المواعظ
%PM, %04 %539 %2017 %14:%آذار

الأحد الثاني من الصوم - أعمال الرحمة الروحية: "نُصح الخاطئ"

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد الثاني من الصوم

أعمال الرحمة الروحية: "نُصح الخاطئ" (متى 7: 15- 27)

الكنيسة، شعبُ الله بحاجةٍ إلى أنبياء صادقينَ، أي كلُّ مَن يعيش إيمانهُ في شهادة حياةٍ صادقةٍ، فيكون شجرة مُخضّرة ومُثمرة في نفسِ الوقت، ويُصبح بنعمةِ الله قديساً، بنى بيتهُ على صخرِة الإيمان، عاملاً كلَّ شيءٍ لمجد الله. ففي زمن الصوم المُبارِك هذا، تدعونا أمنّا الكنيسة لنفحصَ ضمائرنا بنزاهةٍ وصدقٍ أمام الله، لئّلا نكون أولئكِ الأنبياء الكذبة، الذين لم يعملوا لبُنيان الكنيسة لتكونَ شعبَ الله، بل كانوا يطمحون إلى بُنيان اسمهم ومكانتهم وإمتيازاتهم.

ما تميّز به الأنبياء الكذابون في العهد القديم هو عدم قول الحقيقةِ، ومجاملاتهم أمام الملوك خوفاً أو طمعاً بمكسبٍ أو بإمتيازٍ. هم عاينوا الخطيئة ولم يفضحوها. سكتوا على الظلم وعلى قول الحق. فلنتأمل اليوم في أحد أعمال الرحمة الروحية وهي: "نُصحُ الخاطئ" وإرشاده إلى الحقيقة ليستيقظ من غفوته ويتوب إلى الله، فنكون أنبياء صادقينَ.

ربّنا منعنا من أن ندينَ الآخرين، أي من تجربة الجلوس على كرسي الحُكم وإرسال الناس إلى الهلاك الأبدي، ففي ذلك نُزيحُ الله ونُنصبَ أنفسنا آلهةً تقضي بين الناس. لكنّه قال: "إن أخطأ إليكَ أخوكَ فأذهب وعاتبهُ بينك وبينهُ" (متّى 18: 15). وعادَ بولس وأكّد على ضرورة هذا السلوك عندما خاطبَ كنيسة غلاطية قائلاً:  "أيُّها الإِخوَة، إِن وَقعَ أَحَدٌ في فَخِّ الخَطيئَة، فأَصلِحوه أَنتُمُ الرُّوحِيِّينَ بِروحِ الوَداعة" (غلا 6: 1).

إلهنا أولَ مَن مارسَ عمل الرحمة الروحي هذا، فهو لم يقبل بما عمله داود الملك، فأرسلَ إليه النبي ناثان ليُعرفّه بخطيئتهِ. لم يهب النبي قوّة الملك وبطشه بل عرّفهُ بجسامة الخطيئة التي اقترفها. ولم يحلو لله الآب أن يرى خطيئة أهل نينوى الوثنية فأرسل لهم يونان ليُوقظهم على الرغم من إعتراضات النبي. وتحدّى ربّنا يسوع الجميع عندما أحضروا له المرأة الزانية، فخزيوا من سؤالهِ، ولكنه وجّه المرأة لتنظر بصدقٍ إلى حياتها، ووهبَ له حياة جديدة عندما غفرَ لها خطاياها، وبعثها من جديد. نظر إليها بإحترام ومحبةٍ صادقة وصبرٍ مثلما يراها الله. إلهنا خلقنا على صورتهِ ونفخَ فينا نسمةَ الحياة، فلا يُمكن للخطيئة أن تُدمّر توجه الخير الذي فينا، لذا، يبعث أنبيائهُ وهم بشرٌ مثلنا، ليواجهوا الخطيئة مثلما هي من دون مجاملاتٍ.

لربما نتردد في ممارسة هذه الخدمة خوفاً أو خجلاً من أنفسنا لأننا عارفون بجسامةِ أخطائنا والتي تمنعنا من نُصحِ الآخرين؟ هذا الخجل هو البداية الصحيحة للكون نبياً صادقاً، فأنا لا أدين القريب، بل أُشعرهُ بفظاعة الخطيئة لأني أختبرها شخصياً مُصغياً لعمل الروح القدس في قلبي الذي يُشعرني بجسامتها.

إلهنا يُريدنا أن نكون حُراساً امناء على إخوتنا لاسيما إن إبتعدوا عنه وراحوا يبحثون عن السعادة في غير مكانها الصحيح. مساعدة الأخ في التحرر من الخطيئة والعودة إلى الطريق الصحيح، عملٌ من أعمال الرحمة الروحية، مع وعينا لصعوبة هذه المهمّة لأننا نعيش في وقتٍ لا نقبل فيه إنتقادات الآخرين، بل نخاف قولَ الحقيقة لئّلا نخسر علاقتنا بهذا أو ذاك، ونُجامِل مراراً على حساب الحقيقة. وهكذا، ترانا نقبلُ بواقع الشر والخطيئة ونتكيّف معه.

طلبَ ربّنا يسوع منّا أن نقومَ بنُصحِ الأخ الخاطيء وأن نقوم بعمل الرحمة هذا بمحبّة وتواضعٌ، وذلك من خلال الحديث إليه بسريّة فلا يشعر بحرجٍ، فنحافِظ على شرف إسمه وكرامته بين الناس، ونُحدّثهُ بلطفٍ وصبرٍ لأننا نُحبهُ هو، على الرغم من أننا نكره خطاياهُ. محبتنا له تدفعنا لأن نعاتبهُ ونوبخهُ إن تطلّبَ الأمرُ، وإن لم ينفع معه الأمر، نطلبُ مساعدة الكنيسة، وإن لم يسمع نُصلي من أجله. هذا الموقف، نابعٌ من محبتنا للقريب والتي تجعلنا نتمنّى له الخير دوما ونعمل ليتحقق هذا الخير. محبتي للآخر تعني أن أتمنّى له الخير، وأن أعمل على أن يسير في طريق الخير دوماً، فلا يخطو خطواتٍ تقودهُ إلى الخطيئة والهلاك، ولا يسير في طريق الخاطئين، ولا يُجالس الأثمةَ، بل، أحرص، وبروح متواضعةٍ من دونٍ تكبّرٍ أو تعالٍ أن أكون له الرفيق والصديق الحق. وهكذا نُؤسس كنيسة المسيح المبنية على محبة الأخوة المُتبادّلة، وسعيهم لبٌنيان واحدهم الآخر.

ممارسة هذه الخدمة تُجنبُنا الكثير من الخطايا أولها "السُخط والغضب". فعندما نلحظُ أن أحدُهم يُخطأ إلى الله أو إلى القريب، نستاءُ ونغضبُ من حالتهِ الخاطئةِ، ونشعر برغبةٍ شديدة في مواجهتهِ ومعاقبتهِ ولربما وإهانتهِ ليكونَ عبرةً لغيره، وفي ذلك نُهينُ كرامتهُ كإنسان. نحن مدعوون لأن نكون مثل الله أبينا، نُحبُ الخاطئ ونكره الخطيئة. ولكن، عندما لا نواجهُ بخطيئتهِ صراحة، يدفعنا المُجرّب إلى إهانتهِ عن طريق الحديثُ عنهُ في غيابهِ فنسقط في خطيئة أخرى وهي "خطيئة الثرثرة" وبث الإشاعات عنهُ، وهذه نميمةٌ وأغتيابٌ، واللسان على صُغرهِ نارٌ قاتلةٌ  (يع 3: 5- 12). والبابا فرنسيس يُسميها "إرهابُ الثرثرة". فعندما نمارس عمل الرحمة الروحي هذا فنحن نعيش مسؤولية "الأخوة" التي أنعمَ الله بها علينا عندما جمعنا بمحبتهِ إخوة وأخوات في كنيستهِ. 

الثاني من الصوم

قراءة 1314 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *