المواعظ
%PM, %11 %540 %2017 %14:%شباط

الأحد السادس من الدنح - ربّنا يسوع المسيح: عطيّة الخلاص من الله إلى الإنسان

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد السادس من الدنح

ربّنا يسوع المسيح: عطيّة الخلاص من الله إلى الإنسان (يو 3: 22- 4: 3)

قدّم يوحنا المعمذان، وهو يُمثل "نبؤات العهد القديم" شهادات عديدة أمام الجموع وأمام تلاميذه تكشِف عن هوّية ربنّا يسوع: هو حمل الله الحامِل خطايا العالم. هو عطيّة الخلاص التي يهبُها الله إلى الإنسان. هو العريس الذي سيُبهجُ الرعية. ربّنا يسوع المسيح هو هبّة الله لنا، عطيتهُ وعلينا أن نقبل هذه العطية بإيمان مسؤولٍ، فنعمل على أن يكبرُ الله فينا ويتعظّمُ اسمهُ دوماً من خلالنا: "ليروا أعمالكم الصالحة فيمُجدوا آباكم الذي في السموات".

إنجيلُ اليوم يحكي لنا قصّة يوحنّا المعمذان الذي أختبرَ الخلاصَ الذي أنعمَ الله به على العالم بيسوع المسيح، ورأي فيه يد الله المُخلصِة. عندما جاء تلاميذ يوحنا يشكون إليه نجاح يسوع في رسالته، طلبوا منه تفسيراً، فلم يسمعَ لشكواهم وشكوكهم، بل قدّم لهم تعليماً وكشفاً إلهياً. كلُّ شيءٍ هو من الله فلا داعي للخوفِ. ونجاحُ ربنا يسوع هو فرحٌ يوحّنا، إذ إكتمَلت كل النبؤات، وفي ذلك درسٌ لنا، نحن أبناء حضارة التنافس الحسود التي أتعبتنا وجعلتنا في تيهٍ من أمرنا، بل الأتعسُ من ذلك كلّه، هو أننا مراراً نُضيّع هويتنا المسيحية في خضمٍ هذا التنافس البطّال والذي يملأنا حسداً وغضبا كلّما نجح القريب في مهمّة أو إنجاز, لطالما أقلقنا "نجاح الآخرين" وغيّر أسلوب حياتنا وصيّرنا خائفينَ منهم عوضَ أن نكونَ للربّ شاكرين. إذا حصلَ القريب أو الصديق على نجاح أو شهرةٍ أو مال أو مكانة عالية، تغلغلَ الحسدُ فينا وسمحنا للمُجرّب أن يهمُسَ في آذاننا غاضباً ويقول: أنت أفضلَ منه! أنت أذكى منه! أنت تستحقُ هذا النجاح! وهكذا ترانا نتراكض هنا وهناك في تنافس رديء لنُبرهِنَ للجميع: أنني أفضل من هذا وذاك، ولربّما نحاول الاساءة إليه وإلى سمعته وكرامته بين الناس.

كشفُ يوحنا اليوم هو شهادة وتوبيخٌ لحضارة التنافس المُتعجرف التي تتحدانا اليوم. جاء تلاميذهُ ليُجرّبوه قائلينَ: أنت مُعلّمنا، وها هو ينجح اكثر منك وتزداد شعبيّتهُ!!! فأعلنَ يوحنا: رسالتي كانت: أن ادعو الناس إلى التوبة وأعدّ طريق الرب، ليعودا إليه تائبين ويقبلوا حضورهُ بينهم، وهذا هو فرحي: نجاح رسالة يسوع المسيح، لأن نجاحهُ هو تحقيق لرسالتي ورغبةُ مَن أرسلني: الله الآب، وهذا هو الأمرُ الأهم: أن تكمُلَ إرادة مَن أرسلني. هو الماشيحا وهذا ما أعلنتُه منذ البدء، وما أنا إلا صديقهُ، صديقُ العريس وعليَّ أن أُعِدَّ كل شيء، وأتأكد من أن العُرس سيكون على أفضلِ شكلٍ ممكن. جئّتُ ليعرِف العالم مَن هو المُخلِص، يسوع المسيح ونجاحهُ لن يكون سبباً للحزن أو النزاع أو المُخاصمة، بل داعياً للفرح. نجاح الآخر هو فرحي. مثل هذا الكشفٌ ليس مقبولاً بالنسبة لنا لأننا معتادونَ على الحطِّ من نجاح الآخرين والإستخفاف بهم، وحتى إهانتهم ومحاولة البحث في الماضي العتيق لنقول للجميع: هو فاشل ... هي فاشلة ... هو لا يستحق هذا الإنجاز ... يوحنّا يقترح علينا اليوم تصرفاً آخر: عوضَ أن تجعل نفسكَ منافساً للآخر، كُن صديقه، وافرح لفرحه، وستنعم بحياة أبدية.

كما كشَف لنا يوحنّا أيضاً عن أن ربّنا يسوع هو العريس. إلهنا وملكُنا بادرَ بالخلاص فتجسّد وكان حضوره مع الإنسان حضور العريس مع عروُسهِ، حضور فرحٍ. و"العريس" هو أحد الألقاب التي اتَّخذها الله لنفسه ليكشِف عن عظيمَ محبتهِ للإنسان. هذا الحُب الذي يبرز من خلال مشاعر الحنان والمودة والرحمة التي يكنها الله لشعبه. حبٌ غيور على شعبهِ، فيغضب عندما يبتعد الشعب عنه، ويعدها خيانةً وزنى. وأشارَ أنبياء العهد القديم إلى أن الله هو العريس الذي اختارَ شعبهُ من بين كل الشعوب وباركهُ وزينهُ بكل النعم ليكونَ شاهداً له بين الأمم، لكنَّ الشعبَ، عروسهُ، حادَ عن الطريق فتركَ الله وراح يذبح ويتعبّد لآلهةٍ أخرى من صنعِ يديه، أو مخلوقات خلقها الله، مما استدعى غضبَ الله على خيانة الشعب. إلا أن محبتهُ هي التي انتصرت على خطايا الإنسان وخياناتهِ، لأنها محبةٌ أبدية أمام زمنية الإنسان. حَملَ العريس خطيئة العروس وعارها على نفسهِ وغفرَ لها خياناتها المتكررة، فأعادَها إلى بيتهِ وزيّنها بكل ما فقدته هي بالخطيئة وأعادَ لها المجد والكرامةَ. فمحبة الله أقوى من موتِ الخطيئة، وهذه المحبة كفيلةٌ بأن تخلقَ في الإنسان قلباً جديداً يحمل حُباً وولاءً لله.

فالله إذ يُطلِق على نفسه لقبَ العريس، فانما ليُعبّر عن محبتهِ للإنسان، بل أن ما يُميّز الزمن المسيحاني هو أنه زمنُ محبة الله المُخلِصة، وهذا الزمنُ بدأ مع ربّنا يسوع المسيح، هو العريس الذي جاءَ ليُحرر شعبَ الله، مثلما أعلنهُ الأنبياء. فشهِد يوحنا اليوم أن ما يحصل على يد ربّنا يسوع هو عطيةٌ من السماء، فالله أعدَّ لنا عُرساً بيسوع المسيح. يسوع، عهد النعمة الأبدي ما بين الله وشعبهِ، وتحقيقٌ لوعدِ الله في الأنبياء. فبشارة إنجيل اليوم هي أننا مدعوون بربّنا يسوع ومعه إلى عُرسٍ، وهذا العُرس صارَ لنا نعمةً بيسوع المسيح، عطيّة الآب. علينا أن نقبلَ البشارة فحسب، بل أن نُظهِر في حياتنا اننا فرحونَ بهذه الدعوة، وحياتنا تشهدُ على هذا الفرح.

لنشكر الله خالقنا على عطيّتهِ، ربّنا يسوع المسيح. لنُصلِّ إليه لنتمكّن من أن نحمل هذا الفرح في حياتنا، ونتقاسمهُ مع الآخرين حُباً وخدمة واعتناءاً ولطُفاً وسلاماً، فهذا هو فرحُ ربّنا يسوع المسيح:  "قُلتُ لكم هذا ليكونَ فرحي فيكم ويكون فرحكم كاملاً" (يو 18: 15- 18). لنشكرَه إذ بادرَ وأحبّنا واختارنا لنكون كنيسة يسوع المسيح، أصدقاء يسوع. والصديق معنيٌّ بكل ما يلزم لنجاح عُرسِ صديقه، وهذا يعني أن صداقتنا ليسوع ليست لنا مبعثَ افتخار، بل تحمل لنا واجبات ومسؤوليات علينا أن نعمل جاهدين ليفرحَ العالم بحضور الله فيه.

 

السادس من الدنح 

قراءة 1479 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *