المواعظ
%AM, %04 %939 %2016 %00:%كانون1

الثاني من البشارة - بشارة مريم: بشارة الخدمة

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الثاني من البشارة

بشارة مريم: بشارة الخدمة (لو 1: 26- 56)

لمّا لم يعرِف الإنسان كيف له أن يتحّد بالله خالقهِ، إنحنى الله نفسه نحو الإنسان ليجعل هذا الإتحاد ممكناً. هذا هو معنّى عقيدة التجسّد، فالله لم يتجسّد ليُظهِرَ نفسه للإنسان قديراً جباراً، بل صارَ إنساناً بيننا، بشرٌ مثلنا ليكشِف لنا عن عظيمَ محبتهِ، وليُمكننا نحن أيضاً من أن نعيشَ هذه المحبة إن كان فينا طاعةُ الإيمان. طاعةٌ إيمان مثل طاعةِ إمنا مريم التي سمِعَت بشارة الملاك: "السلامُ عليكَ يا ممتلئةً نعمةً الربُّ معك"، ووضعت حياتها كلّها في خدمة هذه الكلمة، وراحت تخدُم، وفي طاعتها فهِمَت معنى البشارة. لم تبحث عن براهين، بل خرجت تبحث عن إليصابات، فوجدت أن الروح القُدس هيأ لها تحيّة أخرى: "مُباركةٌ أنت بين النساء، ومُباركةٌ ثمرةُ بطنِك، من أين لي أن تأتي أن تأتيني أمُ ربّي". فقدّمت أمنا مريم نفسها مثالاً للكنيسة التي يُريدها الله في العالم: كنيسة تُصغي، كنيسة تخدُم وكنيسةُ تُمجّد. ومثلُ هذه الكنيسة لن تقوى عليها أبواب الجحيم. 

كثيرون منّا يعتقدون أن أول ما يطلبُه الله منّا هو أن نتجنّب الخطيئة والابتعاد عن المُحرمات لنكونَ صالحينَ ويجازينا الله على طاعتنا. لذا، يخافُ الإنسان الله ويسعى ليُرضيهِ وليتجنّب غضبهُ. وحدها المسيحية تُبشرنا بأن كلمة الله الأولى هي: "لا تخفَ يا زكرياً" ... "أفرحي يا مُمتلئة نعمةً". كلمة الله الأولى كانت "بُشرى فرحٍ وإطمئنان" ليرتاحَ قلبُ الإنسان المُضطَرِب ويهدأ، حتّى يعرِف كيف يُصغي لأن الله يطلُبُ أولاً قلباً مُصغياً ثم تقدمةَ حياةٍ تامّة له: "أنا أمةُ الربّ، فليكُن لي بحسبِ قولِكَ"، وشهادة حياة لحضور الله المُنعِم في حياتنا وإستعداداً للخدمةِ، ففي هذا سنكونُ مُباركينَ. الإستعداد لخدمة الله يعني الذهاب حيثُما يُريدنا الله، وقدّمت أمنا مريم شهادة حيّة لمعنى زيارة الله لها من خلال زيارتها للآخر المُحتاج، فخدمةُ الآخرين تجسيّد حي لمعنى زيارة الله لنا، فهو جاء ليخدُمَ لا ليُخدَم. يروي لنا آباؤونا الروحيون عن تلميذٍ سألَ معلمهُ الروحي: "يا مُعلم هل عليَّ أن أهتمَ بالحاجات الروحية أم بالحاجاتِ المادية؟ فأجابَ المُعلمُ: إذا كانَ الأمرُ يتعلقُ بكَ، فاهتم بالحاجاتِ الروحية، وإذا كان الأمرُ يتعلّقُ بالقريبِ، فأبدأ إذن بحاجاتهِ الماديةِ. 

نحن نؤمِن أن الله، بدافع محبتهِ، أخذَ جسداً بشرياً، وقَبِلَ تبعات هذا القرار أي أن يحيا واقعَ الإنسان وطبيعَتهُ، فبارَكَ الحياة الإنسانية بسُكناهُ ليدُلَنا على الطريق إليه. إيماننا المسيحي ليس قبولاً عقلياً للحقائق الإيمانية التي تعلنها الكنيسة، ولا يتحدد بتطبيق وصاياه، ولن يُبارَكنا الله لأننا لم نفعل الخطيئة، إيماننا يعني التقرّب المُحِب من المحتاجين، لأنه عرّفَ نفسه به. الإتحاد بالله فنُسلّم حياتنا له في فعل طاعةٍ مُحبّةٍ، ونُظهِر هذا التسليم من خلال شهادة حياة المحبة التي نعيشها مع إخوتنا وأخواتنا، ففي ربّنا يسوع المسيح صارَ الله إنساناً، وصارَ صديقاً وأخا لنا ليُصيرّنا إخوة وأصدقاء مع الآخرين على حدّ تعبير البابا بندكتُس السادس عشر. 

المحبة هي التي دفعت الله لأن يتحرّك باتجاه الإنسان المعُذَب بفوضوية قراراتهِ واختياراتهِ. الإنسان هو الذي قرر الابتعاد عن الله، ولكن محبة الله رافقت الإنسان حتّى في عصيانهِ: "وصنع الرب الإله لآدم وامرأته أقمصة من جلد وألبسهما" (تك 3: 21). محبتهُ أمينةٌ حتّى لو أخطأ الإنسان وإبتعد عنه، ولا يُمكن الله أن لا يُبالي بما يُعانيه الإنسان، حتّى اذا كانت هذه المعاناة نتيجة ذنب الانسان وإرادتهِ الحرّة. فلزِمَ الأمرُ أن ينزل الله ليُصلِحَ ما أفسده الإنسان وليُصالحهُ إلى قلبهِ. الله، ولأنه ثالوث محبةٍ وشِركةُ المحبة، أرادَ أن يُشركنا في طبيعتهِ الإلهية، لذلِك تُرتل الكنيسة ممجدةً محبّة الله: "الأزلي هو الأعظم من الجميع، تواضعَ بمحبتهِ، ليرفعَ الوضعاءَ إلى اسم ربوبيتهِ، ويُصعِد الأرضيين الى درجة لاهوتهِ، ويفتح لهم كنزَ حكمتهِ، ويغتنوا ويُدبروا غناهُ، فيكونَ لهم الفرح من دون خوفٍ، ويملكونَ من دونَ يأسٍ". (مدراش الأحد الأول من موسم البشارة: الطقس الكلداني). 

مسيحيتُنا هي: "شغفُ الله بالإنسان"، وهو قرارُ الله منذ البدءِ، وهذا الشغف يُعطي لحياتنا معنى: "نحن أحباؤهُ" "نحن مَن يُحبهم حتّى أنه بذلَ إبنه الوحيد لكي لا يهلَك كلُّ مَن يؤمِن به". وحينما نتجاوب، بطاعة الإيمان، مع محبة الله لنا، ونؤمن بها في يسوع المسيح، ونقبلها بشهادة حياتنا، حينها يكون لقاؤنا بالآخر، لقاء الروح القُدس المُفرِح، مثلما آلتقت أمنا مريم بإليصابات. أمنا مريم لم تنعَم برؤية مثلما حصل مع زكريا، ولكنها سمعَت، وتحدّثت بأقل ما يُمكن من الكلمات لتسمعَ أكثر مما تتكلّم، وقبِلَت كلمةُ الله في احشائها وفي قلبها بالايمان وستصير هذه الكلمة محور حياتنا وأعمالها. 

لم تتعالى أمنا مريم أمام الجمعِ بأن الله زارها زيارةً خاصّة، ولم تتفاخَر بأن تحمل للعالم المُخلَص، بل راحت تُبشِر به واقعاً، فكانت زيارتها لإليصابات زيارة الروح القُدس الذي رتّل فيها أجمل صلاةٍ. لم تدخل بيت زكريا لتنقل لهم ثرثراتٍ وأقاويل تشوّه سمعةَ الآخرين، ولم تفتح الكلام بسؤال إليصابات عن آخر الإشاعات، بل راحت لتُعظِمَ ما صنعهُ الربُّ في حياتها خادمةً. فلنطلُب منه نعمةَ الزيارة المُبارِكة للأقرباء والأصدقاء والمعارِف، حتّى نشهد لحضورهِ المُحِب بيننا.

قراءة 1449 مرات آخر تعديل على %AM, %04 %943 %2016 %00:%كانون1

1 تعليق

  • تعليق نصير ابراهيم حنا %AM, %06 %176 %2016 %06:%كانون1 أرفق نصير ابراهيم حنا

    أمين

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *