المواعظ
الأحد, 25 حزيران/يونيو 2017 13:40

الأحد الرابع من الرُسل - أختيار الرسل الإثني عشر

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الرابع من الرُسل

أختيار الرسل الإثني عشر (لوقا 6: 12- 26)

صعِدَ ربّنا يسوع الجبل ليُصلّي إلى الله الآب، وبعد أن قضّى الليل كلّه في الصلاّة دعا جماعة التلاميذ ليصعدوا الجبل فأختارَ منهم إثنا عشرَ تلميذا وسمّأهم رُسلاً. اختيار التلاميذ إذاً جاء بعد صلاةٍ طويلة إلى الله، هم ولدوا في صلاة يسوع، اي، ثمرةُ حوارٍ عميقٍ مع الله الآب. دعوتهم ليست دعوة من الأبن فحسب، بل دعوة الله الآب الذي اختارهم ليُواصلوا الرسالة التي بدأها ربّنا يسوع المسيح. بعدَ أن تعلّموا منه لأنهم بقوا معهُ وعرِفوا أن ربّنا يسوع أتى ليُتِّمَ ما بدأهُ الله مع الإنسان، فلم يُقدِم تعليماً، بل جاء ليعيشَ هذا التعليم في شهادة حياتهِ.

إستجاب الرُسل لدعوتهِ هذه، وكرّسوا له حياتهم كلّها. تبعوه حيثما سارَ وتقاسموا معهُ خبرات الحياة بما حملتهُ من صعوبات. بعد أن كانوا يشتغلون لينالوا لقمة العيش، سمعوا النداء الذي دعاهم ليتخلّوا عن كلَّ شيءٍ ويعرضوا حياتهم للجوع والرفض والإذلال والحرمان ليكونوا مع ربّنا يسوع المسيح، مع الله الآب. فمن أجل يسوع هم فقراء وجائعونَ وحزانى ومُضطهَدونَ. لذا، نالوا التهنئة (التطويبة) لأنهم أطاعوا المسيح من دون أن يطلبوا ضمانات دنيوية ومن دون أي محاولة للتوافق أو التكيّف مع ما يُريده العالم. هم كلياً للمسيح يسوع من دون رجعةٍ أو إنقسامٍ.

ما يُميّز جماعة التلاميذ إذاً هو "فعل الطاعة" الذي جعلهم يلتصقونَ بالمسيح يسوع، والذي وهبَ لهم نعمة أن ينظروا إلى العالم ملثما ينظر يسوع. هم مساكين وفقراء مثل معلّمهم، ليس لهم موضعٌ ليستريحوا وتركوا من أجل المسيح كلَّ شيءٍ، حتى حقوقهم الشخصية. هم يتأملون أفراح العالم الزائلة ويحزنون لأجل الناس الذين يتصارعونَ على تفاهات الخيرات الأرضية، ويقتلون بعضهم بعضاً متناسين ومتنكرين الحقيقة الأسمى: "ملكوت الله": "إطلبوا ملكوته، وهذه كلّها تزاد لكم" (لو 12: 30- 31). هم ينظرون إلى العالم الخاطئ ويشعرون بالحزنِ لأجلِ العالم. قلبهم يتوجّع من "تنكّر" العالم لله، لأنهم يُحبونَ العالم، ومحبتهم ليست تعلّقاً بالعالم، بل "شفقة الأم" التي تلحظ ضياع إبنها، فتتمنّى الضياع بدلاً عنه ليبقَ إبنها سعيداً، هكذا يعيشون الرحمّة التي نالوها نعمةً من الله الذي تجسّدَ وتحمّل الألم والصليب والموت من أجلهم، لينالوا هم غفران الخطايا والكرامة والمجد.

جماعة التلاميذ جماعة وديعة تحيّا من أجل المسيح ولا تبحث عن مديح شخصي أو امتيازاتٍ أو كراماتٍ خاصّة. جماعة تتحمّلُ الألم والصعوبات، بل العنفَ والإضطهاد والرفضَ من أجل المسيح يسوع من دون أن يتباكوا على ظلمِ الناس لهم ولا يسعون للإنتقام، مؤمنونَ أنهم آمنونَ في الله الآب الذي سينال لهم حقوقهم، وسيهبُّ لهم الله الأرض كلهّا، فهاهم يُذكرونَ مُطوبين على مذابح الكنائس في العالم كلّه، بدءً من الرسول بولس، الذي كتبَ: "يُضَيَّقُ علَينا مِن كُلِّ جِهَةٍ ولا نُحَطَّم، نَقَعُ في المآزِقِ ولا نَعجِزُ عنِ الخُروج مِنها، نُطارَدُ ولا نُدرَك، نُصرَعُ ولا نَهلِك، نَحمِلُ في أَجسادِنا كُلَّ حِينٍ مَوتَ المسيح لِتَظهَرَ في أَجسادِنا حَياةُ المسيحِ أَيضاً. فإِنَّنا نَحنُ الأَحياءَ نُسلَمُ في كُلِّ حينٍ إلى المَوتِ مِن أَجلِ يسوع لِتَظهَرَ في أَجسادِنا الفانِيَةِ حَياةُ يسوعَ أَيضًا" (2 كور 4: 8- 11)، ووصولاً إلى تلاميذ ورُسل كثيرين يعيشون اليوم الشهادة للمسيح بأصدَق صورها. فالقديسون هم المفسرون الحقيقيون للكتاب المُقدس مثلما يقول البابا بندكتُس السادس عشر، لأنهم عاشوا الكلمة حتّى في ساعات الضعف.

اليوم، نحن مدعوون منذ عماذنا، كلُّ بإسمهِ على مثال التلاميذ لنكونَ رُسلَ المسيح يسوع، فعلينا أن نستجيبَ لهذه الدعوّة في تلمذة صادقة وأمينة خلف ربنا يسوع، والشهادة لهذا الاختيار في كل جوانب حياتنا. فلا يوجد وقتُ فيه يُمكن التخلّي أو التنازُل عن اختيارنا هذا، حتّى في ساعات الخطيئة التي فيها نحبُس فاعلية الروح القُدس فينا.

اليوم نحن مدعوون لأن نرفض حضارة التملُك والشهرة وتمجيد الأنا (الأنانية) التي تغزو عالمنا وتدمّر علاقاتنا الإنسانية مع الآخرين، ونشهدَ لحضارة محبّة الآخر التي تُخلِّص الأنانية من أمراضها، وتنفتح لفعلِ الروح القُدس.

اليوم، نحن مدعوون لأن نكون متميّزين ومتمايزين عن سلوكيات العالم الذي يرفض التمايُز ويُريد أن يرتدي الجميع الثياب التي يختارها لهم، لاسيما ثياب التنكّر لله والتشبهُ بالعالم. نحن نُطالِب أبنائنا ليجتهدوا ليكونوا ذا شأنٍ عظيمٍ في المُستقبل، ولا نُفكِر في حثهِم ليكونوا رُسلَ المسيح، ليكونوا قديسين.

صلاتنا اليوم إلى يسوع ليحمِل بيوتنا وعوائلنا وأبنائنا في صلاته إلى الله الآب، ويُقدسها بحضورِهِ الشافي، ويجعل منها هياكل مُقدسةِ. 

قراءة 86 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 08 آب/أغسطس 2017 13:53

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *