المواعظ
%AM, %24 %326 %2016 %09:%كانون1

عيد الميلاد - "هلُّمَ بنا إلى بيتَ لحمَ، فنرىَ ما حدّث"

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

عيد الميلاد

"هلُّمَ بنا إلى بيتَ لحمَ، فنرىَ ما حدّث"

 يجمعنا ربّنا يسوع، كلّمةُ الله، اليوم لنحتفِلَ بعيد ميلادهِ، إذ زارنا راغباً في أن يكون قريباً منّا، بيننا: عمانوئيل، وفي قُربنا منه سنكون أكثر قُرباً من الإنسان أخينا. ميلادُ دعوةٌ  للنهوض من "المكان" الذي نحن فيه، والذهاب إلى حيثُ الطفل، وفَهِم الرعُاة هذه الرسالة فتحدّثوا فيما بينهم قائلين: "هلُّمَ بنا إلى بيتَ لحمَ، فنرىَ ما حدّث". هذا القيامٌ ممكن لمَن يعرِف السهَر والتيقظ وإنتظار الفجرِ، إنتظار الله والذي لم يُعد في غاية الأهمية في حياة الإنسان. نحن لسنا مثلهم، فالله لا يحتل عادة مكانة مهمّة في حياتنا، وليس له المكان الأول، فالأمكنة الأولى مشغولة بأشياء وقضايا دنيوية زائلة. نحن مشغولون ومنشغلونَ بأمورٍ كثيرة، والحاجة هي إلى واحدٍ، وحاجتنا الأهم هي: الله، وهذا ينقُصنا. الكراهية والحقد الحروبٌ والصراعات والعنف والخطيئة كلّها إشاراتٌ واضحة على أن الله مُغيبٌ عن عالمنا، وكلّما أرادَ أن يقترِب ويكون إلى جانبِ الإنسان، لن يسمح له الإنسان بذلك ولن يُعطيه المكان الكافي. لذا، تأتينا البشارة اليوم: "ها أنا اُبشركم بفرحٍ عظيمٍ يكون للعالِم كلّه، وُلِدَ لكم اليوم مُخلصٌ".

فرح الخلاص الذي دُعي إليه الرُعاة اليوم هو: في الله خلاصنُا. الله هو سلامنا، هو حاجتُنا الأهم. العالم اليوم بحاجة إلى الله، إلى المحبة، إلى الحنان، إلى الرحمة، إلى الغفران إلى المُصالحة. عالمُنا يصرخ متوجعاً من هول العنف والحروب والتشّرد والتهجير. يتألم ويصرُخ من شّر الخطيئة، لذا، تأتينا دعوة الملائكة اليوم لتوجهنا إلى ربّنا يسوع المسيح، كلمةُ الله، الذي بشّرنا أن خلاص العالم وفرحهُ هو في محبّة الله وغفرانهِ. هذه المحبّة وهذا الغفران يبحث اليوم عن قلوب الناس المُحبّة ليسكُنَ فيها ولا يجد الله مكاناً، فالأبواب مُغلقة والقلوب منشغلةٌ، وعندما لا يجد الله مكاناً في قلب الإنسان، لن يجد الإنسان مكانا ًلأخيهِ الإنسان.

ليس لهذا المُخلص جيوش مُرعبةٌ، ولا يُمكن لطفلِ المذود أن يُثيرَ في الآخرين مشاعرَ الخوف والعداوة والخصومةِ حتّى يحذروهُ ويخافوا منه أو يتجنبّوه. إختارَ الله، كلّيُّ القُدرة والمحبة في زيارتهِ لنا أن يكونَ طفلاً صغيراً فيجذبنا إليه في فقرهِ وتواضعهِ متضامناً معنا. هو يُريد محبتنا لأنه محبّة، ومحبتهُ لنا جعلتهُ صغيراً، طفلاً َ يُمكن لنا أن ننحني نحوهُ ونقبلهُ ونحبهُ ونحتضهُ لأنه طفلٌ لا يُخيف، فالله يُريد في زيارتهِ اليوم أن يجمعَ حولهُ كل العالم. فرحُ اليوم ليس لنا فحسب، بل هو للعالم أجمع، عالمُنا المُبتلَى بالحقد والحسد والكراهية والنزاعات والحروب لأن المحبة تنقصهُ. يأتينا طفلاً بحاجة إلى أن يُحَب، ليقول لنا: أن ما يحتاجهُ الإنسان، كل إنسان هو المحبة، فقدموا المحبة لتنالوا السلام، سلامُ القلب وسلامٌ مع الله. لذا، فإلهنا لا يتعبُ من أن يُولَد ولا يملُ من دعوتهِ لنا للإحتفالِ بميلادهِ، لأنه يعرِف أننا نؤمِن بميلادهِ مع أننا نستصعبُ تحقيقهُ واقعاً في حياتنا، لأن عيدُ الميلاد ليس دعوة للإحتفال فحسب، بل دعوةٌ للتوبة وللإهتداء. لأن نسمحَ له بأن يُولِدنا من جديدا.

إخوتي وأخواتي،

عيد الميلاد هو عيدُ الخلاص والفرحٍ: فالله آتٍ إلينا، ولكن هذا الفرحُ لا يتحدد بالتهاني التي نُقدمها وبالهدايا التي نُعدّها، بل بالخلاص الذي نقبلهُ في حياتنا. بالمحبة التي نتقاسمها مع الآخرين. بالرحمة التي يُبارِكنا بها الله نعمةً ونُقدمها لإخوتنا فعلُ شكرٍ لله. إنظروا كيف حوّلنا زيارة الله هذه إلى قصةٍ جميلة نرتاحُ لسماعها، وحدثٌ ننتظره من أجل التهرّب من ما يُريدهُ الله، فننشغلُ بتحضيرات الميلاد وبالتهاني الدنيوية، والحال، أن الله أرادً في زيارتهِ أن يُحدِث تغييراً جذرياً فينا لنترِك مكاننا ونذهبَ لنلتقيهِ. هو يُقدِمُ الخلاص، وهذا الخلاص يتطلّب أن نقوم من الأمكنة التي تعودّنا عليها، لنذهَب إلى المكان الذي يُريدنا الله أن نكون، مثلما دعا الرعاة اليوم، فلبوّا النداء على عجلٍ: "هلُّمَ بنا إلى بيتَ لحمَ، فنرىَ ما حدّث". لم يذبحوا عجلاً إحتفالاً بولادة المُخلص، بل قاموا على عجلٍ تاركينَ مراعيهم وأسرعوا حيثُ الطفل ومريم ويوسف، وعادواً ليكونوا مثل الملائكة مُبشرينَ بما قالَ لهم الملائكة وما شاهدوهُ.

إحتفال الميلاد لا يحتاج إلى هدّية، بل يحتاج إلى قلوبٍ مُفرَغةَ من الخطيئة لتستقبلهُ بفرحٍ، فيكون الله هو "الأهم" في حياتنا. الميلاد بحاجة إلى سهرٍ الرُعاة وشجاعتهم للتجاوبِ مع دعوةِ السماء.

الميلاد بحاجة إلى يقظةِ المجوس وحماسهم وإستعدادهم للقاء الملِك حتّى لو كان لوقت قصير. الميلاد بحاجة إلى التأمل في الكُتب لأن الله لم يُقرر صُدفةً أن يكون معنا، فهذه هي إرادته منذ البدءِ والتي لم يتعب من أن يُعلنها دوماً بلسانِ الأنبياء في العهد القديم، وأرادَ اليوم أن يوجزها ببساطةٍ: "أنا إلهُكم. أنا هو فرحُكم، اقبلني إلهاً أوحد في حياتك لتتمكّن أن تقبلَ قريبَكَ أخاً، وهكذا يُولدُ السلامُ في القلب وتشعُ المُصالحةُ بين الناس.

الميلاد بحاجة إلى قبول خلاص الله للتحرر من الخوفِ والحسد والغضب والكراهية والعداوة والخصومةِ والخطيئة، فرحمةُ الله أعظمُ من خطايانا، ومحبتهُ ترحمُ قساوة قلوبنا ويُطهرها من أنانيتنا ويُزيل عنها الغضب والحسد والغش والنفاق والكذب ونمدُ يد المُصالحة الصادقة إلى الآخرين. فلنسمح لله بأن يولَد، ففي ولادتهِ نعمةُ السلام لقلوبنا المُضطربة، فهذا الطفلُ جاء ليُزيّن قلوبنا بالمحبة والتواضع والمُسامحة والغفران والمصالحة والصدق والأمانة والمودة واللطف.

اليوم يدعونا ربّنا يسوع لنستقبلهُ فرحةً وُهِبَت لنا نعمةً، ويُريدنا أن نُشارِكَ الآخرين، لاسيما الفقراء والمهمَشين هذه الفرحة. ربّنا علّمنا قائلاً: "إذا صنعتَ وليمةً لا تدَع الذين يدعونَك بدورِهم، بل أدع الذين لا يدعوهم أحد والذين لا يُمكنهم أن يدعوكَ بدورهم (لو 14: 12- 14). لذا، أود أن أدعو الجميع إلى التوجه إلى مُخيمات المُهجرين قسراً من الموصل وسهل نينوى، ويدعو إلى فرحةِ العيد عائلة تقضي معهم النهار، فنعيشَ معاً فرحةً الميلاد، فرحة زيارة الله لنا. إلهنا نفسهُ خصص لنا وقتاً بل صارَ واحداً منّا لا لنحتفلَ به مرّة في السنة، بل ليكون هذا أسلوبَ حياتنا. إلهنا عرّف عن نفسهُ منذ الأزل أنه مع الجائع والعطشان والمُهَمَش والفقير والمريض.

فلنطلُب منه أن يُبارِك ميلادنا هذا بالمحبّة التي نتقاسمها فرحاً مع إخوتنا وأخواتنا جميعاً. 

قراءة 1461 مرات آخر تعديل على %PM, %11 %722 %2016 %19:%كانون1

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *