المواعظ
الثلاثاء, 27 حزيران/يونيو 2017 16:02

عظة إحتفالية تتويج العذراء - "تُعظم نفسي الرّب ... سوف تُهنئني جمع الأجيال"

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

عظة إحتفالية تتويج العذراء

"تُعظم نفسي الرّب ... سوف تُهنئني جمع الأجيال"

غمرَّ الروح القُدس إليصابات فصرخت: "مُبارَكَةٌ أَنتِ في النِّساء! وَمُبارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطنِكِ! مِن أَينَ لي أَن تَأتِيَني أُمُّ رَبِّي؟ فما إِن وَقَعَ صَوتُ سَلامِكِ في أُذُنَيَّ حتَّى ارتَكَضَ الجَنينُ إبتِهاجاً في بَطْني فَطوبى لِمَن آمَنَت: فسَيَتِمُّ ما بَلَغها مِن عِندِ الرَّبّ" (لو 1: 42- 45)، كانت إليصابات أولَ مَن هنّأ أمنا مريم بعد تهنئة الملاك لها في البشارة: "إفَرحي، أَيَّتُها الـمُمتَلِئَةُ نِعْمَةً، الرَّبُّ مَعَكِ" (لو 1: 28). إكرامنا اليوم لأمنّا مريم ليس إذاً إلاّ إستجابةٌ لطلّب الروح القُدس الذي ألهمَّ إليصابات وأمنّا مريم التي أنشدت: "تُعَظِّمُ الرَّبَّ نَفْسي وتَبتَهِجُ روحي بِاللهِ مُخَلِّصي لأَنَّه نَظَرَ إِلى أَمَتِه الوَضيعة. سَوفَ تُهَنِّئُني بَعدَ اليَومِ جَميعُ الأَجيال" (لو 1: 46- 48).

فعندما نُكرِمُ أمنّا مريم فهذا لن ينتقص من عبادتنا لله الآب الذي صالحنا بإبنهِ يسوع المسيح. هذا الخلاص هو لكلِّ مَن يؤمِن به. إليصابات تعترِف أولاً بأن مريم آمنَت "فَطوبى لِمَن آمَنَت: فسَيَتِمُّ ما بَلَغها مِن عِندِ الرَّبّ"، "والبار بالإيمان يحيا" (روم 1: 17). ومريمٌ نفسها تعترِفَ وهي تختبرُ نعمةَ الله بوفرةٍ؛ أن الله القدير هو الذي بادرَ وإختارَ وقدّس لأنه محبّة و"رحمتهُ من جيلٍ إلى جيلِ لخائفيهِ" (لو 1: 49). فتهنئتُنا لأمنّا مربم تتجاوب مع ما يُلهمهُ الروح القُدس مثلما أوحاهُ لنا في الكتاب المُقدس. فإذا حسُنَ لله الآب ذلك، أن يُكرِمَ قديسيه الذين كشفوا لنا عن عظيمِ محبة الله ورحمتهِ وطيبِ محبتهِ وجمالها، وسمحوا للروح القُدس أن يصنع فيهم ومن خلالهم المعجزات، وأولّها كانت: إهتدائهم وتوبتهم له، فأرضوهُ على الأرض، فمَن نحن حتّى نعترِضَ على إرادةِ إلهنا الذي تجسّد ليُشاركنا الحياة، ما عدا الخطيئة، حتّى نُشاركهُ الكرامةَ والإكرام؟

إيمان أمنّا مريم والذي يعني طاعتها وإستسلامها التام لإرادة الله وإستعدادها للسير في الطريق الذي اختاره الله لها مُصلية وخادمةٍ بصمتٍ من دونِ تأجيلٍ أو إبطاءٍ، هو الذي أهلّها لتنال تهنئة الأجيال وتهنئتنا اليوم. إيمانها بأن الله القدير على أن يُغيّر وجه الأرض إن آمنَ الإنسان بمحبةِ الله ورحمتهِ فإلتفتَ بعين الرحمة على أخيه الإنسان وتغلّبَ على الأنانية والعنف والخطيئة التي تجبرّه إلى ذاتهِ بعيداً عن إخوتهِ المحتاجين. لذا، نذكر في قانون إيماننا إسمان فقط، مريم العذراء التي قبلِت كلمة الله بإيمان من دون تحفظاتٍ فولدتَ ربّنا يسوع المسيح فصارَ لنا فيه الخلاص، وبيلاطس البنطي الذي تنكّر لكلمة الله وأسلمَ ربّنا يسوع للموت، لتُذكرنا أمنّا الكنيسة دوماً، أننا مدعوون لأن نُقدِم للعالم كلمة الخلاص، أو إننا مجربونَ في التنكر لها، فنُسلِم دماً بريئاً.

"أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ" (لو 1: 38)، هذه كانت إستجابةٌ أمنا مريم لاختيار الله لها ودعوتهِ، فلقد ولِدَت هي أولاً بكلمة الله التي حلّت عليها بالروح القدس، لتحيّا بالله، وكرَّستَ حياتها بكليّتها له، فصارتَ منزلاً له على الأرض، وجعلت تجسدهُ حقيقةً وحضورهُ ممكنا، وفتحت لنا طريق القداسة وهي تدعونا لنسلكهُ تلاميذ أمناء لأبنها يسوع المسيح لأنها لا تُريد أن تحتفِظ بالإكرام لها، بل هي التي تُشير دوماً إلى إبنها، ربّنا يسوع المسيح: "مَهما قالَ لَكم فافعَلوه" (يو 2: 5). إلهنا عزِمَ أن يُكرِمَ أمنا مريم بلسان اليصابات، وهو عازمٌ لأن يُكرِمَ كلَّ مَن يقتدي بها، ليكونَ مكرماً في كلَّ الكنائس، إن عَرِفَ أن يُعطي بسخاء مريم: "الحَقَّ أَقولُ لكم:حَيثُما تُعلَنِ البِشارَةُ في العالَمِ كُلِّه، يُحَدَّثْ أَيضاً بِما صَنَعت هذه، إِحْياءً لِذِكْرِها" (مر 14: 9).

إيمان أمنّا مريم إستحقَ لها إكرامنا اليوم في أن تتوّجَ ملكة الكون. هذا الإكرام يُشجعنا للمُضي قُدماً في تقدمة حياتنا نحن أيضاً في فعل عطاء كلّي لله وللقريب. ففي حياة أمنا مريم إستباقٌ لمسيرة حياة كل مَن يؤمِن بالله، وإتمامٌ لما وعدَّ به ربّنا يسوع تلاميذهُ: "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: مَن آمَنَ بي يَعمَلُ هو أَيضاً الأَعمالَ الَّتي أَعمَلُها أَنا بل يَعمَلُ أَعظَمَ مِنها" (يو 14: 12). أمنا مريم، وعلى حدّ تعبير البابا بندكتُس السادس عشر، هي الخليقة التي، وبشكل فريد، فَتَحتْ البابَ كاملا لخالقها، ووضعت ذاتها بين يديه، بدون حدود. فهي تحيَّا تماما بـ  وفي العلاقة مع الرب؛ في موقف من الإصغاء، منتبهة لالتقاط إشارات الله في مسيرة شعبه؛ إنها متجذرة في قصة إيمان وفي رجاء في عهود الله، الذي يشكل نسيج كيانها. إنها تستسلم بحرية للكلمة التي استقبلتها، وللإرادة الإلهية في طاعة الإيمان.

فيا أمنّا مريم،

يأمَن أخترتي أن تكوني خادمة للربَّ، حافظةً كلامهُ ومتأملةً فيه.

وبحثتِ عنه بإجتهادٍ لتكوني دوماً بقُربه فلا يتيهَ عن ناظريكِ.

وأشرتي إلى الخدِمَ ليفعلوا كلَّ ما يأمرهُ إبنُك، ربّنا يسوع المسيح.

وكنتِ معه في طريقَ الألمِ ووقفت إلى جانب الصليب، وقبلتي جسدهُ مؤمنةً بتدبير الله الخلاصي، وكنتِ مع الرُسل، الخادمة المُصلية.

صلَّ من أجلنا، لنفتَح قلوبنا لله، ولنُسرِع في إتمامِ مشيئتهِ، ويكون هو طريقنا الحق للحياة، فلا نتيهَ عنهُ في أفراحٍ زائفةٍ، بل ليملء سلامهُ قلوبنا الفارغة، ويملُكَ ربناّ أوحد. آمين. 

قراءة 209 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *