المواعظ
الأحد, 11 حزيران/يونيو 2017 15:39

الأحد الثاني من الرسل - ربّنا يسوع المسيح؛ وجه رحمةِ الآب

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الثاني من الرسل

ربّنا يسوع المسيح؛ وجه رحمةِ الآب  (لو 7: 36 – 50)

 دخلّت أمرأة خاطئةٌ إلى بيت سمعان الفريسي لتُقدم الشكرَ لله على محبتهِ ورحمتهِ التي كشفها بربّنا يسوع المسيح، وعبّرت عن شُكرها في "طقوس متميّزة" متجاوزة كل الأعراف والتقاليد التي تمنعها من الإختلاط مع "تجمّع رجالي"، حتّى وإن كان الضيفُ مميزاً. هذه المرأة تعرف أن حالة الخطيئة التي تعيشها تمنعها من مخالطة الناس، وتجعل مقابلة المعلّم يسوع الناصري أمراً مُستحيلاً، وإن قابلتهُ كان عليه أن يطردها من المجلِس لأنها خاطئة. لكن ذلك كلّه لم يمنعها من مواصلة المسيرة لأن المحبة التي جذبتها كانت محبّة الله نفسه، والتي دفعتها إلى التقدم نحو ربّنا يسوع. أحبّت ومحبتّها أعطتها القوّة لتواصل السير للقاء ربّنا يسوع، ولم تُوقفهّا خطاياها الكثيرة لأنَّ إيمانها ومحبتها كان أعظم، فقبلَ ربّنا يسوع توبتها، فالخطيئةُ لن تكون سببا يمنعنا من لقاء الله الآب، فقدمّت كل شيءٍ عندها بسخاءٍ تام.

تبعتَ هذه المراة ربّنا يسوع، وإنتظرت الفرصّة التي فيها تُعبّر عن عظيمَ محبتها "لبُشرى الخلاص" التي نادى بها. دخلَ بيت سمعان فدخلت من دون أن يدعوها أحدٌ، وحملَت محبتها السخية فإنحنت تُقبلُ قدميهِ، وتفاجأت بأن سمعان لم يقم بما يلزَم من واجبات الضيافة، فلم تنتقدهُ مثلما فعلَ هو، ولم توبخهُ أو تُحرجهُ، بل راحت تُكمّل هي نقص الضيافةِ، ولم تتراجع عن قصدها وشرعت تُقبّل قدميه المتسختين بسبب الطريق، فأضحت دموع الندامةِ ماءً يغسل قدمي يسوع، ولم تبخل عليه بشيءٍ، فقدمت شعر رأسها، وهو ما تعتزّ به كل أمرأة، ليكون منديلاً يمسح قدمي ربّنا يسوع. تعبدها تضمنَ إيماناً به، وتواضعاً أمامهُ، وسخاءً في العطاء، لأنها قبلت محبّة الله بيسوع المسيح، الذي قدّم للإنسان كل المحبة فبذلَ حياتهُ بسخاءٍ من أجلنا.

أمام هذه المحبّة كشف ربنا يسوع عن هويتهُ للفريسي، فهو ليس نبياً فحسب، بل إلهاً يعرِف أفكار سمعان، وهو قادرٌ على أن يغفِر للمرأة خطاياها الكثيرة، لأنه وجه رحمة الآب على الأرض، ومحبة الآب ترحمٌ وتغفرُ. ما حدّث في بيت الفريسي يُلخّص كل "التدبير الخلاصي". إلهنا ينتظر أن يفتح الإنسان له قلبهُ ليدخلَّ ويتكأ ويجعل منه مسكناً له. إلهنا لا يحلُّ ضيفاً فحسب، بل يستحوّذ على كل مَن في البيت، هو ربُّ البيت.

أفكارُ الفريسي ورؤيتهُ جعلتهُ يتنكّر مكانة الله، ويجلس على عرشهِ دياناً يُحدد مَن هم المُخلصّوَن ومَن هم الهالكون. هذه هي خطيئة المتدينين دوماً، وهو بذلك يتناسى أن الله هو الخالِقَ وهو الديّان، وهو الذي يقبلُ الإنسان غافراً، وعلى الإنسان أن يُظهِرَ مُحبةً تشير إلى فرحتهُ بكونه محبوباً ومقبولاً من قبلِ الله رغم كثرة خطاياه. هذه المرأة إنموذجٌ لكلِّ إنسانٍ يشعرُ بضعفه وقوةّ حضورِ الله المُحب في حياتهِ، فوقفَت بتواضعٍ أمام الله الآب المُحب، وإنحنَت لمَن إنحنّى وغسلَ أقدامنا، لمَن لا يُميتُ الآخرين في خطاياهم، بل هو إلهُ الفرص الجديدة، فنهلَت من محبّة الله ورحمتهِ قوّة حررتها من خطاياها ومن مخاوفها.

ولكن، أين تظهرُ رحمة الله في رّبنا يسوع المسيح؟

هل في غفرانهِ للمرأة؟ بالتأكيد، ولكن هذه المرأة آمنت بالغفران قبلَ أن تسمعَ كلمة "مغفورة لك خطاياك". ربّنا يسوع يعرِض رحمتهُ لسمعان الفريسي؛ إرحمَ نفسَك يا سمعان من كل ما تُفكِر به، فما تعبدهُ ليس الله الآب الذي اُبشرُ به أنا، بل إلهاً أنت اخترعتهُ لتعبدهُ وتدين الناس بإسم هذا التدين. ربّنا يسوع، ومحبّةً بسمعان الفريسي، يدعوه لأن يُحرِرَ ذاتهُ من "سطوة وطغيان" هذا الإلهِ الديّان، الذي يُلاحقُ الناس مُهدداً بالعقاب، فإذا كان الإنسان خاطئاً، فعليه أن يطردهُ ويصرفهُ من حضرتهِ. وهذا ليس الإله الذي بشّرنا به ربّنا يسوع. إلهُ ربّنا يسوع المسيح يُعطينا السلام والقوّة عندما تُضعفنا الخطيئة.

منحَ حضور ربّنا يسوع المُحِبَ للمرأة ولسمعان ما كانا يبحثان عنه: السلام: "صارحَ سمعان بما يُفكّر فيه صمتاً"، وقال للمرأة: "اذهبي بسلامٍ"، وآمنت بهذا السلام: إيمانُك خلّصك"، فشعرت بالقوة على الرغم من ضعفها ولم تُبال بما ستواجهه من نظراتٍ وإتتقاداتٍ، فما يهمّها هو أن تصلِ عند ربّنا يسوع. القوة التي اُعطيت لها لم تكن لتشتهِر وتنال إعجاب الناس، أو من أجل السيطرة على الآخرين أو لإزاحة هذا أو ذاك عن طريق حياتها، بل قوّة الروح القدس التي تجعلُ الإنسان متواضعاً، لا ينسبُ إلى نفسه ِشيئاً، بل إلى الله الذي ناصرهُ، فتغلّب على الأقوى: الشر والخطيئة: "أستطيع كل شيءٍ بذاك الذي يُقويني" (فل 4: 13)

نحن بحاجةٍ اليوم إلى هذه القوّة لا لكي ندين الناس أو نحكم عليهم، لكن لنقبلهم بالمحبة التي بها قبلنا الله. قوّة تزيلُ الخوف والقلق من قلوبنا. قوّة تهبُ السلامَ إلى قلوبنا وتعيدنا إلى الله وإلى القريب. قوّة تُثبتّنا في الإيمان على الرغم من التحديات التي يسعى العالم ليضعها امامنا. فأن تكون مسيحياً اليوم يعني أن تواصل السير بثبات ووضوحٍ عارفاً أنك تريد اللقاء بالمسيح يسوع. أن تكون مسيحياً يعني أن ترفض أساليب القوّة التي يسعى العالم للحصول عليها، وتستبدلها بالقوة التي يهبها الروح القُدس. أن تكون مسيحياً يعني أن تسعى مُحباً لتكون صانعَ سلامٍ، وباذرَ محبةٍ على مثال ربّنا يسوع الذي دعانا ًلنكون في العالم جسورَ سلامٍ فلا نرى نقائص الآخرين، بل نرى محبّة الله لهم، ونحُبهم مثلما هو يُحبهم. 

 

الثاني من الرسل

قراءة 190 مرات آخر تعديل على الإثنين, 10 تموز/يوليو 2017 15:54

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *