المواعظ
الجمعة, 19 أيار 2017 23:35

الأحد السادس من القيامة - ثمارُ القيامة: كنيسة مُرسّلَة

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد السادس للقيامة

ثمارُ القيامة: كنيسة مُرسّلَة (يو 17: 1- 26)

في جلسة العشاء الأخير رفعَ ربّنا يسوع صلاةً دعاها التقليد الكنسي: "صلاة يسوع الكهنوتية" وهي خاتمة خطاب الوداع. هي صلاة شفاعة، صلاةُ كاهنِ قدّم حياتهُ ذبيحةَ شُكرِ لله على البركات التي أنعمَ بها الله عليه، مُؤمنا بمحبةِ الله الآب في فعلِ طاعةٍ تامٍ مُحِب له. لا يُمكن لنا أن نفهَم معنى صلاة ربنا يسوع هذه من دون الإشارة إلى طقوس عيد التكفير اليهودي. ففي هذا العيد كان رئيس الأحبار يدخُل إلى "قُدسِ الأقداس"، ليُقدمَ ذبيحةَ عن نفسهِ، وعن جماعة الكهنة وعن جماعة الشعبِ الذي أخطأ إلى الله طوال العام، مُكفراً عن خطاياهم ومعاصيهم ليُعيدَ الشعبُ إلى حالة البرارة الأولى، فيُذكرَهُم بهويتهُ: "هم شعبُ الله الذي أختارهُ ليكونَ نوراً للأمم". وفي هذا اليوم من السنّة فقط، يُسمَح لرئيس الأحبار أن يلفظ إسم الله القُدوس الذي كًشِفَ لموسى عند العليقة المُشتعِلَة، وحَرِرَ إسرائيل ليكون شعباً لله.

ربنا يسوع، صلّى، وهو عظيمٌ أحبارنا، فقدّم نفسه ذبيحةَ، ورفع الصلاة من أجل تلاميذه ومن أجل كلَّ مَن يؤمِن بسبب تبشيرهم، من أجلنا، نحن كنيستهُ، فنحن موجودون في صلاةِ يسوع، ليس فحسب، بل يُريد أن يُدخِلنا في علاقة المحبّة التي توحدّهُ بالله الآب. في صلاتهِ كشفَ ربّنا يسوع عن إستعدادهِ التام ليُكمِلَ تدبير الله بمحبةٍ وسخاءٍ تام، فالطريق إلى المجد يمرُ من خلال فعلِ الطاعةِ "المُحِب" لمشيئةِ الآب حتّى بذلِ الذات: "ها أنذا مُستعدٌ لأعملَ بمشيئتِكَ، فأنت قدستني لأجل هذه الساعة: ساعة المحبة التامّة حتّى عطاء الذات"، من أجل أن يعرِفَك العالم، وهذا ممكن إن قَبِلنا أن ندخل في المحبّة التي تربط الله الآب بيسوع المسيح. 

صلّى ربّنا يسوع من أجل تلاميذهِ الذين "وهبهمُ الله له"، إذ حقق بينهم حضور الله فكان الرحمة المنظورة. كان قريباً منهم، وطلبَ لهم من الله الآب أن يُقدِسهُم ويحفظهُم، أي، أن يكونوا مفروزينَ ومُكرسينَ له، هم مُلكيةُ الله، وهم مُقدَسونَ بكلمة الله ليحيوا من أجل الآخرين. هم مُلكُ الله وليسوا مُلكَ أنفسهِم، وهم في ذات الوقت مقدسونَ من أجل الآخرين، من أجل العالم. العالم الذي سيستمِع إليهم، ويؤمِن بكلمة الحياة التي يُبشرون بها. ربّنا يسوع صلّى من أجل الرُسل ومن أجل الكنيسة جمعاء التي تُبشِر العالَم "بمُصالحِة الله للإنسان بيسوع المسيح"، عالمٌ يرفُض هذه المُصالحة، وهذه هي الخطيئة: "رفضُ الإنسان لله"، "عداوة الإنسان لله"، والنتيجة: عالمٌ عنيفٌ، عالمٌ مُخيفٌ للإنسان.

وإزاء هذا العالَم الخاطئ يُقدِم ربّنا يسوع ذبيحة حياتهِ من أجل أن يعرِف العالم الله: "والحياة الأبدية هي أن يعرفوُك، أنت الإله الحق وحدَك ويعرفوا الذي أرسلتهُ يسوع المسيح" (يو 17: 3)، وينتظر ربنا يسوع أن تواصِل الكنيسة (نحن) تبشير العالَم ليعرفوا الله. هذه المعرفة ليست معلوماتية، بل دعوة للمُشاركة في حياة الله الذي صارَ جسداً، قريباً منّا بيسوع المسيح. هذه المُشاركة تتطلّب لقاءَ ربّنا يسوع، تعلّقنا به، إتحادنا بهِ، ولما كان هذا الإتحاد مُستحيلاً علينا نحن البشر، صارَ هو بشراً، ويدعونا لهذه الوحدة يومياً في سرّ الأفخارستيا، سرّ محبّة الله. وهو صارَ إفخارستيا من أجلنا فنتحد به، من أجل أن نكون نحن أفخارستيا للعالم، وهكذا سيعرِف العالم حضوره الفاعِل.

ربّنا يسوع عرّفنا بالاب، لأنه وجه الآب، ويواصِل "عمل التعريف هذا"، من خلال أمانة الكنيسة لرسالتها. لذلك، صلّى ربّنا يسوع المسيح من أجل تلاميذه وطلبَ من الآب أن يحفظَهم ويُقدسهم من أجل العالَم، فالعالم الذي يُعلن "عداوتهُ لله"، ورفضهُ لله، يبقَى بحاجةٍ إلى الله، الذي تعرّفنا عليه بشكل منظور وكامل بيسوع المسيح. عندما نعيش نحن رسالتنا ونشهد في حياتنا "لمعرفة الله" نواصِل ما بدأه ربّنا يسوع فنُسهِم في تعريف العالم بالله. العالم ينتظر أن يرى فينا الجماعة التي "قدسها الله وكرسها" لأجل العالم، والكنيسة قدّمت لنا قديسين عظام قدّموا في شهادة حياتهم جواباً للسؤال: كم أن العالم بحاجة إلى الله؟

عندما نُعلِن قانون إيماننا في كل قُداس نشترِك فيه، لا نذكر أسماء الأنبياء والرسل الذين تُكرمُهم الكنيسة، ولا نذكر أسماء الشهداء الذين سقوا بدمائهم بذرة الإيمان، نذكر إسمين فقط: مريم التي قبلِت كلمة الله وأعلنت إنها خادمةٌ هذه الكلمة حتّى الصليب، ونذكر إسم بيلاطس البنطي الذي حكمَ على ربّنا يسوع بالموت، وهو تنبيهُ لنا من أن ربّنا يسوع الذي نحملهُ في قلوبنا ليس بأمانٍ دوماً بسبب ضعفَ هذه المحبة، لأننا يُمكن أن نُسلّمهُ للموت مُساومةً مع إنتظارات العالم. عندما نتخلّى عن مسؤوليتنا في تعريف العالم أن في الله وحده: الحياة الأبدية، الحياة الحقيقية. عندما نفشِل في الشهادة "لحضور ربّنا يسوع" في حياتنا.

فلنطلب من أمنا مريم، والتي رافقت إبنها ورافقت الكنيسة بالصلاة، بأن تساعدنا في أن نعيش دوماً حياتنا خٌداماً لله القدير، حاملين بشارة ربّنا يسوع المسيح لكل مَن نلقاهم في حياتنا. 

 

السادس من القيامة

قراءة 795 مرات آخر تعديل على الجمعة, 19 أيار 2017 23:55

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *