المواعظ
الأحد, 30 نيسان/أبريل 2017 16:33

الأحد الثالث من القيامة - ثمار القيامة: معرفة الآب

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد الثالث من القيامة:

ثمار القيامة: معرفة الآب (يو  14: 1- 14)

"قالَ له يسوع: "أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة. لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلاَّ بي. فلَو كُنتُم تَعرِفوني لَعَرفتُم أَبي أَيضاً. مُنذُ الآنَ تَعرِفونَه وقَد رأَيتُموه" (14: 6- 7). في هذا الإعلان كشفَ الإنجيلي يوحنا عن إيمانه من أن ربنا يسوع هو حضورَ الله الملموس بيننا، ولا يُمكن لنا أن نعرِف الله الآب إلا بيسوع المسيح. وفي هذا الحضوّر مكّننا ربّنا يسوع من أن نعرِف الله أباً مُحبّاً. الله حضرَ في وجهِ إنساني بيسوع يسوع المسيح، وربّنا يسوع لم يأتِ ليعرِض تعليماً عن الله، بل صارَ هو الطريق إليه، وهو طريقٌ كلّفهُ حياتهُ. فإذا أردنا أن نعرِف الآب ونراهُ، مثلما طلبَ فيلبُس اليوم، فعلينا أن نتأمل وجه يسوع، وأن نحمِلَ إليه كلَّ مَن يُريد أن يعرفهُ.

ربّنا يسوع لم يقل "عندي لكم طريقٌ إلى الآب، أو أنا أعرفُ الطريق"، بل قال: "أنا هو الطريق"، في هذا كشفَ عن الوحدة التي تجمعهُ بالله الآب، فلا يُمكن لإنسان أن يُعلِن هذا الكشف إلا إن كان واحداً مع الآب. ربنا يسوع لم يأتِ ليُعلَّمَ عن "الألوهية"، بل ليعيشها بيننا حُباً خدوماً ورحوماً وغافراً، وهوذا يدعو تلاميذهُ لا ليتذكروا تعليمهُ فحسب، بل ليتبعوهُ هو الطريق الحقُ إلى الآب. هذا الطريق غيّر حياة الرُسل ثم حياة الكنيسة الأولى وحياة العالَم كلّه، وجعل حياة بعض الناس (القديسين) أكثر إنسانية وأكثر إشراقاً.

يسأل بعضُهَم: ما معنّى أن تُعلِن الكنيسة قداسةَ حياة إنسانٍ ما؟ أوليستَ هذه "شِركةٌ وتوثنٌ"؟

وتُجيبُ الكنيسة: كلاّ، فقداسة حياة إنسانٌ تبِعَ ربّنا يسوع المسيح، الربُّ القائِم من بين الأموات، هي شهادة على صدِق كشفِ ربّنا يسوع اليوم: "أنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة. لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلاَّ بي"، فمعرفتهُ قدّست حياة هذا الإنسان (الإنسانة)، هذه الحياة الإنسانية التي لم يشمئز منها الله على الرُغم من كثرِة خطاياها، بل صارَ بشراً وكان معنا، لا ليبتلعنا ويُلغي وجودنا، بل يجعلنا أكثر إشراقاً، مثلما يروي لنا العهد القديم كيف أن الله دعا موسى ليقود شعبهُ نحو البرية مُحرراً إياهم من عبودية مصر، فظهرَ له في هيئة "عليقةً تشتعِل". فحضورهُ لم يُحرِق العليقة ويلغيها، بل جعلها مُضاءَةً، أكثر توهجاً، هكذا هو الله الآب عندما يحلُّ في إنسانٍ، يُعطيهِ الكرامةَ فيُقدسهُ، وقداسهُ هذا الإنسان مؤسسةٌ في محبتهِ لله الآب بيسوع المسيح.

إخوتي وأخواتي،

العالم اليوم يعرِض لنا طُرقاً مُختلِفة للحياة الحق. العالَم يُبهرنا يومياً بمشاهَد تدعو الناس ليتبعوهم بعيداً عن يسوع. لكن هذه الطُرُق تُتعبُنا وتُهلكُنا وتستهلكنا، لأنها خالية من حياة الله. وحدهُ الله يُعطينا الكرامةَ بيسوع المسيح. يسوع الذي عاش الطريق قبل أن يُطلبُ من تلاميذه أن يتبعوهُ فيه. طريق المحبّة، طريقٌ يتطلّب أولاً الإتحاد بيسوع المسيح، فهو وجه الله الآب وهو حضورهُ الحق. ومَن يُريد أن يرى الله الآب ويصلَ إليه، عليه أن يتبعَ ربّنا يسوع المسيح على الطريق الذي اختاره هو، لا الذي نختارهُ نحن ليسوع. فالمسيحية ليست فكرة فلسفية أو طريقاً نحو السعادة، بل علاقةٌ مع شخصِ يسوع المسيح. دعوةٌ ليعيشَ الإنسان حياة مُتميّزة، حياة ربنا يسوع المسيح، فلا يكفي أن تحمل إسم المسيح، بل أن نحيا المسيح أينما كُنّا، وأن يرى فينا الناس وجه يسوع الحي. فبالمسيح يسوع وحدهُ عَرفنا الله الآب وعرفنا الطريق الحقَّ إليه.

عندما دعا ربنا يسوع فيلبُس إستجاب الدعوة وراحَ وبقيَّ حيث ربّنا يسوع، ثم وجّه الدعوة لنثنائيل قائلاً: "الذي كتبَ في شأنهِ موسى في الشريعة وذكره الأنبياء، وجدناهُ، وهو يسوع أبنُ يُوسُف من الناصِرة"، وجاءهُ الجواب: "أمِنَ الناصِرة يُمكن أن يخرجَ شيءٌ صالحٌ". لم يتراجع فيلبُس أمام هذا الجواب، بل واصل الدعوة فقال: "هلّم وأنظر"، وهي ذاتُ الكلمات التي دعا فيها يسوع تلميذيه الأولين (يو 1: 35- 46). وهو يدعونا اليوم أيضاً لنكونَ بقُربِ يسوع حتّى نعرفهُ: "هلمَّ وأنظر". فالصداقة الحقيقة تتطلّب "قُرباً" أكثر من الشخص، وهذا القُربَ يعني محبتهُ ومحبتهُ تجعلنا نعرِفهُ، ومعرفتهُ تعني حفظٌ وصاياه والسير خلفهُ بأمانةٍ ونترُك في حياتنا أثرَ الله فينا، مثلُ هذه الحياة تجذبُ الناس إليها لأنها حياةٌ صادقةٌ لا غشَ فيها.

اليوم، تُعلَن لنا هذه البشارة أيضاً: "أنا هو الطريق والحق والحياة. لا يمضي أحدٌ إلى الآب إلاَّ بي" (يو 14: 6). والسؤال الذي نسألهُ هو: هل أعرِف يسوع معرفةً معلوماتية أم أُحبُه؟ ما الذي يُميّز حياتي كمسيحي؟ وإذا كان الجواب: لا يوجد ما يُميّزني عن باقي الناس، فيأتي السؤال المُوجِع والذي يتطلّب صدقاً وصراحةً مع الذات: أيُ طريقٍ اخترتُ لحياتي وأي إلهٍ أعبُد؟ فحياتُنا مثلٌ حياة غير المسيحيين وليس فيها ما يُميّزها، بل لا تُثيرُ تساؤولات الناس، فأضحت صلاتُنا مُلحةً اليوم: "يا ربُّ، إننا لا نعرف إلى أين تذهب، فكيفَ نعرِف الطريق".

التعرّف على حقيقةِ حياتنا يجعل الطريق إلى ربّنا يسوع أصدق، ويُنمي فينا ثمارَ القيامة: معرفة حقيقيةٌ لربّنا يسوع". 

 

الثالث من القيامة

قراءة 1115 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *