذه الطقوس؟

فقال: ليعرفَ الناس إنه مهما حاولنا تجنّبَ الموت، فهو آتٍ لا محالةَ، ولن يُوقفهُ أشهر الأطباءِ، وأن ما جمعناه من مالٍ هباءٌ منثورٌ، وإننا ندخل الحياة ونخرجُ منها فارغ اليدين.

علّمنا ربنا يسوع أن محبّة الله الآب تتغلّب على الموت، هذه المحبّة أعطت لنا الكرامةّ عندما خلقنا على صورتهِ ومثالهِ، نُحِبَ ونُبارِك. فصرنا قادرونُ بنعمة الله على أن نملءَ أيدينا من بركات محبّة الفقراء والمعوزين الذين نتقاسم معهم خيرات الأرض وما أُعطينا من مواهبَ، والتي ستهبُ لنا المُشاركة في الفرح السماوي.

ربّنا يسوع يُعلّمنا أن المالَ والغنى أُعطي لنا ليكونَ وسيلة نُسعِد بها حياة الفقراء والتعساء من حولنا، وسنة الرحمة فرصة لنا لنُعبّر عن إيماننا وأن قلوبنا آمنةٌ بالله وبمحبتهِ. فلنوسّع قلوبنا لتحتضِنَ إحتياجاتهم، ونملء أهراءَنا من صلاة المساكين ودعاء الفقراء لنا، فيكون الله كنزنا الأوحد.

ربنا يسوع يدعونا اليوم إلى الإيمان بالله الآب، فالإنشغال (المهموم) بالمال أو بتحقيق الإنجازات علامة على نقص في الإيمان وقلّة الثقة بالله الآب. ربنا يسوع يدعونا إلى التأمل في الطبية التي من حولنا فهي تُنشدُ تدبير الله ومحبتهِ، فإن كان الله مُحباً مع الطيور والنباتات، أفلا يعتني بمُحبيهِ؟

الجواب على هذا السؤال سيُحدد مسارَ حياتنا! 

 

الخامس من الرسل

قراءة 152 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *