المواعظ
الأحد, 07 أيار 2017 15:34

الأحد الرابع من القيامة - ثمارٌ القيامة: فرح ووفرة حياة

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد الرابع من القيامة:

ثمارٌ القيامة: فرح ووفرة حياة (يو16: 16- 33)    

 

مَن الذي يُعطينا الرجاء من أن حاضرنا المُحزِن والمُضطَرِب سيؤولَ إلى فرح الإنتصار؟

هي محبّة الله لنا والتي كانت فاتحة جلسة الوداع التي جمعت ربّنا يسوع بتلاميذه: "وكان يسوع يعلّم بأن قد أتت ساعةُ إنتقالهِ عن هذا العالم إلى أبيهِ، وكان قد أحبَّ خاصتهُ الذين في العالم، فبلغَ به الحُب لهم إلى أقصى حدودهِ" (13: 1). فإنطلاقاً من هذه المحبّة يُوجه ربّنا خطابهُ لتلاميذهِ اليوم مُثبتاً إياهم في الرجاءِ، ومؤكداً لهم بأن مُغادرتهُ لم في الجسّد ما هي إلا بدءُ حياةِ مليئة بالفرحِ، فرحٌ مَن وجدَ أنه محبوبٌ من قبل الله ومغفورٌ له. هذا ما بشّر به ربّنا يسوع وثبتهُ الله بإقامتهِ رباً، فغدت القيامة مبعثَ فرحٍ للتلاميذ. 

سيبدأ التلاميذ (والكنيسة كلّها) حياة التبشير بإنجيل الله؛ يسوع المسيح. فالله الآب، ولأنه محبّة تجسّد ليكون مع الإنسان في ألمهِ ليقويّه ويتجاوز الإحباط واليأس والخوف الذي يختبرهُ، مثل المرأة الحامل التي تتأمل حالتها وترتعبِ لهول الساعةِ، حتّى يُولَد إنسانٌ، وفي ولادتهِ تفرحُ وتنسى ألمها، بل يتسامّى هذا الألم ليكون بدءَ حياة للإنسان. هذه هي بشارة ربّنا يسوع المسيح: أيها الإنسان لست صُدفة على الأرض، ولحياتِك أثرٌ طيبٌ فعش حياتَك لتكون سبب فرحةِ الله.

قيامةُ ربّنا يسوع تُعطينا الشجاعة لموصلة المسيرة خلفَه متجاوزين "رفضَ هذا العالِم" لنا، مؤمنينَ أن حياتنا كلّها هي تحت أنظار الله الآب، الله الذي يعتني بنا على الرغم من الألم والحزن والضيقات التي تحاول ان تخنق الحياة فينا، ليُعيننا على تجاوزها ليس فحسب، بل ليُؤتي منها خيراً وفيراً لم يكن لنا لنفهمهُ لولا حضورهِ معنا. فإذا كُنّا أبناء القيامة، فالرب ينتظر منّا الإيمان فنسير في الحياة ونحن نعمل دوماً ما يُرضيه ويُفرِح قلبهُ، فنمدَّ يد السلام والمُصالحة لكي نخفف من وطأة الأحقاد والغضب من حولنا. علينا ألا نتطلّع إلى الإنجازات الكبيرة أو إلى معجزاتٍ خارقة، بل يكفينا أن نقدَم أعمالنا الصغيرة بحب صادق ونزيه. لربما يكون الأمرُ صعباً في عالمٍ يُسيء فهمَ طيبتنا، عالمٌ يغضَب ويرفض ويكره ويحسد ويُعنّف ويكذب ويغش ويخدع. عالمٌ يبدو أنه خالٍ من حضور ربّنا يسوع، ولكن علينا أن نؤمِن ببشارته لنا: "ثقوا أنني غلبتُ العالم".

ربّنا يسوع عارفٌ أننا مثل تلاميذه لن نصمد طويلاً أمام التجارب التي تتحدانا يومياً. ربّنا عارفٌ أننا كثيرا ما نتخلّى عنه أمام اختياراتٍ أخرى. ربّنا عارفٌ بمحدودية إيماننا، وهو إيمانٌ متطلّب، فيُعزينا بغفرانهِ المُسبقَ ليكون لنا شجاعة التوبة ليكون لنا سلامٌ القلب الذي يهبهُ لنا ربنا يسوع وحدهُ فقط، ثمرةٌ الإيمان بيسوع القائم. وإن تأملّنا ماضينا بنزاهةٍ أمام الله فسنذهَل عندما نكتشِف أن الله لم يتركنا وحدنا في لحظاتٍ صعبة من حياتنا، وعلى الرغم من كل ذلك، نجد أنفسنا مُضطربين أمام كلِّ شدّة. وهذه علامات فقدان السلام، وإشارة إلى عدم الإيمان بالله لأن الإنسان يثق بنفسهِ أكثر من ثقتهِ بالله.

الإيمان بقيامة ربنا يسوع المسيح لن تُبعدنا عن العالم، أو تنقذنا من تجاربهِ، بل تُثبتّنا في وقت المِحَن لنواجهها مؤمنين أنه معنا. لذا، يطلب ربّنا يسوع منّا أن نؤمِن، أي أن نقبل عطية المُصالحة التي قدّمها الله لنا بيسوع المسيح، ولسنا في ذلك نتنكّر لحقيقة الخطيئة وقوّتها التي تُعارضَ هذا الإيمان، بل إننا نُسلّم حياتنا لربنا واثقين أنه غلبَ خطايانا التي تُبعدنا عنه. فالإيمان مُكلِفٌ ومتطلبٌ ومُحزنٌ، إلا أنه يحملُ معهُ فرحاً لا يُوصَف، كفرحِ ولادة إنسانٍ في العالم. والإيمان مُكلفٌ لأنه يتطلّب تغييراً جذرياً للحياة، وهذا ما لسنا مستعدون للإلتزامِ به دوماً.

نحن نختبِر جميعاً صعوبةَ الإيمان، ونشعر بالحُزن والكآبة، ونتجمّد في مسيرة إيماننا، وهذا ليس لأن الله قرر لنا مصيراً يختلِف عن مصير القديسيين، بل لأننا نحن لم نسمح له بل يفيض محبتهُ فينا مثلما يجب. فالقديسون ليسوا أبطالاً وإنما هم خطأة تبعوا يسوع على درب التواضع والصليب وسمحوا له بأن يقدّسهم مثلما يقول قداسة البابا فرنسيس. والحال أن هناك جانبٌ من حياتنا نرفضُ أن تغمره محبةُ الله، ونُفضل أن يبقى بعيداً عن نورهِ، فلا يأتِ الإيمان كاملاً بل منقوصاً، ويضحى صعباً، فنترك ربنا يسوع وحدهُ. إن قُلنا إننا نؤمنُ بيسوع المسيح، ولكن! هذه الـ "لكن" تُصبح شرطاً يجعل الإيمان صعباً بل مُستحيلاً. والحال إن الإيمان هو "نعمٌ" صادقة وأمينة، مثلُ نعمُ أمنا مريم التي نُكرمها في هذا الشهرِ بإمتياز. "نعمٌ" تفتح الحياة كلّها أمام الله من دون أن تحتفِظ لنفسها بشيءٍ، بل تهبهُ للعالمِ مُخلصاً وتحتضنهُ مصلوباً وتُسلمهُ لله الآب ربّا وترافق الكنيسة مُصليةً. 

 

الرابع من القيامة

قراءة 1031 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *