المواعظ
%PM, %23 %615 %2016 %16:%تشرين1

الأحد الثالث من موسى - دعوةُ تُخلّص الإنسان

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)
الأحد الثالث من موسى
دعوةُ تُخلّص الإنسان( متى 8: 23- 9: 9)
    يُخبرنا إنجيل اليوم عن شخصية لم يكن أحد يتوقّع يوماً ان يختارها ربنا يسوع المسيح لتكون من حلقة تلاميذه: متّى جابي الضرائب، والأتعس المتعاون مع الرومان ضد شعبه الذي يبتزه للحصول على المزيد من الأموال لتحوّل إلى المُحتلين الرومان. لذا، فعندما دعاه ربّنا فهذا يعني أنه دعى الأكثر كُرها بين الناس. الناس كانت تكره العشارين وتحسبُهم بعيدين عن الله، فلم يرحبوا بهم كونهم أناسٌ أشرار وخاطئين، يظلمونَ الفقير فجعلهُم في عدادِ الوثنيين والزواني. العشّار إنسانٌ باعَ كرامتهُ من أجل المال، وباعَ شرفهُ من أجل المحتل الروماني، ولسنا نظن أن هناك صورة أبشع من هذه الصورة في ذهن الناس.
    كُره الناس أبعدَ العشارين عنهم أكثر فأكثر، فقسّى قلبهُم عليهم، وإبتعدوا عن الله لأنهم إعتقدَ سيجدون أمنهم وسلامهُم في المال وحماية العساكر، فراحوا يبتزّونَ الناس أكثر ليزدادوا غنىُ، وراحوا ينظرون إلى الناس نظرة إستعلاءٍ وتحقير فهم بالنسبة له فرصة للإغتناء، فيستغلّونهم ويسلبونَ أموالهم ليُحافظوا على مركزهم في بيت الجباية، ويُؤَمِنَونَ لهم دخلاً وفيراً. وترى الناس تتسائل: أين هو الله من مثل هؤلاء الظالمينَ؟ كيف له أن يسكتَ على ظلمهم؟ أوَ لا يرى ما إستغلالهم وإستعبادهم لشعبهِ؟ كيف لا يمحو الله هؤلاء المجرمين من على وجه الأرض؟ هذه هي افكارنا البشرية، أما أفكار الله، فهي غيرُ ذلك.
    إلهنا وملكنا لن يتركَ متّى بعيداً عن محبتهِ، فحتّى لو أمضى سنواتٍ طويلة تائهاً وبعيداً عن حقيقةَ حياته، فالله صبور وطويل الأناةِ ليكشِفَ له جروحهُ، بل ليشفيها. وإن قرر متّى العشّار أن لا يقترب من الله، هوذا الله نفسهُ جاء إليهِ ليقولَ له: يكفيكَ تعباً! أنت محبوب ولست بحاجةٍ لكل هذا التعب والإرهاق! أنت تعتقد متوهماً انك مُسيطرٌ على أحداث حياتِك؟ أنت تظن أنّك قادرٌ على أن تُبعِد الله عن حياتِك وتجعل الناس تخفافُكَ، هذا وهمٌ وكبرياء! إسعى لأن ُتُحِبَكَ الناس لا أن تخافَ منك.
    رأى ربّنا يسوع المسيح في متّى العشّار ما لم يراه الناس فيه، وما لم يراهُ متّى نفسهُ. فمتّى اختبرَ لأول مرّة أنه محبوب من قبل الله، فلا حاجة لأن يجتهِد ليستحقَ هذه المحبّة، بل يسمح لهذه المحبّة لأن تُغيّرهُ، لذا، تركَ مكانهُ وتبعَ ربّنا يسوع. ترك الوظيفة التي كانت تُؤمِن له الآمان المادي والراحة، ليذهبَ خلف جوّالٍ مُغامِر، كل هذا لأنه شعرَ لأول مرّة أنه محبوب من قبل شخصٍ راى فيه ما يُمكن أن يكون في المُستقبل، ليس بسبب ماضيه، أو بسبب ما هو عليه ِالآن في الحاضر.
    رأى وجَدَ في هذا الإنسان قوّة للتبشير بكلمتهِ، فدعاهُ ليتركَ ماضيه وحاضره خلفهُ ويتبعهُ، وهذا ما حصلَ. لم يؤمن متّى بنفسهِ، فهو يعرِف أنه خاطئ ومكروه في عيون الناس، لكنه آمنَ بنظرةِ يسوع له، فتحرر من نظرتهِ لنفسهِ، لينفتح إلى نظرة ربنا يسوع التي حررتهُ، بل جعلتهُ بشيراً، وهذه هي المعجزة. فقد كان مُقعداً روحياً، وخائفاً من شياطينَ كثيرةً حبستهُ سنينَ طويلة، وهناك عواصف من أفكار ومشاعر هيّاجة تجتاح حياته. لقد حوّله الشيطان ليكونَ مُحباً للمال، و:"محبة المال أصل لكل الشرور الذي إذ ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة" كما قال الرسول بولس لتلميذه تيموثاس (1 تي 6 : 10).
    هذا الإنسان كان على إستعداد ليرتكبَ كل الشرور ليحصل على المال، لقد كان مريضاً وممسوساً بشياطينَ كثيرةٍ، ولم يستقر حتّى دعاهُ ربّنا يسوع لا لأن يتحرر فحسب، بل ليكونَ حاملاً البشارة. عجيبٌ ربّنا في تربيته وتدبيره، فنحن، مراراً ما نُبعِدُ مثل هؤلاء الخطأة ومشاعر اليأسِ تقتلنا، أما أن ربّنا فتراه يُكلّفهم بمسؤلياتٍ أعظم. لقد صححَ ربّنا حياة متّى، شفاه بل أقامهُ، ويُخبرنا الإنجيل بما فعله متّى: قام، فهناك مَن دعاه ليقوم. قام لحياة جديدة، وأقامَ وليمة لكل الخاطئين من أمثالهِ.
    لقد صالحهُ الله بيسوع المسيح، ولم يرد أن يحرِم الآخرين من هذه النعمة، فدعا إلى الوليمة كل مَن إبتعدَ عن الله. لقد اختبرَ محبّة الله، وأرادَ أن يختبرَ الجميع هذه المحبة: "ذوقوا وأنظروا ما أطيبَ الرب". لقد عَرِف نظرة ربنا يسوع التي لم تحكم عليه ولم تدينهُ ولم تُهينهُ لما هو عليه، بل شجعتهُ لما يجب أن يكونَ عليهِ.
    هناك مخاوفَ كثيرةً تأسرنا، وعواصف تضرب حياتنا، وهموم تجعلنا نقلقُ مُغتمينَ حزانى على مُستقبلنا. اليوم، تأتينا دعوة إلهنا بيسوع المسيح: "ٌقُم إتبعني" فماذا ننتظر يا إخوتي وأخواتي.
قراءة 976 مرات

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *