المواعظ
السبت, 18 آذار/مارس 2017 20:22

الأحد الرابع من الصوم - أعمال الرحمة: تحمّل الأخطاء بصبرٍ

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد الرابع من الصوم

أعمال الرحمة: تحمّل الأخطاء بصبرٍ (متى 21: 23- 32)

سأل رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب ربّنا يسوع عن السُلطان الذي به يُعلَّم ويتحدّى سُلطانهم الذي نالوه بوضعِ اليد، فسألهم عن إرسالية يوحنّا ومصدرها، ولم يُجيبوه صراحةً، لا عن جهلٍ بالأمرِ بل عن خوفٍ وقسوة قلبٍ. عند ذاك، واجههم بالحقيقة وهي: أنكم خطأة وقُساة القلب، لأنّكم، ومع معرفتِكم بالحقيقة، إلا أنكم تخشونَ قولَها والإعتراف بها لئّلا تُطالبُكم بالتوبة. حياة الإنسان تشهدُ لإيمانهِ، وإذا كان يوحنا المعمذان وغيره من الأنبياء يسعون لتمجيد الله الخالِق وتشهد لهم حياتهم، فليسوا بحاجةٍ إلى تعريف الناس بالسلطان الذي لهم: يكفي أنهم يطلبون المجد لله لا لأنفسهم، وهو ما يفعلهُ ربّنا يسوع. جدالهُ وحواره مع رؤساء الكهنة كشفَ عن نوايا قلوبهم وفضحّ أفكارهم: هم سألوه ليُحرجوه ويُمسكوا عليه مأخذاً ليُحاكموه أما هو فسألهم ليُواجهوا الحقيقة مثلما هي لا مثلما يُريدون أن تكون، حقيقةٌ يسعونَ إلى إخفائها، ومن ثمة يتوبوا وينعموا بغفران الله. في موقفهم هذا إنكشفوا على أنهم ليسوا جديرين بأن يكونوا معلمي وقادة للشعب، لأنهم مستعدون لأن يكذبوا على الله وعلى أنفسهم وعلى الآخرين حفاظاً على "مناصبهم" وخوفا من الحقيقة.

ثم روى لهم مثلاً وقدّم تعليماً عن الآب السماوي الذي يتحمّل بصبرٍ رفض الناس وخطاياهم. بعضهُم يستيقظ على حقيقة علاقتهِ وبُعدهِ عن الله (خطاياه) كما حصلَ مع الآبن الأول ومع العشارين والزواني، وغيرهم يواصِل العناد بل يقسوَ أكثر من ذي قبلِ على الرغم من تنبيهات الله له. محبّة الآب جعلتهُ يتحمّل عصيان إبنهِ فلم يُعاقبهُ لمخالفتهِ آوامره، ولم ينزَع عنه إمتيّاز البنّوة، بل تركهُ وأعطاه المُهلَةَ ليُفكّر ويعودَ إلى رُشده نادماً على ما قالهُ لأبيه: لا أُريد. تابَ مثلما تابَ العشارون والزواني الذين كانوا مٌحتقَرينَ من قبل الجميع، وعادوا إلى الله الآب الذي يُحبُهم. تعليمُ ربّنا يسوع كان يُشير بوضوح إلى موقفِ الله إزاء مواقف الإنسان. هو نفسهُ ربّنا يسوع نفسه، تحمّل بصبرٍ صفعةَ حرسِ رئيس الأحبار وتحدّاه ليُشيرَ إليه أين الخطأ في ما قالهُ في وجه رئيس الأحبار، ولم يُجيب على سؤالهِ. غضبهُ وحماسهُ لصالحِ رؤسائه جعلهُ يُخطأ التصرّف، لكن صبرَ ربّنا أدخلهُ إلى ظُلمتهِ الداخلية وكشفَ له: "أنّك على خطأ". صبرهُ لم يكن يعني التغاضي عن خطايانا، بل منحهُ فرصة ثانية وثالثة للعودة إليه، حتّى يومِ الحساب وفيه يُجازينا بحسب تجاوبنا مع محبتهِ.

كثيرة هي المرّات التي قُلنا فيها "نعم" لدعوتنا المسيحية، ولكننا لم نشهدَ لهذه الـ"نعم" واقعاً في حياتنا، فأخطأنا شاهدةٌ على أننا بعيدون عن الله فكراً وقلباً، بل ترانا نعيش حياتنا وكأننا لسنا بحاجةٍ إلى الله: "هذا هو الوارث تعالوا نقتلهُ ليكونَ لنا الميراث". ولكن الله، وبمحبتهِ التي تصبُر علينا وتتحمّل خطايانا يفتح أبواب التوبة من جديد أمامنا للعودة إليه، ويُعيننا في أن نُكمِل إلتزامات هذه الـ"نعم" بذات الحُب الذي أحبنا به. لذا، تدعونا أمنّا الكنيسة لأن نتشبّه بأبينا السماوي والذي تألمَ مراراً من رفض الإنسان له، ولكنه تحمّلهُ بصبرٍ مُحِب. لقد كشفَ ومن خلال أنبيائه في العهد القديم عن "آلمهِ" إزاء خطيئة الإنسان وعن قرارِ ترِكَ الإنسان، لأن محبتهُ وقداستهُ تجعلهُ أميناً على الوعدِ الذي قطعهُ على نفسه حتّى لو لم يكن الإنسان، شريكهُ في العهد، أميناً، والسبب هو كما يقول هوشع: "لأني أنا الله ولستُ الإنسان" (هو 11:9). إلهُ رحيمٌ ورؤوفٌ طويلٌ الآناة كثير المراحِم والرحمة، ويحفظُ الرحمة لألوفٍ ويغفرُ الذنبَ والمعصية والخطيئة". هذا الصبر ليس "رُخصة" لمواصلة الخطيئة، بل دعوةٌ للتوبة" (يوئيل 2: 12)، ويومَ يتوبُ الخاطئ يخلُص وتنالَ الخليقة مجدها كما حصلَ مع يونان في نينوى.

لذا، وتشبهاً بالله المحبة والرحمة والحنان والرأفة، تُعلّم الكنيسة أن تَحمُّل خطايا الناس وأخطائهم هو أحد أعمال المحبّة الروحية، إذ فيه، نوجّه أنظارنا إلى الخير والإحسان الذي في قلبِ الخاطئ ونتجاوز خطاياهُ وهفواتهِ، مؤمنين أن الله خلقهُ إنساناً صالحاً مع أنه يُخطأ المسيرة دوماً. تماماً مثلما نفعل نحن أيضاً. ففي تحمل خطايا الآخرين بصبرِ نعمل، وبمعية الروح القُدس الذي فينا، لنُسيطر على غضبنا ونتحّكم في مشاعرنا، ولن نسمحَ، وعلى مثال الله الآب، لخطايا الآخرين أن تُسيّر قراراتنا، بل نعمل على أن نُعطي لهم الفرصة الثانية والثالثة ليعودوا إلى رُشدهِم ويستيقظوا من غفلتهِم ويتوبَوا عن خطاياهُم.

ربّنا يسوع المسيح، وكما سمعنا من الإنجيل، أصغى إلى أسئلة رؤساء الكهنة، وإستمعَ إلى جدالات الفريسيين، وواجهُ كذبهم وزيفهم، وتحمّلهم لكي يفهموا ويتوبواً، وهذا لأنه أحبهُم وأرادَ أن يُصغوا إليه ويفتحوا أبواب قلوبهم له. علّم رُسلهُ، وعلمّنا، أن نكون على مثالهِ "صبورين" إذا لم نجد ثمار الخير في الآخر. العملُ مع الخاطئ ليتوبَ ويُثمر خيراً وصلاحاً صارَ شهادة على إيماننا، مثلما فعل الفلاح مع ربّ الكرمة (لو 13: 6- 9). علينا أن نصبرُ ونتحمّل رفض الناس فلا نُسرِع إلى الإنتقام غضباً مثلما طلبَ الرُسل منه (لوقا 9: 55). الغضبُ أو الإنسحاب من العلاقة أو الحوار ليس الحل الأمثل في مثل هذه المواقف، بل المحبة التي تتفهم خطيئة الآخر وأخطائه، وتسمح له بالعودة.

بُشرى الإنجيل اليوم هي: أن الله الآب لا يتأثر برفضنا التجاوبَ مع محبتهِ، وبتكاسُلنا من الإلتزام بكل ما تتطلّبهُ دعوتنا المسيحية. إلهنا لن يتخلّى عنّا حتّى لو ابتعدنا عنه في خطايانا. إلهنا، ولأنه الآب المُحب الرحوم والطويل الآناة ينتظرنا لنتوبَ إليه. هو لم يُوبخ الابنَ على جوابهِ: "لا"، ولم ينزع عنه صفة البنوة، بل يتوجّه بالدعوةِ نحو الآخر منتظراً جوابَ الشفاه والقلب معاً: "نعمٌ أمينةٌ" لأن الله كان أميناً معنا طوال المسيرة.

فالإيمان بالله لا يعني الإعترافَ به رباً وخالقاً فحسب، بل التمثلُ به، هو الرحيم والطويل الآناة والمُحبِ، فهذه هي دعوة الربّ لنا: "تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم. اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم، لأَنَّ نِيري لَطيفٌ وحِملي خَفيف" (متّى 11: 28- 30). 

 

 

الرابع من الصوم

قراءة 882 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *