المواعظ
السبت, 08 نيسان/أبريل 2017 09:18

عيد السعانين - هوشعنا لأبنِ داود

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

عيد السعانين

هوشعنا لأبنِ داود (متّى 20: 29- 21: 22)

تعلو هتافات الكنيسة اليوم كلّها مُرنمة: "أوشعنا لأبنِ داود، مُباركٌ الآتي بإسم الربّ"، لتحتفِل بذكرى دخول ربّنا يسوع المسيح إلى أورشليم، مُعلنةٍ إيمانها به أنه الملكُ الذي يستحقُ منّا كل الإكرام. الجموع التي جاءت إلى أورشليم لتحتفِل "بالفصح"، حيثُ عبرَ الله نحو الإنسان وخلّصهُ من عبودية مصرَ، ليكون بمقدورِ الإنسان أن "يتعبّد" له ويجعل عبوره إليه ممكناً، هذه الجموع هي نفسها التي إنضمّت إلى الرُسل الذين تبعوا ربّنا يسوع من الجليل في الساعة التي حددها الآب له، فملوكية ربّنا يسوع لم تكن أمنية أو رغبة تلاميذه، بل هو الذي هيأ وأعد لدخولهِ مُسبقاً وكان على الرُسل تنفيذ أوامرهِ. 

ولكن لما هتفت الجموع: "هوشعنا لإبنِ داود: خلّصنا يا إبنَ داود"؟ ولما اختارت الجموع أن تهتِف لداود الملك دونَ سواهُ؟

إحتفالية اليوم مليئة بالصور والرموز الكتابية ليس فحسب، بل حققت تطلّعات الناس الذين صلّوا ليأتيهم الملك المُخلَص، ابن داود ليُعيدَ لهم المجد والعهود والوعود. ربّنا يسوع حقق رجاء الشعب فكان "أعظمَ من داود". داود الذي وُلِد ونشأ في بيت لحمَ وأختاره الربّ من هناك ومسحهُ على يد صموئيل النبي ليكون ملكاَ عوضَ شاؤول الذي نبذه الربُّ لخطاياهُ. بيّن داود ولائه لله فعمل على توحيد الشعب وصلّى مُرنماً عظائم الربّ وتعبّد له حتّى في أوقات ضعفهِ، فلم يُبرر خطاياه ولم يتنكّر لها بل وقفَ طالباً الغفران مترجيا رحمة الله. داود الملك الذي أحضرَ "تابوت العهد" إلى أورشليم في إحتفالٍ مهيبٍ رقصَ هو أمامهُ فرحاً وجعل من حضور التابوتِ بركة وفرحة للفقراء: "بارَ الشعب بإسم ربَّ القوّات، ووزعَ على كل الشعبِ، على كل جمهور إسرائيل رجالاً ونساءً لكل واحدٍ رغيفَ خُبزٍ وكعكة بلحٍ وقُرص زبيبٍ" (2 صمو 6: 19).

وها لنا اليوم أعظمُ من داود، فالجميع يرنُم ويهتفُ أمام ملكِ الملوك ربنا يسوع المسيح المتواضِع في قدومهِ، فطلبَ جحشاً لم يركبهُ أحد، مثلما جعلَ داود "تابوتَ العهد" على عجلة لم يستخدمها أحدٌ، وفرشَ الناس ثيابهم أمامهُ في إعترافٍ صريح منهم بملوكية ربّنا يسوع، وراحوا يصيحونَ: "هوشعنا: خلّصنا". لذا، دخل الهيكل وطردَ كل ما لا يليقُ بالعبادة الحقّة، ومدّ يد السلام والشفاء لكل العميان والعُرجِ الذين كانوا في الهيكل، ليجعل من دخوله هذا إنتصاراً للإنسان فغلبَ الخطيئة ليكون القلبُ كلّه مُلكاً لله، وليملُك هو إلهاً على حياتنا.

ملوكية ربّنا يسوع ليست مثل ملوكية الإنسان اللاهِث خلف السُطلة والإنجازات والمناصِب والأمكنة المتميزة. فالناس هي التي هتفت له ونصبتهُ ملكاً، وحينَ أرادوهُ ملكاً دنيوياً رفضَ ذلِك بشكل حاسِم، وطالبَ المُلكَ لله. فالملكُ الدنيوي، مثلُ كل إنسانٍ، ومثلنا، يعشقُ السلطةُ ويدفعَ لأجلها كل غالٍ، وهو مُستعدٌ لأن يساوِمَ على كلِّ شيءٍ ليبقَ ملكاً. ملكٌ طاغيةٌ عنيفٌ يُريد أن يُخدَم وينشِد له الجميع أناشيد التبجيل. أما ملوكية ربّنا يسوع فهي ملوكية الخدِمة والشفاء والغفران ليُصالِح الإنسان إلى الله ويعود السلام إلى القلب، فعالمنا مُضطرِبٌ وإضطرابُه وفوضويتهِ علامةٌ على "غيابِ المحبة والسلامِ". لأن قلبَ الإنسان تعلّق بالأشياء والأحداث عوضَ أن يتعلّق قلبهُ بإنسان. فلا مجال اليوم لفرحِ الطفولة البريء بين أناسٍ أضحوا أعداء لا أصدقاء، والسبب هو: إننا نتوهَم كلَّ مرّة أن فرحنا وسعادتنا مُؤسس في تعلّقنا وتملكنا لشيءٍ أو لمنصبٍ أو مكانةً أو إنجازٍ أو ثروة، والحقيقة التي يُريد أن يكشِفها لنا ربّنا هي: أن فرحنا آتٍ من خلال إرتباطنا بشخصٍ نُحبهُ ونُكرمهُ، ونحن مُستعدون من أجل أن نبذُل كل شيءٍ من أجل محبتهِ، والله هو أول مَن يعيش هذه الصداقة.

فكيف يُمكن أن تتحقق هذه الملوكية في حياتنا؟ وهل أن الاحتفال بالسعانين يقتصِر على حمل أغصان الزيتون والهُتاف لربّنا: "هوشعنا لأبنِ داود"؟

بالطبعِ لا. فمن أجل أن يكون السعانين سعانين القلب، علينا أولاً أن نطلُبَ نعمة البصر، لأن لنا عيونٌ ولكنها لا تبصِر حضورَ الله، فالقلب مُنشغلٌ ومشغولٌ بالكثير، ويتطلّب تطهيره "نورا ولمسة إلهية" تشفيه من عماه حتّى نتخلّص من كل ما هو ثانوي، وعل كل ما يشغلنا من أن نُقدِم الإكرامَ الواجِب لملِك الملوك. فالفساد يُعمي قلوبنا وصارَ لزماً ليتطهّر القلب منه، وصارت حياتنا مليئة بالفائِض وحان الوقت لننزعَ عنّا هذه الأثقال وما نعتقده "مهما" للحياة ونفرشها أمام ربّنا يسوع، في فعلِ طاعة تامّة له. إلهنا يُريدُ بحضور ربّنا يسوع المتواضِع أن يمُسَ قلوبنا ويشفيها من عماها، لا بثورة عنيفةً، بل بلمسة تشفي قلوبنا من الكذبُ والنفاق والغش والسرقة والرياء والغضب والعداوة والإحتيال.

يُقدِم ربّنا يسوع نفسه اليوم لنا "هيكلاً" ندخلهُ لنتصالحَ مع الله الذي ابتعدنا عنه بخطايانا ونصبّنا لحياتنا آلهةً أخرى إلى جابنهِ نعبدها ونُقدِم لها الإكرام والذبائح، ونبياً يفضحَ زيفَ تديننا الذي يجعلنا نتعامل مع متطلبّات إيماننا تعامل الصيارفة مع حُجاج هيكل الله، وكاهناَ وذبيحةَ مُصالحةٍ: "إهدموا هذا الهيكل وأنا أبنيهِ في ثلاثةِ أيام، وكان يعني بذلك هكيل جسدهِ". 

سعانينٌ ربّنا يسوع تدعونا لأن نتحرر من عبودية الملوك الذين نصبّناهم على حياتنا ونترُك أمكنتنا التي تعوّدنا عليها ونتبعهُ هو في الطريق الذي يتقدمُنا فيه. ربّنا ليس مُرشداً أخلاقياً يُعلِّم كيف نكون سُعداء، بل ربٌّ يسير أمامنا ليكشِف لنا كيف يُمكن أن "نكون الإنسان الذي خلقهُ الله على صورتهِ ومثالهِ". إنسان صديقٌ لله، لأن الله "يحتاجُنا": "الربُ بحاجةٍ إليه"؟ فإذا كان الله بحاجة إلى الجحش ليجعل دخولهُ إلى أورشليم إحتفالياً، فكم هو بحاجةٍ إلينا ليكون "ملكاً" على الكون؟

علينا أن لا ننتظر أن يقوم ربّنا يسوع بثورة لتغيير الآخرين، بل نسألهُ بتواضع أن يُغيّرنا نحن، ويشفينا من أمراضنا ويسند ضعفنا، وهذا يتطلّب وجود إنسانٍ حُر، قادرٌ على أن يتخلّى عن كل شيءٍ ليكون مثلما هو من دون ٍ خوفٍ أو خجلٍ أمام ربّنا يسوع ليُشفى وليتبعاه. في إنجيل مرقس والذي سجّل هو أولاً هذه الحادثة، يكتُب أن الأعمى تركَ كلَّ شيءٍ، حتّى الرداء الذي كان يملكهُ ويحمي جسمهُ، وإلتحقَ بموكبِ يسوع الملك.

فليُعيننا ربّنا ليكون دخولنا معهُ صادقاً حتّى نُكمِل المسيرة معه حتّى الجلجلة لننعمَ بفرِح القيامة. 

 

عيد السعانين

قراءة 980 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *