المواعظ
%AM, %19 %333 %2016 %10:%تشرين2

الأحد الرابع من تقديس البيعة - "كونوا قديسيين كما أن أباكم السماوي قدوسٌ هو"

كتبه
قيم الموضوع
(1 تصويت)

الأحد الرابع من تقديس البيعة

"كونوا قديسيين كما أن أباكم السماوي قدوسٌ هو" (عبر 9: 5- 15)

نُعلِن في قانون إيماننا: "نؤمن بكنيسة واحدة جامعة مُقدسة رسولية". وتُوقفنا هذه العبارات لنسأل أنفسنا: كيف أن الكنيسة مُقدسة ونحن أعضائها، وجميعنا يعرِف أننا لسنا قديسيين، بل خطأة وخطايانا أمامنا كل حين، مثلما يُعلِن المُزمّر (51: 3)؟ كيف يُمكن لنا أن نُعلِن "أن الكنيسة مُقدَسة"، وحالنا يؤكِد الضعف وعدم الأمانة لمتطلبّات مسيحيتنا وللدعوة التي دُعينا إليها: "كونوا قديسيين كما أن أباكم السماوي قدوسٌ هو"؟ ونواصِل إعلان الإيمان: " نؤمن بكنيسة واحدة جامعة مُقدسة رسولية". الكنيسة، وبشهادة أعضائها، ليست مقدسة مثلما أنها ليست واحدة!

فكيف تتقدس الكنيسة؟ ومَن ذا الذي يُقدسها؟ وكيف يقدسها؟ كيف لنا أن نُحقق دعوة الله لنا: "كونوا قديسين كما أن أباكم السماوي قدوسٌ هو"؟

الله هو الذي يُقدِس الكنيسة بيسوع المسيح. فالإنسان إعتاد للذهاب إلى الهيكل ليُشفَى من أمراضه الجسدية، ومن خطاياه (امراضاه الروحية)، وليتعلّم شريعة الله. هوذا ربّنا يسوع يُقدِم نفسه هكيلاً جديداً، هيكلاً روحياً حيث يُعلّم الإنسان ويشفيه من أمراضه الجسدية والروحية. بل أن الله كشفَ في ذبيحة ربّنا يسوع المسيح عن إنتصاره على خطيئة الإنسان وعصيانهِ، فدعاهُ ليُصبِح "إبناً لله"، وقديساً مثلما أنه هو "قدوس". هي "مسؤولية الله"، فيُبادِر بها نعمةً "وتعاون الإنسان". فقداسة الكنيسة ليست في قداسة حياتنا، بل هي في قوّة التقديس التي يقوم بها الله على الرغم من خطايانا وعصياننا وتكبرنا ورياءنا، وهي نعمةٌ، لأنها محبّة مجّانية ليست مشروطة بإحترام الإنسان لبنود العهد، محبةٌ تُعطي حتّى بذل الذات. محبةُ تُعطي ذاتها حتّى لمَن لا يستحقونها أو ليسوا جديرين بها.

وتكون القداسة بـ هدِم الإنسان القديم وبناء الإنسان: "إهدموا هذا الهيكل وأنا أبنيه في ثلاثة أيام". إلهنا، وأمام خيانات الإنسان (خطاياه) لم يُصدِر حُكم الدينونة أو القصاص بالهلاك الأبدي، ولم يُعلِن "إبادة الجنس البشري الخاطئ"، بل تضامَن معنا، وحملَ أثقالنا وسارَ طُرقنا، وطلبَ منّا لا أن نهدُم الهيكل، بل أن نشرَع بالبناء الجديد، الإنسان الخالي من الرياء والمراءة، الإنسان الخادِم والذي لا يبحث عن إمتيازاتٍ ومناصب. إنسان المحبة المجانية لأنه إكتَشَفَ أنه محبوب مجاناً ومن دون إستحقاق. وهذا يتطلّب أن يُقدِم الإنسان ذاتهُ، حياتهُ كلّها في فعل طاعة الله. إلهنا ليس بحاجةٍ إلى ذبائحنا، فهو الخالِق وهو مانحها، وهو لا يُريد أن نُحمّل الآخرين أثقالاً، بل نحمل أثقال الإخرين. إلهنا يُريد قلبَ الإنسان وعقلهُ وقوتهِ، وهو ما فعلهُ ربّنا يسوع، إذ تقدّم نحو الله مُقدماً حياتهُ قرباناً، ذبيحةً مُصالحةً. أنت تُريد كل حياة الإنسان، وها أنا أقدمها لكَ.

تقدمة ربّنا يسوع هي تقدمة المحبة الخالصة التي لا تُريد أن تُدحرِج مسؤولية الخطيئة على الآخرين، بل تأخذها على نفسها، وتتطلُب الغفران للمُسيئين، فكان الغفران أول ما حصلنا عليه من على الصليب: "يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُون" (لو 23: 34). فجرّد الخطيئة من عنفها ولم يدع لمشاعر الغضب والإنتقام أن تسود عليه فغلَب الخطيئة بالمحبة فوهبَ الغفران. علمّنا ربّنا يسوع أن الحياة التي يُريدها الله للإنسان لا تكون بإفناء بعضنا البعض، بل بتحمّل أثقال بعضنا البعض، فتكون الحياة ممكنة، بل لن يقبل الله بعدَ تجسّد ربّنا يسوع، وصيرورتهِ إنساناً أي ذبائح وتقادُم تُقرّب له، بل ينتظر منّا محبة للقريب نترجمها من خلال فعل الرحمة والصلاح الذي فيه ومن خلالها نتضامن مع الأكثر حاجةٍ. فالعبادة الصحية تبدأ منه وتعود إليه مروراً بالإنسان.

تتقدّس كنيسة ربّنا يسوع إذن بمقدار إلتصاقها بيسوع الخادِم فتعيشَ على مثاله خادمة ومُحبة وصادقة. قداسة الكنيسة مرتبطُ بالله الذي يُنعِمُ علينا بالقداسة، نحن الخطأة ويُواصِل عملهُ "المُقدِس" على الرغم من خطايانا. الله القدوس ينتصِر دوماً على عدم أمانتنا لأنه مُحبةٌ أمينةٌ تُلاقي الإنسان، لاسيما الضال، وتبحثُ عنهُ لتُعيده إليه إبناً محبوباً. فنعمةُ الله تُبقي الكنيسة مُقدسِة، وتُشعلُ القلوب بالمحبة المجانية، لأن العالَم كلّه بحاجة إلى "المحبة"، وهذا الذي دفعَ الجميع من دون تمييز لتحيّة الأم تريزاَ لشهادة حياتها، فدخلَت حيثما أرادت لأنه محبة الله فيها مَهدت لها الطريق للقلوب. فلم تبحث عن مجدها ورفعة إسمها، بل بحثت عن يسوع من خلال خدمتهِ في إخوتهِ المرضى والمنبوذين. فجاءت شهادتها للمسيح صادِقة لأنها شهادة للمحبة المجانية، والتي يحتاجها العالم ولا يجدها إلا في شخصيات فتحت قلوبها لله وكرستَ له حياتها بصدقٍ، وتعرِف وتعترِف أنها الشر سيُجربنا حتّى في أقدس تعابير حياتنا، ولذلك تبقى منفتح ة لله ليشفيها من أمراض الكبرياء والرياء والتعالي على الآخرين، فقُربنا إلى الله يكشِف عن خطايانا أكثر من ذي قبلُ، لتتنقّى حياتنا ونكون أهلاً لتقديمها تقدمة لا عيبَ فيها. 

قراءة 1070 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *