المواعظ
الأحد, 18 حزيران/يونيو 2017 15:57

الأحد الثالث من الرُسل - محبّة الله ومحبّة القريب

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الثالث من الرُسل

محبّة الله ومحبّة القريب (لو 10: 23- 43)

علّم ربنا يسوع التلاميذ والجموع قائلاً: "ما جئتُ لأُبطلَ الشريعة أو ألأنبياء، ما جئتُ لأبطِلَ، بل لأُكمِل" (متّى 5: 17). ربّنا يسوع هو إتمامُ الشريعة وإكمالها، بل هو "شريعة حيّة". عندما سألهُ عالمُ الشريعة عن "أهم الوصايا" يعني السؤال عن: "خلاصة الشريعة والأنبياء"، أجاب ربّنا يسوع قائلاً: "محبّة الله ومحبّة القريب". أن تعرِف الله وتُحبهُ بشكل حقيقي وهذا يقودنا إلى التعرّف على القريب ومحبتهُ أيضاً. لا يُمكن الفصل ما بين هاتين الحقيقتين. فالمحبّة المسيحية ليست نظرية أو تعاليم، بل حياةٌ نشهَد من خلالها أنه لا يوجد في حياتنا آلهةٌ نُكرمُها ونعبدها غير إله ربّنا يسوع المسيح، نُحبهُ ونريد أن يُحبهُ العالَم. وإننا نُحبُّ القريب محبّةً عملية فنصغي إليه ونتعرّف على حاجاتهِ ونستجيب لها قدرَ طاقتنا، والأهم أنها تمنحنا فرصة أن نكون له مسيحاً آخر لهم. تجعل قلوبنا تُعطي أفضلَ ما لديها من طيبة وإحسان وألفةٍ ومودّة  فيغدو الضحية هو المُحسِن إلينا وليس العكس.

المحبّة المسيحية مواقف إنسانية مسؤولة ومُكلِفةَ وتتطلّب الكثير من الوقت والجهد، بل تضحياتٌ تُجبرنا على تغيير قائمة أولوياتنا في الحياة، وتوقِف برامجنا الشخصية لأن الآخر بحاجةٍ إليّنا وتعرِض حياتنا للخطر، فتوقفُ السامري عن مواصلة رحلتهِ يعني عمليا، تعرضه لنفس مصير الضحية. يُحكى أن الأم تريزا طلبتَ لقاء القديس البابا يوحنا بولس الثاني فأُعطيَ لها موعدٌ للقائه وحُدِدَت الساعة. وبينما هي متوجهةٌ نحو مكان اللقاء، رأت مُشرداً على الطريق فنزلت وعاملتهُ بالرحمة وأعتنت بأمرهِ، فتأخرّت عن لقاء البابا. وعندما وصلت مكتب البابا، قالوا لها: كيف تتأخرين عن موعد مهم كهذا؟ أجابت إلتقيتُ المسيح في الطريق، وهو الذي أخَّرني عن لقاء ممثلهِ على الأرض.

في قصّة السامري الصالح، لم يسأل ربّنا يسوع معلِّم الشريعة: إذهب وإستفسر عن أسباب الاعتداء؟ ولماذا لم يسلك الضحية طريقا أكثر أمنا؟ وما الذي دفعَ الكاهن أو اللاوي لعدم تقديم المساعدة؟ بل قال: "آمضِ أنت أيضاً وأصنع هكذا". لا تسأل مَن هو قريبي؟ بل قريبٌ مَن أنت؟ في إشارة واضحة إلى أننا مسؤولون جميعاً على التعامل مع نتائج الظلم مثلما نحن مسؤولون عن البحث عن الأسباب التي تقف وراءَ هذا الظلم، ولكن، يبقى الأهم: أن نكون حاضرين بجانب الفقراء والمعوزين لا من أجل مكافأة أو مُجازاةٍ، بل لأنه بحاجةٍ إلى إنسان يقِف إلى جانبهِ، وبذلَكَ أعيش هويتي ودعوتي: "إني مخلوقٌ على صورة الله المحبة"، الذي أشفقَ علينا نحن الخطأة، وجاء ليكون معنا، ويعيش حالتنا، ما عدا الخطيئة، ليهِبَ لنا: "معنى للحياة". إلهنا إنحنى نحونا بيسوع المسيح ليخدمنا، وهو يدعونا لنكونَ خدامأً بعضنا لبعضٍ: "آمضِ أنت أيضاً وأصنع هكذا".

إذاً، تعليم ربّنا يسوع المسيح جاء ليؤكِد على أن محبّة الله ومحبّة القريب حقيقتان متلازمتان، لا يُمكن الفصل بينهما. ولم يُعلم أن أعمال الرحمةِ والإحسان أهم من الصلاة والتأمل في كلمةِ الله، على العكس، أعمال الرحمة هي ثمرةُ علاقةٍ شخصيةٍ مع الله الآب بيسوع المسيح. قدّم لنا القديس لوقا اليوم قصة زيارة ربّنا يسوع لبيت مرتا ومريم بعد قصّة السامري الرحيم، إذ قَبِلَ ربنا يسوع الدعوة لزيارة البيت وأستقبلتهُ مريم بجلوسها عند قدميهِ تسمعهُ وتتأمل كلامهُ، فيما انشغلت مرتا باعداد المائدة للضيف العظيم؛ يسوع، والذي باركَ بيتها، ويبدو إنها إنشغلت كثيراً في إعداد ما يلزم كعادتنا نحن الشرقيين. فجاءت تشكو أختها عند ربّنا يسوع: "يا ربُّ أما تُبالي أن أختي تركتني أخدمُ وحدي؟ فمرها أن تُساعدني!  

أجابها ربّنا يسوع: مرتا مرتا، انك منشغلةٌ بإعداد الكثير من الأطعمة، والحقيقة نحن بحاجة إلى طعام واحد. الطعام مُهم، ولكن الأهم هو الذي اختارتهُ مريم، فهي جلست لتقبل منّي الضيافة التي يُقدمها الله من خلالي، فاختارت أن تكون السامعة والمُصغية، وهذا هو أفضل اختيار، لأن الله ينتظر منّا موقف مريم: أن نسمع ونصغي إليه! مريم تعرف مَن الذي دخل بيتها، فأرادت أن تُقدم له ضيافة متميزة: إنتباهٌ مُحبٌ له، وهذه هي الضيافة الأهم، فمثلُ هذه الضيافة تقودها إلى قبول ضيافة الله التي يُقدمها بيسوع المسيح.

فإن فضّلنا محبة القريب، وسعينا الى خدمتهِ من دون محبة الله والسماع إلى كلمتهِ والتأمل فيها سنتحوّل، وبسبب خدمتنا إلى الآخرين، إلى أناس تميلُ إلى دينونة كل مَن ليس مثلنا، ولا يعيشون بنفس أسلوب حياتنا، ولا يسعون لعمل الخير وصنعِ الإحسان الى الانسان. محبة القريب من دون الإصغاء المنتبه والمُحب إلى كلام الله ستجعلنا أناساً يحكمون على الآخرين بالهلاكِ الأبدي إنطلاقاً من تديننا نحن، فننسى الأهم وهو ربّنا يسوع المسيح، لننشغل بما نُقدمهُ نحن من "خدماتٍ" متناسين أنه هو الذي حفّز فينا الشُكرَ لنعمهِ.

محبّة الله تدفعنا إلى الصمت أمامهُ، الجلوس عند قدميهِ، والتتلمُذ له، متأملين عظمتهُ، ومتحررين من انشغالنا حتّى بخدمتنا، لنتعلّم الإنشغال به، هو الحاضر معنا ليُعلمّنا كيف نكون قريبين من الذين هم بحاجةٍ إلينا. لا نسأل: ما الخير الذي فعلهُ فلان لي؟ بل: ما الخير الذي فعلتهُ أنا لفلانِ؟ ففي مثل هذه المواقف ينفتح قلبنا لدعوةِ الله التي تريد أن تُخرجنا من أنانيتنا، فنعطي بفرحٍ. 

 

الثالث من الرسل

قراءة 224 مرات آخر تعديل على الخميس, 17 آب/أغسطس 2017 15:32

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *