المواعظ
%PM, %05 %861 %2017 %22:%شباط

صوم الباعوثا - الرحمة والخطيئة والتوبة

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

صوم الباعوثا

الرحمة والخطيئة والتوبة

"كانت كلمة الربَّ إلى يونان بن آمتاي قائلاً: "قُم آنطلِق إلى نينوى المدينة العظيمة، ونادِ عليها، فإنَّ شرّها قد صعِد إلى أمامي". تفتح كلّمة الله لنا هذا الزمن المُبارَك في حياتنا، زمنُ التوبة والذي فيه نتذكّر كيف ترأف إلهنا بشعبِ نينوى، فأيقظهُم بمناداة يونان فأصغوا إليه وتابوا عن خطاياهم، جاعلين حياتهم كلّها تحت أنظار الله الرحوم.

إلهنا محبّة ومحبتهُ تغفر لمَن يفتح قلبهُ له حتّى لو كان مُلطخاً بالخطايا. إلهنا لم يرغب هلاك نينوى فأرسل لهم نبياً، يونان، يُنادي بينهم: "خطاياكم تدمر حياتكم" إلهنا محبّة ولا يُريد هلاكَ الإنسان، وعندما يرى الإنسان يُدّمر حياتهُ بعبثية قراراتهِ، يُوقظهُ ليتنبّه ويعودة إلى نفسه ويهتدي إلى الله أبيهِ. وهو يُواصِل يوميا ًتنبيه الإنسان، تنبيهنا، ليستيقظ ويرى تبعات الشر الذي يصنعهُ بأخيه الإنسان، فهذه الخطايا وهذا الشر يُحزِن قلبَ الله لأنه يُؤلِم أحباء الله، ونحن نعرِف أكثر من غيرنا ما نتائج الشر الذي حصلَ في نينوى اليوم، فلقد دمّر حياة مئات الآلاف من الأبرياء، وشرّدهم مُهجرون بيننا.

أيام الباعوثا الثلاثة وقفات نبوية لنستيقظ لنداء الله بالتوبة والعودة إليه من خلال التأمل في قصّة الله مع نينوى، والتمعّن في تفاصيل حياتنا نحن اليوم الذين لا نختلِف في شرورنا عنهم. نحن خطأة مثل كل إنسان يولَد على الأرض، ولكننا خطأة بشكل شخصي أيضاً. ففي هذه الأيام لن نتأمل في الخطيئة، وخطيئة الناس، بل في خطايانا الشخصية. في هذه الأيام الثلاثة نذكر في صلاتنا وتأملاتّنا وقراءاتنا ثلاثُ حقائق إيمانية: رحمة الله التي تُمكّن الإنسان من أن يتوب عن خطاياهُ ويهتدي إليه. الرحمة والتوبة والخطيئة. هذه الحقائق تُشكّل كل إيماننا المسيحي، ولا يُمكن الحديث عن واحدة منها من دون الأخرى.

نبدأ في التأمل في خطيئة الإنسان، خطيئتنا تحت أنوار كلّمة الله.

تتحدّث الصفحات الأولى من الكتاب المُقدس عن الله المُحِب والذي بمحبتهِ أبدعَ لنا هذا الكون لنحيا فيه لا ككائنات تأكل وتشرب وتتزاوج، بل لنكون شُركاء لهُ فنواصِل عمل الخلقة الذي بدأه لنا، ونضمنُ حياة كريمة للجميع. إرادة الله كانت منذ البدء أن يكون مع الإنسان: عمانوئيل، وأن يكون معه مُحباً بسخاء، فلم يحتفِظ لنفسه بشيءٍ، بل أعطى للإنسان كل شيءٍ. خلقهُ على صورتهِ كمثالهِ. نحن مدعوون لا لنكون بلا خطيئة، بل مدعوون أن نعيش البنوّة، لأن نكون قديسين. هذا ممكن إن آمن الإنسان بالله وبإرادتهِ المُحبّة وواصل الحياة مُصغياً إليه فيتحرر من "أناهُ" ليكون مُطيعاً للذي خلقهُ: "أما الذين قبلوهُ وهم الذين يُؤمنونَ بإسمهِ فقد مكنّهم أن يصيروا أبناء الله" (يو 1:12)

فالإنسان لم يرغَب بهذه الشراكة وفضل العيش وحيداً لأنه سمِعَ إلى همس الحية: المُجرب والتي يقول عنها الكتاب المُقدس: "أحيل جميع حيوانات الحقول" بمعنى: أكثرهم خبثاً. المُجرِب علّم أبوينا: إنكما لستما بحاجة إلى الله. الله ليس إلهاً موثوقاً به. هو لا يُريد لكما الخير. أنتما قادران على أن تكونا آلهةً من دون الله فتقرران ما الخير وما الشر. أصغى أبوينا الأولين إلى هذه الهمسات الخبيثة، ليجعلا من أنفسهما منافسين لله. بمعنى آخر: رفضا أن يقبلا وجودهما كـ"مخلوقين على صورتهِ ومثالهِ"، وهكذا أفسدا العلاقة مع الله، ثم سيُفسدان علاقتهما مع بعضهما البعض. لقد زرع المجرّب في الإنسان الشّك بالله: الله لا يُريد لكما أن تعرفا كل شيءٍ. الله يُريد أن يحافِظ على إمتيازاتهِ. الله ليس جديراً بالثقة وعليكما أن تعيشا حياتكما بعيداً عنه وإذا حاولَ أن يتدّخل فأعرفا أنه يُريد أن يسلبُ منكما الكرامة. ولم يعرفا أن الله دعاهما ليكونا آلهة ولكن به ومن خلالهِ، في الشِركة معه.

صدقَ أبوينا همسَ المُجرِب، مثلما نُصدقه نحن يومياً. إنسان اليوم مازال يحاول نفس التجربة: "يُريد أن يكون إلهاً يُعبَد من دون نعمة الله وعونهِ". خسر الإنسان صداقةَ الله وكانت النتيجة أن الإنسان بدأ يتهرّب منه خوفاً من المحاسبة، ويختبأ من الله خوفاً من العقاب، فلقد إنكشَفت الخدعة والكذبة، وإنتصر الخوف من الله ومن الآخر. كلّما أراد أن يُنصبَ نفسه إلهاً يُعبَد ينشر الرُعب والخوف والموت بين البشر. حياة الإنسان البعيد عن الله: خوفٌ وموتٌ، وعندما يرفضُ الإنسان الله، سيبدأ برفض القريب: "حواء: ليست العون الذي أريدهٌ في حياتي". قايين: "أنا لستُ حارساً على أخي". وهكذا دخلت الخطيئة بعصيانِ شخص واحد وإنتشرَت حتّى تُهلِكَ العالم (الطوفان 6: 13- 15). لقد رفض آدم أن يكون بقُرب الله. رفض أن يكون إبناً لله من خلال رفض أبوّة الله والعيش بعيداً عنه (لو 15: 11- 13): "لا أريد أن أكون في بيتِك، لا أريد أن تكون أبي، أعطينى الورث فأنت ميّت بالنسبة لي". هذه هي الإهانة التي يُوجهها الإنسان إلى الله في كل خطيئة يقترفها.

الإنسان إذن هو الذي قاطعَ الله، ولا يستطيع أن يُصالِح الله أو يعوّض عن الإهانة التي اقترفها ضدّ الله. ففي الإنسان إمكانية مقاومة الله ورفضه (الخطيئة الأصلية)، ورغبةٌ في الإنفصال عن الله، وعليه أن يسعى جاهداً ليتحرر من أثرِها وتأثيراتها ليكون حُراً لله، وهذا ما عجزَ عنهُ دوماً بنفسه فكان عليه أن ينتظر رحمةِ الله. ولأن الله محبّة، ومحبتهُ أبدعَت الحياة وخلقت الإنسان، ستغلبُ هذه المحبّة على خطيئة الإنسان بالرحمةِ التي يفيضها عليهِ ليحفظ له الحياة فلا يهلَك الإنسان بخطاياهُ. لا يُمكن للإنسان أن يعوّض عن الجرح الذي حصل في علاقتهِ بالله، وليس بمقدوره أن يُحقق هذه الشِركة، المجروح والمُهان هو وحده قادرٌ على أن يُعيد للعلاقة بهائها الأول بالغفران الذي يمنحهُ، شرطَ عودة الإنسان إليه لينعَمَ بهذا الغفران. فيُضحى الإيمان (الطاعة) شرطاً لإبقاء العلاقة وديمومتها. وسيقبلُ ربّنا يسوع المسيح الصليب ليُكشِف عن طاعةٍ تامّة لله بخلاف عصيانِ آدم، ويمنح من على الصليب غفرانهُ لمَن لا يطلبهُ.

محبّة الله أنقذت نوحَ وعائلتهُ من دمار الخطيئة، وعادَ الله واختارَ إبراهيم ليُبارِك به ومن خلاله جميع عشائِر الأرض. محبة الله تجاوزت للإنسان عصيانهُ وشروره، ووقفَ الله يقرعُ باب قلب الإنسان القاسي ليفتَح له الإنسان، وأعطى الله الإنسان الوصايا (الشريعة) بموسى ليُساعده ليضبُط إندفاعاتهِ وغرائزه فلا يتمادى في الشر، بل يعرِف كيف يُحافِظ على حقِّ الآخر في العيش كريما. وهكذا سيتمكّن من تحرير حياتهِ لكن يقومَ ويفتح الباب، حتّى يُنعِم الله على الإنسان بالسُكنى عندهُ. لن تكون الوصايا والشرائع سبب التبرير، بل وسيلة مُساعدة له ليتمكّن من القيام من الأسر الذي جعلَ نفسهُ فيه ويُحرر حياتهُ من القيود التي كبّلتهُ فيفتح الباب وينعم بالشِركة مع الله من جديد.

ولكنّ الإنسان أعترَف بأهمية وجود الإله في حياتهِ، ولكن أرادهُ إلهاً تحت سيطرتهِ، فيقول لنا الكتاب المُقدس أن بنو إسرائيل صنعوا عجلاً من ذهبٍ وسجدوا له. ذبحوا له الذبائح ليهدأ غضبهُ على الإنسان، عوضَ أن يُكملِ الإنسان إرادة الله ويقبَل صداقتهُ. وهي خطيئة أخرى: محاولة السيطرة على الله وإشراكُ آلهةٍ أخرى معه من صنعِ الإنسان نفسه. وهي رفضٌ لله من جديد، وتحريفٌ في هوية الله الذي ينتظر عودة الإنسان. فإلهنا ليس إلهاً ذبحُ له ليهدأ غضبهُ، بل هو إلهُ قدّم حياة إبنه يسوع المسيح لنهدأ نحن عن فوضويتنا ونعود إليه.

رفض السماع لله يعني لا يوجد حق ولا عدالة ولا رحمةٌ على الأرض، لأن الإنسان يرفض أن يعرِف الله ويعترِف به إلهاً أوحد: نشر الأكاذيب، التغاضي عن النهب، الفساد في القضاء، شهادة الزور، الرياء. الزنى وعدم الأمانة، القتل واغتصاب الحقوق، فلا حياة كريمة على الأرض، لأن الإنسان، كل إنسان يُريد أن ينصِب نفسه إلهاً. لذا، وقفَ الأنبياء ليدافعوا عن حقّ الله في الوجود إلهاً أوحد، وليُعيدوا إلى الإنسان الكرامة السلوبة بالخطيئة. كل خطيئة يرتكبُها الإنسان ستُدمّر حياتهُ لأنها تجرحُ قلبَ الله وتُهلِكَ حياة مَن يُحبهم الله؛ الفقراء والمساكين والمُستضعفينَ الذين يقعون ضحية شرّ الإنسان وقسوة قلبهِ (أوريا إنموذجاً). ربّنا يسوع يقول: من قلب الإنسان تنبعثُ مقاصد السوء: الفحش والسرقة والقتل والزنى والجشع والخبثُ والغشُ والفجور والحسد والنميمة والكبرياء (مر 7: 21- 23). وعلى الإنسان أن يسعى ليُحرر نفسه منها ليكون كلّياً لله. نفهمُ إذن لماذا قالَ ربّنا يسوع: "ما جئتُ لأبطِلَ الناموس بل جئتُ لأكملِ" (متّى 5: 17)، فكمال الناموس هو في محبّة الله ومحبة القريب.

ولأن الله محبّة فلا يستطيع أن يرى الإنسان يُدمّر ذاتهِ بنفسهِ، لذا، يُرسِل كلمتهُ من خلال أنبيائه ليُذكر الإنسان بضرورة التوقف عن الشر الذي يعملهُ ليعود إلى الله الذي يُحبه ومحبتهُ تغِفر له. توبة الإنسان ممكنة لا لأن الإنسان قادرٌ على التعويض، بل لأنه مؤمنٌ ومُؤَمنٌ بمحبة الله التي تُعينهُ على العودة وطلب صداقة الله من جديد. أن يقبَل أن يكون الله إلهاً أوحد، وأن يكون الإنسان عبدهُ ذي القب الجديد، قلبٌ آمينٌ يُصغي إلى كلمة الله ويعملُ بها، ليس لأنها مكتوبة على لوحين من حجرٍ، بل لأنها مكتوبة في القلب المُطَهَر بمحبة الله. محبّة الله ستجعلهُ يبحث عن الإنسان الضائع بعيداً عنه ليحملهُ ويعود به إلى الحظيرة ويستمتِع بالآمان مع الجميع تحت رعاية الراعي.

العودة إلى البيت الأبوي ضرورة للتنعمُ بالغفران الذي وُهِبَ للإنسان. يُبشر ربّنا يسوع بأن الطاعة لله ولما يُريده هو السبيلُ للتنعمُ بحياة أفضل للإنسان، بل أن الطاعة تصنع المعجزات مثلما حصل مع يونان وأهل نينوى، تابوا وجاءت توبتهم مثمرة. محبّة الله أمينةٌ مع الإنسان ولن تتغيّر بتغيّر الإنسان. خطايانا لا تُسيّر قرارات الله، لأن الله أرادَ أن يكونَ في شِركة مع الإنسان منذ البدء. إلهنا يستخدِم الخطيئة، وهي سلاحُ المجُرب، ليكشِف عن عظيمَ محبتهِ للإنسان، وفي ذلك يُجرّد المُجرّب من أسلحتهِ. محبّة الله تجعل التوبة ممكنة، وعلى الإنسان أن يُؤمِن بهذه المحبة ويعود إلى بيت أبيهِ ليستمتع بفرح البنوة من جديد. التوبة (العودة) ممكنة لأن الإنسان عارفٌ بأن الله سيغفِر له إذا سأل الغفران منه.  التوبة تعني: وصلتُ إلى حقيقةٍ أنني لا أستطيع العيش كريماً من دون الله. كرامتي كإنسان مُرتبطة بكوني مخلوقُ الله ومحبوبهُ: "هذا هو إبني الحبيب عنه رضيتُ" (مر 1: 11). التوبة تعني أن أعيش هذه البنوة من خلال أسلوب حياة مُميّز: "يرون أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذي في السموات" (متّى 5: 16).

فلا ينتظر الله منّا فعل التوبة والإهتداء إليه فحسب، بل العيش "أبناءً له، أحبائهُ". التوقف عن الخطيئة هي الخطوة الأولى، فهناك محبّة تنادينا، الإهتداء والعودة إلى الله الرحوم هي الخطوة الثانية لأن الله أعدّ عُرساً، الإستمتاع بفرحِ العودة هي الخطوة الثالثة والمُكمِلَة فالغلبة هي لله وليس للخطيئة. فصوم الباعوثا ليس لنُكمِل وصية الكنيسة فحسب، بل لنتوقّف عن الطريق الذي فيه ومن خلاله سنُدمّر حياتنا، ونعودَ إلى الله أبناء أحباء، ليُعلَن فينا ومن خلالنا إنتصار الله. 

 

صوم الباعوثا

قراءة 3735 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *