المواعظ
السبت, 13 أيار 2017 13:10

الأحد الخامس من القيامة - ثمار القيامة: القداسة

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الخامس من القيامة

ثمار القيامة: القداسة (يو 21: 1- 14 )

قضّى بُطرس والرسل ليلةً كاملة في الشاطئ من دون أن يصطادوا شيئاً حتّى تراءى لهم ربّنا يسوع المسيح موجهاً العمل بإتجاه يصعبُ عليهم إيجاد السمِك فيه، فأطاعوا الغريب وهم خُبراء في الصيّد، فإذا به صيدٌ وفير. واصل الرُسل العمل على الرُغم من الإحباط الذي عاشوهُ: لا سَمكَ في الأمكنة التي يُفتَرَض أن تُمسِكَ فيها شباكهم سمكاً. هم حزانى لما حصلَّ لسيّدهم ومُستاؤونَ لمواقفهم إذ تركوه يواجهُ الموتَ وحدهُ، ولم يفهموا معنّى ما قالتهُ لهم المجدلية: "لقد قام".

هوذا يتراءى لهم بنفسهِ ويبعث فيهم الإيمان من جديد، وأعدَّ لهم مائدةٌ الصداقة؛ إفخارستيا، شِركة المحبّة التي لن يتغلّب عليها الموت. لقد إكتشفوا أن الربَّ لم يتخلَّ عنهم بل كان معهم حتّى عندما تركوهُ، ورافقهم في ليلةِ الصيد العقيم ليعبرَ بهم إلى فجرِ القيامة.

"أمعكمُ شيءٌ يُؤكَل ..."، في ظهوره لتلاميذه لم يوبخهُم على موقفهم منه، ولم يحُكم على جهلهِم: "إنكّم جُهالٌ لا تعرفون كيف تُدبرون شؤون حياتِكم، بل كان سؤالاً يفترِض إجابة صريحة: "لا". وربّنا لا يحتاج أكثر من هذه الكلمة الصريحة: لا، ليس عندنا ما يُمكن أن نُقدّمهُ لك، على الرغم من أننا قضينا الليل كلّه ننتظر أن تُمسِك شباكنا سمكاً لنبيعهُ ونعود بالمال وبالمُتبقي إلى بيوتنا. أمرهم هذا الغريب وأطاعوا؛ آمنوا بما قال، والإيمان هو طاعة لله للسير في إتجاه غريبٍ، فما تقولهُ أيها الغريب لا يتوافق وخبرتي في الصيّد (في الحياة). وإذا به صيدٌ وفيرٌ ليس فحسب، بل تسألنا أن نُقدّم لك من ثمار أعمالنا لتُباركها وتُقدسها. القيامة دعوة إلى الإيمان بحضورِ الربَّ المُحيي للسير في حياة القداسة، لكل مَن يؤمِن حتّى وإن كان إيماناً ناقصاً أو يعوزه الثباتُ، وهو ما نشعرُ نحن به مراراً، لذا، أبقى الإنجيلي يوحنّا شخصية التلميذ السابع مجهولةً ليفسح لنا المجال لنضعَ أسماءَنا نحن مكانهُ، فالتلميذ السابع هو كل واحد منّا، وهو مدعو إلى هذه العلاقة الشخصية مع ربنا يسوع المسيح.

أعدَّ لهم الربُ مائدةً: جمرٌ وسمكٌ، ولكنهُ يُبارِك أشغالنا إذ يدعونا لنتقاسَم نعمهُ علينا في شِركة المحبة: "هاتوا من السمك الذي إصطدتُم الآن". هيأ لهم وليمةً ليُباركها بثمارِ تعب الإنسان. لم يترائ ليُدلّهم على مكان السمِك فحسب، بل تراءى لهم ليخدُمهم، ويطلُب منهم أن يندمجوا في "نعمةِ الخدمةِ" هذه، ليُعلّمنا أننا لن ننال الخلاص بأعمالنا، ولكننا لن نخلُص من دونها. لقد تراءى لهم ووهبَ لهم فرحةً ما كانت لهم لو أكملوا الطريق الذي هم فيه. ووفي ذلك بشارةٌ لنا: يُبارِكنا إلهنا بنعمةِ الإيمان وينتظرَ منّا الثمار. فالإيمان لا يعني أن الله إختارنا لأننا صالحونَ وليس لنا خطيئةٌ ونكتفي بهذا الإختيار لنُبرر، بل قبولُ محبّة الله لنا على الرُغم من خطايانا وعدم صلاحنا والعمل لتجسيد محبّة الله في حياتنا، مؤمنينَ أن محبتهُ قادرةٌ على تغييرنا لنكون صالحينَ، ليس فحسب، بل لنُبشِرَ بصلاحهِ. إيماننا يتطلّب خطواتٍ حاسمةً ومواقفَ جادةٍ تكشُف عن طاعةٍ لما يُريدهُ الله منّا حتّى وإن كُنا لا نفهمٌ مغزاه. إيماننا ليس تعليماً نعِظُ به وتوصياتٍ نحفظها، بل خبرة شِركة مع ربنّا يسوع فمن دون هذه الشِركة، الافخارستيا، ستكون المسيحية مدرسة فضائل إنسانية، والحال هي بيت المحبّة الذي يجمع البشرية حول ربّنا يسوع المسيح.

حياتنا المسيحية هي مسيرة إيمانية ثابتة تجابه كل تعبٍ وحزنٍ ويأس تحت أنظارِ الله الآب الذي تجسّد ليرافقنا في حُزننا يعبُرَ بنا إلى الضفةِ الأخرى التي لم نكن لنشتغلِ فيها لولا كلمتهُ. إلهنا حضرَ لا ليُنافسنا ويُلغي وجودنا بل ليقبَل منّا ثمار "الإيمان والطاعة" ويُباركها لتكون مائدة المحبّة؛ الإفخارستيا. نحن نؤمِن أن إلهنا، ولأنه الآبُ المُحِب، لن يتركنا نجابه هذه الظلمة وحدنا، بل سيُشرق علينا بنورهِ، ويُرشدنا إلى الطُرق التي فيها نجد الحياة: "ألقوا شبكتكم من جانب اليمين"، وهو خادمها: "فلّما نزلوا إلى الأرض رأوا جمراً موضوعاً وسمكةً موضوعةَ عليهِ وخُبزاً"، وهو الذي يُعطيها الحياة: "فأخذ يسوع السمك والخُبزَ وأعطاهم". ولكن، نحن بحاجةٍ إلى فعلِ طاعةٍ لكل ما يأمرنا به ربّنا حتى وإن بدا مخالفاً لما نعتقده، أو غريباً عن رؤيتنا للحياة. إيماننا يتطلّب موقف طاعةٍ، طاعة مريم أمنا، طاعةٌ أوصلتها لتقف عند أقدام ربّنا يسوع المصلوب، وتنضمّ إلى جماعةِ الرُسل، الكنيسة الأولى، تُصلي من أجلهم.

لنطلّبَ صلاتها من أجلنا جميعاً. 

 

الخامس من القيامة

قراءة 761 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *