المواعظ
الجمعة, 14 نيسان/أبريل 2017 12:00

خميس الأسرار - دعوةٌ للمُشاركة في عشاء المحبّة

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

خميس الأسرار

دعوةٌ للمُشاركة في عشاء المحبّة

"قبل عيد الفصح، كان يسوع يعلم بأن ساعة إنتقالهِ من هذا العالم إلى أبيهِ قد حانت، وكان قد أحبَّ خاصتهُ في هذا العالم، فبلغَ به الحُب لهم إلى أقصى حدودهِ" (يو 13: 1)، فقام ليخدمهُم. كشفَ لنا ربّنا يسوع اليوم أن ساعة الإنتقال إلى أبيه هي "ساعة المحبة" حيث يخرُج من ذاتهِ ليكون إلى جانبِ الآخر في حاجاتهِ. هي ساعةٌ يترُك فيها الراعي خرافهُ التسعة والتسعين ويمضي في طلبِ الضال ولن يعود إلى الرعية إلا حاملاً إياهُ وفي عودتهما فرحةٌ للجميع. "ساعة الإنتقال، هي "ساعة المحبّة" ساعةٌ ينحني فيها أمام الآخر ليغسِل له قدميه اللتان سارتا طُرقَ هذا العالم وإتسختا به. فالمحبة هي التي دفعتَ الله الآب ليكونَ مع الإنسان، وهي التي سمعَت ورأت عذاب شعبه مصرَ العبودية وعذاب الإنسان المُستعبَد للخطيئة، فلبِسَ اليومَ حُلّة العبدِ ليغسِل تعَبَ الإنسان فيكونَ أهلاً للمُشاركة في وليمة المحبة التي أعدّها له، مأدبةٌ تستقبِل الجميع من دون إستثناء حتّى يهوذا الخائِن الرافض للمحبة. هكذا يكشِف الله عن قداستهِ فهو ليس إلهاً نخافهُ، بل إلهاً نُحبُه، تماماً مثلما جاءنا في الميلاد طفلاً يُحبَ ويُحتَضَن، هكذا يركعُ اليوم ليخدُمَ مُحباً.

المحبة التي يُبشِر بها ربّنا يسوع هي محبة خدومة تحتضنُ الآخر وتغفِر له زلاّتهِ. هي "إنحناءٌ رحومٌ نحو الآخر حتّى قبلَ أن يسأل الرحمة". هي "إستعدادٌ لقبولهِ مثلما هو والعمل على تغييره من حيثُ ما هو لا من حيث مٌا نُريد". محبةُ الله، حنانٌ ورحمة تجاه الإنسان من أجل المُشاركة في حياتهِ الإلهية، حياة المحبّة. ربّنا يسوع تجسّد لا ليتركنا حيثما نحن بل لينقُلنا معه إلى أبيهِ، فهو لا يعود إلى أبيهِ السماوي وحيداً، بل يجذب إليه جميع البشر (يو 12: 32)، فكل مَن هو مُستعدٌ لأن يُغسَل سيشترِك في إرسالية المحبّة هذه. محبّة الله لا تعرِف الحدود، الإنسان هو الذي يضعَ حداً لهذه المحبّة على حدَّ تعبير البابا بندكتُس السادس عشر.

محبةُ يسوع جعلتهُ يلتصِق بمَن يُحبهُم وعمِل على إزالةِ كل الحواجز التي تمنعهم من لقائه على نحو مُحب، على نحو أخوي. محبتهُ شافية ومُطهِرة ومُقدِسة. محبتهُ وخدمتهُ طهرّتهُم من مشاعر الكبرياء والمُفاخرة والبحث عن الأمكنة المتميزة أو المواقف البطولية: "مَن الأعظم بيننا؟ من الأول بيننا؟ مَن سيختاره المُعلّم ليكون على جنبِ اليمين واليسار؟ تطلّعات الرُسل هذه هي تطلّعتنا أيضاً، وهي سببُ خلافات وصراعاتٍ البشر في كل العصور. هذه كلّها تُبعدُ الناس عن بعضهم وتُشتتهم في صراعاتٍ، وحدها محبة يسوع تجمعهم (وتجمعنا)، فالتعلّق به يُوحدنا لأنه محبّة. لذلك اختار يسوع أن يكون في المكان الذي لا يتصارَع عليه أنسان ليواصِل العلاقة ويُديمها: الخادِم، لا بالتظاهِر بل من خلال خدمةً حقيقةً لا تقبل إعتراضات بطرس ولن تقفَ أمام خيانة يهوذا.

ربّنا كشفَ للكنيسة، لنا جميعاً، الطريق الحق للوصول إلى الله الآب: "مَن أرادَ فيكم أن يكون كبيراً، فليكن لكم خادماً". كشفَ لنا عن سرّه: هو الربّ، وربوبيتهِ هي من خلال الخدمة. فالطريق إلى الله يمر عبر خدمة القريب، فجعل ربّنا يسوع من نفسه القدوة والمثال، ليكونَ فينا نحن فكرٌ المسيح، فنسلُك في حياتنا مثلما هو يريد لا مثلما نُريدُ نحن. وأي أسلوب حياة غير ذلك يُعد خيانة للصداقة التي يعرضها ربّنا يسوع. فلا نستغرِب من أن حدثّ اليوم، تضمنَ خبر خيانةِ يهوذا حتّى بعد تناوله اللقمة من يد ربّنا يسوع. ومع أنها خيانةٌ إلا أنها لم تستطيع أن تمحو عمل النعمة الذي صارَ فيه، فندِم بعد تسليم ربّنا يسوع، فراح يعمل المستحيل ليُنقِذَ ربنا يسوع ولم يفلَح، فبقيَّ أسيرَ الظلمة التي دخلَ فيها منذ أن تناول اللقمة من يدِ ربنا يسوع وخرج عن جلسة العشاء (يو 13: 30)، شنقَ نفسهُ لأنه لم يؤمن بالغفران، فتحولّت ندامتهُ إلى يأسٍ، لأنها كانت ندامةٌ من دون إيمان، من دون رجاء.

اليوم، يدعونا ربّنا يسوع إلى أن نكون "مُشاركينَ معهُ في "فصحِه" عبور الله نحونا وعبونا إليه: "إصنعوا هذا لذكري"، ويُعيننا لتكون مُشاركتُنا تامّة. لم يقل "إحتفلوا متذكرين"، بل قال: "إصنعوا"، أي: "كونوا أنتم تواصلاً لهذا الفصحِ"، أن نصنع ما صنعهُ ربنا يسوع نفسه. فالإيمان به يعني تباعتهُ، وهذه ليست مُشاهدة بل مُشاركة. نحن مدعوون لأن نصنعَ ما صنعهُ هو: أخذ خبزاً من أرضنا وباركهُ وكسره وأعطاهُ لنا مُباركاً. أخذ ربّنا الخُبزَ لا ليُبقيهُ مُلكاً له، بل ليُباركهُ مثلما يقبل منّا في بدءِ كل قُداس عطايا الخُبزَ والخمرَ، ليُباركها ويُقدسها ويُعيدها الينا وقد تحولّت إلى ذاته. فهو يُبارِك كل ما يأخذه، وهكذا أخذ اليومَ الخُبزَ وبارك، باركَ الله مٌعترفاً بصلاحِ الله الذي باركنا بمحبتهِ، على الرغم من الضعف والشك والخيانة والخطيئة التي إتسمَ بها أصدقائهُ الرُسل. وهكذا نتعلّم أن نُبارِك كلَّ ما تُمسكهُ أيدينا، فلا نتعامل معه بأنانيةٍ وجشعٍ بل بمحبةٍ فنعترِف بتواضع أنه عطيةُ الله، وأن الآخرين ليسوا أعداءَنا يُنافسوننا على عطايا الله، بل همُ مُبارَكون معنا من أجلنا، ونحن مُباركونَ من أجلهم.

كم نحن بحاجةٍ اليوم إلى هذه الأياي التي تُقدس العالم. فكلما إستغل الإنسان العالم لمصالحهِ إشتعلت حروبٌ ونزاعاتٌ بين البشر. لذا، أخذ الخُبزَ وباركهُ وكسرهُ وأعطاهُ ليكونَ مأكلاً. فما نفعُ الخُبزِ إن لم يكن خُبزأً مكسوراً مأكولاً؟ أكلُه هو الذي يجعلهُ نافعاً وإن كان من أن هذا الأكل سيُفقده جمالَ منظره ورائحتهُ الطيبّة. الخبُز صُنعَ ليكون مأكلاً، ليكونَ خُبزَ الحياة.

         فإليك يا ربُّ نُصلي: حولّ إنساننا وقلبنا  ليكون الإنسان الذي تُريدهُ. باركهُ وقدسهُ مثلما تُبارِك وتُقدس الخبز والخمر ليكوناَ جسدَك ودمكَ، جسدُ الخدمة ودمُ الخلاص. طهّر حياتنا برحمتِك، لكي نمدد أيدينا فنقبل عطية جسدكَ ودمِك المُقدسين فيحولان أجسادنا لتكون جسدُك الذي فيه ومن خلالهِ تجذبهُ إلى أبيك. أقبل صلاتنا خاصّة من أجل كل الكهنة الذين يحتفلون كل قداس بعطية الخلاص التي أنعمتَ بها علينا، ليكونوا مثلما أنت: جسدَ المحبة السخي. 

قراءة 308 مرات آخر تعديل على الأحد, 23 نيسان/أبريل 2017 13:23

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *