المواعظ
السبت, 03 حزيران/يونيو 2017 12:18

عيد العنصرة - الكنيسة: شعب الله المُحِب

كتبه
قيم الموضوع
(2 أصوات)

عيد العنصرة

الكنيسة: شعب الله المُحِب (يو 14: 15- 31)

مع حلول الروح القُدس اليوم على جماعة التلاميذ المجتمعين مع مريم أمنا في العلية، إنطلقت رسالة الكنيسة إلى العالم أجمع لتحتضن الجميع في إرساليتها، وتجمع شتات شعب الله ليكونوا إخوة وأخواتٍ بيسوع المسيح، الذي قدّمَ نفسه خبزا متقاسماً، غذاء للجميع. اليوم يُعلِن الروح القدس بدءَ رسالة الكنيسة، وهو يعني أن الكنيسة لم تتأسس بفعلِ مبادرة بشرية بل الله الآب، وبمحبتهِ وتدبيره أختارها لتكون "وساطة الخلاص" للجميع، جسد المسيح يسوع وثبتها بروحه القدوس الذي ينعش نشاطها ويجعلها تتجاوز الصعوبات والتحديات التي تقف في وجه رسالتها. فَلَو كانت تنظيما بشريا لانهارت منذ قرون طويلة، ولكنها باقية بفعل الروح القدس.

ولكن ما الجديد الذي يُقدمه الله في الكنيسة للعالم؟

جديد الله في الكنيسة هو قدرتها على إحتواء الجميع وتوفير إمكانية التفاهم ما بين البشر جميعاً وذلك عندما يتوجهون جميعاً بالصلاة معاً إلى الله. هذه الجماعة، الكنيسة، ليست مهووسة بذاتها وبإنجازاتها، بل بما يُمكن لله أن يُقدمه فيها ومن خلالها للعالم. عالمنا اليوم فيه إمكانيات مهولة للاتصال ما بين البشر ولكنه لا يُمكن أن يخلق لهم إمكانية التواصل والتفاهم التي من دونها لا يُمكن للجماعة أن تستمر وتواصل. العداوة والعنف والصراعات والحروب التي يشهدها عالمنا اليوم هو علامة على عجزِ الإنسان على فهِم الآخر والتواصل معه، فوحده الروح الْقُدُس، روح الله، قادرٌ على أن يوجه العالم إلى كيفية الاتصال والتواصل مع الآخر، فالله أظهرَ بيسوع المسيح كيف يكون الإتصال، وأي لغة يُمكن للعالم أن يفهمها، لغة المحبة، محبة حتّى بذل الذات. محبة تحثُّ الآخر وتقويه ليخرُجَ من عُليةِ الخوف التي حبسَ نفسه فيها ليُبشِرَ العالم بسلامِ المسيح، مثلما حصل مع جماعة الرُسل الذين كانوا قد حبسوا أنفسهم خوفاً من جماعة واحدة، هاهم اليوم يواجهون جماعات كثيرة ومتمايزة في لغتنها وثقافتها.

جماعة الرُسل إنطلقت اليوم لتُعلِنَ البشارة في الأرض كلّها، فحلول الروح القُدس على جماعة التلاميذ حررهم من الخوف وفتح الأبواب لهم ليُخبروا عن الخلاص الذي صارَ لنا بيسوع المسيح، هذا الخلاص هو للجميع من دون إستثناء، وسيجمع لله في الكنيسة شعباً يتجاوز الإختلافات وتمايز الثقافات، فالجميع يفهم لغة الرُسل، الكنيسة، لأنها لغة المحبة. الاحتفال بحدث "عطية الله للشريعة على يد موسى" على جبل سيناء كان مركز إحتفالية العنصرة لدى اليهود، اليوم، تحتفل الكنيسة بشريعة المحبة، وهي كمال شريعة موسى. هي شريعة القلب المؤمِن بخلاص الله الذي تجلّى كاملاً بيسوع المسيح. لذا، يدعو ربّنا تلاميذه، ويدعونا أيضاً، أن نحفظَ وصاياه: إن كُنتم تحبونني فآحفظوا وصاياي، ووصيتهُ هي: أن يُحبَّ بعضاكم بعضاً. وهذه ليست دعوة للأختيار بل وصية للتنفيذ، لأن الذي يحفظُ العلاقات ويُديمها انما هي المحبّة التي تستقبلُ القريبَ وتُحييهِ وتغفرُ له إذا أساء إلينا. فشريعة المحبة تضعُ حداً لشريعة التنافس والإحتكار والإستغلال التي تُسيّر علاقات الناس. ومضمونها هو الرحمة والغفران لا التسلّط والانتقام. شريعة تضع المصالحة والسلام وتجمع المُشتتين لتؤلّف عائلة الله، أخوةً وأخواتٍ، يُفكرّ ويعمل كلُّ واحدٍ منهم من أجلِ خير الآخر وسعادته.

اليوم، نحن مدعوون لنعيش "العنصرة" وذلك بالتحرر من "الهوس بالذات" الذي سيطر علينا وعلى مشاعرنا، وباتَ هو المُحرِك لكل مُبادراتنا، لنقفَ أحراراً أمام الله الآب الذي يدعونا لكي نتحد في الصلاة إليه معاً. ففي الصلاة معا نُبيَن أننا متوجهون معاً نحو الآب فمنه ننال عطيّة الروح والذي يُنعِم علينا بعطايا كثيرة فيهبُ لنا الحكمةَ والفهمَ ويسند ضعفَ إيماننا ويُفهمنا أسرارَ ملكوتِ الله، ويمنحنا المشورةَ والعلم فنُميز طريقَ الله في حياتنا، ويُقوينا لنثبُتَ في الرجاء وقتَ المحنِ والمصاعِب، ويبعث فينا مخافةُ الله لنُحبَّه ونُكرِمَ أخانا الإنسان.. فإذا أنسانا العالم بشارة ربّنا يسوع المسيح، وإذا أردنا أن نُفسرَّ كلامَ الله مثلما يحلو لنا ويُناسب رغباتنا، نؤمنُ بأن روحهُ فينا يُذكرّنا بكلامه ويُسمعنا إياه، فتكون حياتنا إنجيلاً حياً، بشارة صادقةٍ لكوننا مُخلَّصينَ ومُباركينَ.

اليوم نحن مدعوون لأن نعيش العنصرة في بيوتنا، فعوائلنا أصبحت ضحية الاستخدام الغير الصحيح لوسائل الإتصال الاجتماعي التي "تحبُس" الإنسان ليكون مع مَن يختارهم هو، ومع مَن يُرضوه ويخاطبون رغباتهِ، ففُقِدَ التواصل داخل العائلة، ولم نعد "نُصغي" لمَن يعيشون معنا في ذات البيت. كل بيتِ من بيوتنا صارَ بحاجة اليوم أكثر من ذي قبلُ إلى "الفارقليط" المحامي والمعزي ليواصِل رسالتهُ ويبقىَ البيت المسيحي حامِل بشارة الله؛ إنجيل يسوع المسيح. كل أبٍ وأمٍ يشعر اليوم بأنه غير قادِر وحدهُ على مرافقة أبنائهِ وتنشئتهم، وهو بحاجةٍ إلى عونٍ وسندٍ، وإلهنا يُقدِم لنا الروح الُقدس، فلنقبلهُ، هو المحبّة التي ترافقنا وتُربينا لنكون مؤمنينَ، ليس فحسب، بل مُبشرينَ، فإيماننا دعوة ورسالةٌ نلتزمٌ بها شاكرين الله على أنه أنعمَ علينا بالخلاص واختارنا له رُسلاً. فلنبدأ التبشير من بيوتنا أولاً ليشعُّ نورٌ إلهنا على مَن هم من حولنا. 

 

عيد العنصرة

قراءة 995 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *