المواعظ
السبت, 15 نيسان/أبريل 2017 13:04

الجمعة العظيمة - هذا يسوع ملكُ اليهود (العظة الثانية)

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الجمعة العظيمة

"هذا يسوع ملكُ اليهود" (متّى 27: 37)

العظة الثانية

الصليبُ يشهد لذبيحة الطاعة التي قدّمها ربّنا يسوع المسيح لله من أجل حياة الإنسان، فتمَّ فيه ملءُ الكهنوت. ولكن الشعب كان ينتظر "النبي" الذي وعدَ به الله موسى: "يُقيمُ الربُّ إلهَكَ نبياً مثلي من وسطِكَ، من إخوتِكَ، فلهُ تسمعونَ" (تث 18: 15). والشعب كان بحاجةٍ دوماً إلى أنبياء صادقين، أنبياء لا يتنبؤون بما سيحدُث في قادم الأيام والسنين، بل أنبياء يشعرون بما يشعر به الله ويُعلنون الحقيقة الإلهية. عندما نقرأ أسفار الأنبياء إشعيا وأرميا وحزقيال وهوشع وعاموس وميخا نعرِف معنى النبؤة فهم يُعلنون ألمَ الله على الظلم الذي يعيشهُ اليتم والأرملة والغريب والضعيف.

في قصّة التجلي ظهرَ ربنا لموسى (وهو يمثل الشريعة الكهنوت)، ولإيليا النبي (الذي يمثل الأنبياء) وكانت الناس تنتظر عودتهُ قبل ظهور الماشيحا. نحن نعرِف أن الله اختار إيليا ليواجه الملك آخاب والذي كان ملكاً فاسداً وفساده كان: أنه تزوّج بإيزابيل الوثنية والتي بنت هياكل بعل وأحضرت كهنة بعل فكان ذلك سبب عثرة الشعب وسقوطهم، لإنها قادتهم إلى عبادة آلهة غير الله.

وقفَ إيليا النبي وتحّدى الملك آخاب ليواجه كل كهنة بعل الـ 450، وقَبِل الملك آخاب التحدي. وتقول القصة أن الكهنة قضوا النهار كلّه في الدعاء والصراخ إلى آلهتهم، حتّى أنهم جرحوا أنفسهم، ولم يأتي لهم جواب (1 مل 18: 20- 29). ثم أصعدَ إيليا المحرقة  على مذبح مبني على إثني عشر حجراً وصلّى بمهابة وإحترام قائلاً:

"أيها الربُّ، إله إبراهيم وإسحق وإسرائيل، ليُعلَم اليوم أنّك إلهُ في إسرائيل وأني أنا عبدُكَ وبأمركَ قد فعلت كل هذه الأمور. أجبني يا ربُّ، أنت الإله، وأنك أنتَ رددت قلوبهم إلى الوراء" (18: 36- 37).

وقَبِل الله الذبيحة من دون أن يُهِلِكَ الإنسان نفسه. لأنها كانت ذبيحة الشُكر نابعة من قلبٍ مؤمن فرحٌ برحمة الله ومحبتهِ.

اليوم هناك مثل هذا العدد من كهنة البعل من حولنا يحاولونَ جرّنا لعبادتِهم، والغريب إننا نعبدهم فنقدم لهم من وقتنا وجهودنا وتعبنا. كم نذبح لآلهة الغنى والسلطة واللذة والمكانة المتميزة؟ كم من علاقاتٍ إنسانية تُقتَل يومياً من أجل أن نحصلَ على واحدة من هذه الآلهة البعلية، وكهنتها يطوفون من حولنا؟ لم نتعلّم أبداً أن هذه لن تُشبعنا، فالذي يطمح ليكون لهم مليون سيطمع بالمزيد عندما يحصل عليه، والذي يبحث عن اللذة سيُرهِق نفسه ليحصل على المزيد. والذي ينال منصباً سيُحارِب ليرتفِع ... أوَ لا نبحث جميعاً ليقول فينا الناس كلمة حسنةً ونكون محطّ رضاهم؟ أوَ لا نُرهِق أنفسنا جميعاً ليرضى عنّي فلان أو فلان؟ وكم من وقت وجهد وعلاقات نُضحي لنُحقق هذه؟ ونقضي الحياة كلّها نُتعِب أنفسنا ونُهلكها في البحث عن المزيد ليأتي صوت ربّنا قائلا: "تكفيكَ نعمتي"، ويُعلِن أوغسطينوس: "قلبنا لن يرتاح إلا فيكَ. كهنةُ "بعل" كثيرون هذه الأيام وهم يلتفون حولنا يُغرون الشبيبة بالأباطيل التي يعرضونها وبالعبادات المزيفة التي ينشرونها ويوهمون الناس بأنَ لنا فيها كل السعادة، وعلينا أن نعيش كهنوتنا النبوي في أن نفضحهم ونعلِن أن الله المحبة والغفران والرحمة هو كفايتُنا. لا يهم إن كنت غنياً أو فقيراً، إن كنتَ رئيسا أو مرؤوساً، سعيداً أم حزينا، المهم: أن تعملَ مشيئة الله وتعبدهُ هو وحدهُ.

من على الصليب يقول لنا ربّنا يسوع:

إنظر إليَّ، لستُ غنياً، بل فقيرٌ ومعدومٌ ولكني مؤمنٌ بأني في يدِ الآب الحنون: "يا أبتِ، في يديكَ أستودعُ روحي.

إنظر إليَّ أنا مُتألمٌ ومُعذبٌ جسدياً وروحيا ولكني مؤمنٌ بأني في يدِ الآب الحنون: "يا أبتِ، في يديكَ أستودعُ روحي.

إنظر إليّ مُهانٌ ومُستهزءٌ به ولكني مؤمنٌ بأني في يدِ الآب الحنون: "يا أبتِ، في يديكَ أستودعُ روحي.

إنظر إليَّ لا سلطةَ لي ولا مكانة متميزة بل مصلوب خارجَ المدينة ولكني مؤمنٌ بأني في يدِ الآب الحنون: "يا أبتِ، في يديكَ أستودعُ روحي.

إنظر إليَّ فإيماني بالله يجعلني نقيَّ القلب ليس لي ضغينةٌ وغضبٌ حتّى تجاه مَن عذبوني وعادوني، لأني جُعتُ وعطشتُ لبر الله الآب وهذا يكفيني.

ربّنا عاشَ التطويبات التي علّمها على الصليب فكان الأسعد على الأرض كلّها، لأنه لم يتعبّد لآلهة مزيفة، وكان حُراً بالكفاية ليكون كلّهُ لله، وهكذا أتمَّ كل النبؤوات لأنه كان يرى العالم بعيون الله، وهو يدعونا لأن نلتزِم العالم مثله: "آيتها المرأة، هذا أُبنُكِ" ... هذه أمُكَ". (يو 19: 26- 27).

         هذه الحُرية جعلتهُ ملكَ الملوك مثلما كتبَ بيلاطُس "بالعبرية واللاتينية واليونانية: "يسوع الناصري ملكُ اليهود" (يو 19: 19)، فأعلَن من دون أن يدري إنهيار ملكوت الشيطان الذي يُمثلهُ هو. يسوع هو الملكُ الذي حاربَ الشيطان وتغلّب عليه منذ بدءِ رسالتهِ، ثم عادَ وجمعَ لله شعباً دبّرهُ بمواهبَ عديدة، وهذه كانت أهمُ واجبات الملك: أن يرعى شعبَ الله وأن يُحارِبَ حروب الله، وحربنا مثلما يقول مار بولس هي ضد ظُلمات هذا العالم: "

"وبَعدُ فتَقوَّوا في الرَّبِّ وفي قُدرَتِه العَزيزَة تَسلَّحوا بِسِلاحِ الله لِتَستَطيعوا مُقاوَمةَ مَكايدِ إِبليس، فلَيسَ صِراعُنا مع اللَّحمَ والدَّم، بل مع أَصحابِ الرِّئاسةِ والسُّلْطانِ ووُلاةِ هذا العالَم، عالَمِ الظُّلُمات، والأَرواحِ الخَبيثةِ في السَّمَوات. فخُذوا سِلاحَ الله لِتَستَطيعوا أَن تُقاوِموا في يَومِ الشَّرّ وتَظَلُّوا قائِمين وقَدِ تَغلَّبتُم على كُلِّ شيَء. فانهَضوا إِذًا "وشُدُّوا أَوساطَكم بِالحَقّ والبَسوا دِرْعَ البِرّ وشُدُّوا أَقْدامَكم بالنَّشاطِ لإِعلانِ بِشارةِ السَّلام"، واحمِلوا تُرْسَ الإِيمانِ في كُلِّ حال، فبِه تَستَطيعونَ أَن تُخمِدوا جَميعَ سِهامِ الشِّرِّيرِ المُشتَعِلَة. واتَّخِذوا لَكم خُوذَةَ الخَلاص وسَيفَ الرُّوح، أَي كَلِمَةَ الله.

أَقيموا كُلَّ حينٍ أَنواعَ الصَّلاةِ والدُّعاءِ في الرُّوح، و لِذلِكَ تَنبَّهوا وأَحيُوا اللَّيلَ مُواظِبينَ على الدُّعاءِ لِجَميع القِدِّيسين ولِي أَيضًا لِيوهَبَ لي أَن أَتَكلَّمَ وأُبَلَّغ بِجُرْأَةٍ سِرَّ البِشارة، وفي سَبيِلها أَنا سَفيرٌ مُقَيِّدٌ بِالسَّلاسِل. عَسى أن أَجرُؤَ على التَّبْشيرِ بِه كما يَجِبُ أَن أَتَكَلَّم. (أفسس 6: 11- 20)

         يقول البعض: كيف لنا أن نقرأ قصص حروب الإبادة التي يأمر بها الله؟ كيف لنا أن نؤمِن بكتب العهد القديم وهي مليئة بهذه الصور؟ كيف نتقبل رفض الله لشاؤول الملك الذي أبقى على حياة ملك العماليق وخيرة غنمهِ واختار داود بدلاً عنه؟

         نحن نؤمِن بالكتاب المُقدس كلّه، ونؤمِن أن ربّنا يسوع المسيح هو الحمل الذي يفّك أختام الكتاب لأنه ذُبِحَ وآفتدى لله بدمه أناساً من كل قبيلة ولسانٍ وشعبِ وأمةٍ، وجعل منهم مملكة وكهنة يملكون على الأرض" (رؤ 5: 9- 10). فالمسيح يسوع هو الذي يُفسِر لنا الكتاب المقُدس، وفي نورهِ نفهم معنى كلمة الله، لأنه الكلمة صارَ بشراً بيننا.

أشارَ إلينا أوريجانوس كيف لنا أن نقرأ هذه القصص، قراءة روحية رمزية، فالله غيورٌ على شعبهِ ولا يقبل أن يُشاركه العهد آلهةٌ أخرى. وهناك عباداتٌ مزيفة تقفُ بيننا وبين الله ويجب أن تُبادَ جميعاً. فأن تعمل مشيئة الله يعني أن تعملها كلَّ حياتِك وفي كل جوانبها. تخيلوا رجلاً يُقدِم هدية لزوجتهِ في عيد زواجهم ويقول لها: أني أُحبُك وأمينٌ لك 95% من الوقت. هل ستفرح الزوجة بذلك؟؟؟

ربّنا يسوع رفض التلاعب مع الشيطان الذي يتهمُ الناس دوماً ويسعى ليُديمَ آلاعيبه بيننا. عندما أحضروا لربنا يسوع المرأة الزانية رفض أن يواصِلَ مؤامرتهم، فطالبهم بالتقدم لرجمها إن كانوا بلا خطيئة، فتراجعوا. ثم وقفَ وأعطى للمرأة حياة جديدة. بدءً جديداً: "إذهبي ولا تعودي إلى الخطيئة.

من على الصليب يقول لنا ربّنا:

إنتبهوا لأنفسكُم فأنتم كهنة وأنبياء وملوك، أحكموا مشاعركم وعواطفكم وأهوائكم، ولا تتلاعبوا ع شيطان الثرثرة القاتلة، ولا تدخلوا لعبة إتهام الآخرين وتبرئة أنفسكم. أغفروا وأنشروا السلامَ حيثما أنتم. كونوا ملوكاً في بيوتكم ولا تدعوا كهنة البعل يسرقون منكم أبنائكم في عباداتٍ تافهةٍ. عيشوا كهنوت المُصالحة ولتكون بيوتكم هياكل تمجّد الله دوما. وإذا رفضكم الناس فأفرحوا لأنكم بذلك تكونون أبناء الله تنشرون السلام حيثما أنتم. 

 

 

قراءة 285 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *