المواعظ
%PM, %09 %603 %2016 %16:%تشرين1

الأحد الأول من موسى - الغفران محبّة تامّة

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الأول من موسى

الغفران محبّة تامّة (2 قور 1: 22- 2: 17)

يُحدثنا بولس اليوم عن خبرة الغفران التي عاشها مع كنيسة قورنثس، الجماعة القريبة إليه، والتي سببت له ألماً كبيراً عندما أنقسمت الجماعة وتحزبتّ وتصارعت. كتبَ بولس لهم ثلاث رسائل فقدت واحدة وما زلت الكنيسة تقرأ إثنتين وتتأمل فيهما. فلقد وصل إلى مسامع بولس أن إنشقاقا كبيراً حصلَ في هذه الجماعة، وهناك شخصٌ كان وراء هذا الشقاق، ولكنه عادَ وندِم وتابَ، فغفرَ له بولس مرّة وطلبَ من الجماعة أن تقبلهُ وتغفر له بل لتشملهُ بالمحبة، لأن رفضهُ في الكنيسة يعني أن الشيطان سيأخذه إليه وتكون العاقبةَ مؤلمة أكثر، لأن الشيطان مُخادِع وسيُنادي دوماً بضرورة تحقيق العدالة وإنزال العقوبة بالمُخطئ، ولكنه في سيعمل على تبديد الجماعة بإسم العدالة، فمَن منّا لا يُخطئ؟ وإن أخطأ الجميع وتم معاقبتهم ومقاطعتهم، فمَن سيبقَ في الكنيسة؟

لم يرغب بولس في أن تتجمّد الكنيسة بسبب إساءة شخص (أو مجموعة أشخاص)، وتفقد موهبة الروح، بل، أرادَ أن يتحرروا من هذه الخطيئة، ويغفروا ليواصلوا المسيرة تحت إرشاد ِالروح الذين ختموا به: "الَّذِي يُثَبِّتُنَا مَعَكُمْ فِي الْمَسِيحِ، وَقَدْ مَسَحَنَا، هُوَ اللهُ. الَّذِي خَتَمَنَا أَيْضاً، وَأَعْطَى عَرْبُونَ الرُّوحِ فِي قُلُوبِنَا" (2 قور 1: 21- 22)، ومَن مسَحهم الروح بختمهِ عليهم أن يُظهروا ثمارَ الروح، وثمار الروح هي: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ. وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا 5: 22- 23). 

علّم بولس أن المحبة هي جواب لتساؤولات الناس عن المسيحية: لماذا تجسّد الله؟ لأنه يُحبنا؟ لماذا تألمَ؟ لأنه يُحبنا؟ لماذا أرسل روحهُ القُدوس إلينا؟ لأنه يُحبنا؟ لماذا يدعونا إلى أن نؤمِن به ونكون أبنائهُ؟ لأنه يُحبنا. لذا، يأتي السؤال له: لماذا علينا أن نغفر لمَن أساء إلينا وإلى الكنيسة؟ لأن الله أحبنا وغفرَ لنا إساءتنا الموجهة إليه. هو لا يُحب أفعالنا السيئة ولكنه يُحبنُا. هذه المحبّة هي محبة أبوين يُعاقبان، وبدافع المحبّة، أولادهما على أخطاء يرتكبونها، ولكن العقاب لا يُقللِ من محبتهم لهم. هم يحوّطون أخطاء أولادهما بالمحبّة لا بالكراهية أو العقاب، فتكون المحبة البلسم الشافي لجروحاتٍ مؤلِمة. وهي دعوة لنا أن نُغلِبَ المحبة دوماً، فعدم الغفران يعني أن نسمحَ للشيطان بأن يواصِل ألعيبهُ وخُبثهُ، ويجعلنا ندور كلّنا في حلقة العنف والشر.

لذا، يُوصي بولس الكنيسة بأن تكون كنيسة المسيح، كنيسة المحبّة، كنيسة الغفران التي تتوقّف عند خطايا أعضائها ولا تنكرُها، بل تدعوهم إلى أن يتطهروا منها، ويواصلوا المسيرة بالغفران المُحِب الذي يختبرونه فيما بينهم. ولكي يكون الغفران حقيقياً علينا أن نتذكّر حقيقتان أساسيتان بالنسبة لنا: وهي أننا بحاجة إلى غفران الله الدائم لنا، وإلى أن تأتي ندامتنا وتوبتنا بثمارٍ تليقُ بها. فلا يكفي أن أتأسف وأعتذر ما لم يكن هناك تغييرٌ حقيقي في سلوكياتي وتصرفاتي. وهذا ما حصل في كنيسة قورنثس، وعليه طالبَ بولس الجماعة بضرورة الغفران. الغفران المفعمٌ بالمحبة (الرحمة)، فلا غفران من دون محبّة. غفران فيه عدالة إذ نُحاسُبُ المُخطأ على خطاياهُ، وهو مفعمٌ بالمحبة إذ نتجاوز له خطاياهُ التي ندِمَ وتاب عنها، فلا نسمح للكراهية أن تدخل قلوبنا، فنحبُس الناس في خطاياهم، تماما مثلما يُعامِلنا الله الآب. فلا مجال للكراهية والإنتقام أو الثأر الشخصي، فهذا من حقوق الله: "لي الإنتقام" (تث 32: 35)، ويقول أيضاً: "لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك، وأحبب قريبك حبك لنفسك" (أح 18:19).

نقرأ في أولى صفحات الكتاب المُقدس كيف أن الله دانَ قايين لمقتل أخيه هابيل، ولكنه وضعَ عقاباً مُضاعفاً لكل مَن يقتل قايين: "فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «لِذَلِكَ كُلُّ مَنْ قَتَلَ قَايِينَ فَسَبْعَةَ اضْعَافٍ يُنْتَقَمُ مِنْهُ». وَجَعَلَ الرَّبُّ لِقَايِينَ عَلامَةً لِكَيْ لا يَقْتُلَهُ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ" (تك 4: 15). فيكون الغفران تمامُ المحبة. كيف؟

الخاطئ يعرِف أنه وبسلوكهِ المُخطيء سببَ ألماً وجرحاً سيبقى أثره في حياة الناس، ومع أنه قدّم فعل ندامةِ حقيقي من خلال توبةٍ صادقة، إلا أنه يبقى ينتظر غفران الآخر، الضحية، ليعود إلى الحياة مُعافىّ. فيكون الغفران نعمةً ومحبة، بل تمامُ المحبّة وفعل إحسانٍ بإمتيازٍ. ولأننا دُعينا لأن نكون أبناء الله، فعلينا أن نتشبهَ به، هو الذي يغفر لنا يومياً زلاتنا، فنغفرَ للآخرين زلاتهم، ونتحرر من قبضة الغضب التي تأسرُنا وتقتل كل ما هو صالحٌ وخيرٌ فينا. إلهنا يعرِف ما في قلوبنا من أفكار ورغبات وأمنيات وتطلعات، ويعرِف أننا نُخطئ في قلوبنا أكثر مما في سلوكنا، فإذا كان يُسامحنا يومياً عن هذه كلّها، فمَن نحن لكي لا نمنح الغفران لمَن تندَمَ بصدقٍ عن خطاياهُ؟ 

قراءة 916 مرات آخر تعديل على %PM, %30 %608 %2016 %16:%تشرين1

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *