المواعظ
%PM, %09 %510 %2016 %14:%تشرين1

الأحد الرابع من الصليب - المحبة تبني الكنيسة

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الرابع من الصليب

المحبة تبني الكنيسة (1 قور 14: 1- 25)

   اختبرت الجماعة المسيحية الأولى في مدينة كورنثس الكثير من المشاكل والأزمات والتي سببت إنقساماً وصراعاً بين أعضائها سبب ألماً كبيراً لبولس نظراً للمحبّة التي كان يكنّها لهم. كان بولس بمثابة الأم التي ولدتهم في الإيمان، ولأنه الأم كان مثل الطبيب الذي شخصَّ المرض الذي أصابهم وهو: غيابُ المحبّة بينهم. هذه الكنيسة، كنيسة قورنثس، لا ينقصها ما تحتاجهُ من مواهب، فالروح القُدس أنعمَ عليهم بالكثير منها، حتّى برجال ونساء مستعدين لأن يُحرقوا أجسادهم من أجل الآخرين، ولكنَ يعوزهم: المحبة، فمن دون المحبّة لا يُمكنهم بناء الجماعة أبداً. فالمحبة تُخرِج كل ما هو صالحٌ في الإنسان من لطفٍ ومودةٍ ورحمة وسلامٍ وغفران، وهي خبرة مُعدية إذ تحفّز الآخرين ليكونوا مُحبين. فقوّة الكنيسة ليست بكثرة أعضائها، بل بالمحبة التي تربطُهم، وهذه المحبة ستكون سبباً في زيادة عدد أعضائها لاحقاً.

   أكدَّ بولس لكنيسة كورنثس أن محبّة الله الأبوية لا يُمكنها أن تترك الجماعة من دون عونٍ وسندٍ لذا وهبَ لها ديمومة الحياة من خلال الهبات التي يُنعِم بها على أعضائها، شرطَ أن يعي هؤلاء أن ما وُهِبَ لهم هو لأجل خير الجماعة، لا من أجلهم. المسيحي مدعو على مثالِ الربِّ يسوع أن يُقدِسَ حياتهُ لأجلِّ الآخرين. المحبة هي ما يُقوي الكنيسة، ومتى فُقدِتَ كان لزماً على بولس، على النبي، أن يتحسس لهذا الخطر، ويُعلِن جهاراً ومن دون محاباةً: أين هو الداء وما هو الدواء؟ ما الذي تُعاني منه الجماعة؟ ما الذي ينقصها؟ لذا، يقول بولس، ليس المهم أن تُعلِم وتُنشِد وتُرشِد، الأهم أن تتنبأ، أي أن يكون لك الُقدرة لترى أثارَ الخطيئة وتفضحها، لا أن تفضح الخاطئ.

   هذا ممكن لمَن هو غيور على أعمال الله وتدبيرهِ، فالنبي ليس مُلكَ نفسه، بل هو مُلكُ الله كلياً، ووضعَ حياتهُ ليستخدمهُ الله مثلما يشاء، لذا، فهو، أي النبي، مُستعد ليعمَل كل شيءٍ من أجل الله. وعندما يُرسلهُ الله ليفضحَ واقع الخطيئة الي في الشعب (الكنيسة) يرى بكل تواضع حقيقة حياتهِ هو فيتعرِض أمام الله: لستُ أهلاً، فأنا أول الخاطئين. روح النبؤة الذي يحلُّ عليه يجعله يرى حياتهُ هو لا نقائص الآخرين. إنتقاده يتوجّه أولاً نحو ذاتهِ هو: مَن أنا أمام الله؟ الخاطئ الأعظم. لذا، نجد أن أنبياء الله يترددون كثيراً قبل بدءِ الإرسالية ولسان حالهم يقول: يا ربُّ، أنت تُرسل مَن ليس أهلاً لهذه المسؤولية، فأنا المُحتاج إلى جمرةٍ تُطهِر شفتاي قبل أن أنطقَ بكلمةٍ، وقوة تسند ضعفي وصغري.

   عندما نسمعَ كلمات بولس اليوم ونقرأها في ضوء نورِ إنجيل ربّنا يسوع، نجد أنها كلمة موجهةٌ لنا. فنحن مراراً ما نرفع الصلاة إلى الله ليُقوي الكنيسة ويجعلها تنتشِر وتملءِ الأرض كلّها. نتفاخر بما لدينا من إمكانيات ومواهب ومؤهلات. نتميّز عن باقي الشعوب بتاريخ شهدّ لخبراتٍ إنسانية متنوعة. ولكننا لا نمتلكُ أنبياء يقولون لنا: أن ما يعوزنا هو المحبة أيضاً، لأن الحسد والغيرة يضرب أُسس كنائسنا ويُدخلِنا في صراعاتٍ ومتاهاتٍ تُبعدنا عن هويتنا الحقيقية وعن رسالتنا في العالم: أن نُبشِر بإنجيل الله: ربنا يسوع المسيح. ليس فينا أنبياء ينتقدون الخطيئة ويفضحونها والتي هي: عوز المحبة. فالمحبة تُطالبُنا بأن نهتمَّ بخير واحدنا الآخر، وعندما نلحظُ ما يُسيءُ إلى البشارة علينا أن نتعامل مع الحدث بمحبة أخوية. يُمكن لنا أن ننتقد، ولكن هذا لا يعني فقدان الإيمان بالله، فأشعيا وأرميا وحزقيال بشروا بخلاص الله الذي يُنقِذ الإنسان من واقعه الخاطيء، ويفتح باب الخلاص لهم. نحن عادة ننتقد لأجل الإنتقاد فقط، وننتقد يائسيين (من دون رجاء) وكأن الله غير موجود. بل صرنا ننتقد كل شيءٍ، ولا نلحظُ أعمال الله وتدابيره العجيبة بيننا ولنا. يروي لنا آباؤونا الروحيون عن رعية أتعبتَ المطران كثيراً إذ لم يتمكّن كاهن من خدمتها لسنةٍ كاملة بسبب عدم تعاون الرعية معهم وحُبهم للإنتقاد. أخيرا حظي المطران بكاهن روحاني ورعوي بإمتياز وكلّفه ليخدم الرعية وقبِل المهمةَ بفرحٍ. بدء عمله بزيارة عوائل الرعية من أجل الإصغاء إليهم. قرر يوماً أن يأخذهم في مخيم روحي وثقافي إلى جزيرة قريبةٍ، فهمَّ بتهيئة وتحضير كل شيءٍ بنفسه.        

   عندما وصلوا إلى الجزيرة إكتشفوا أنهم تركوا أحدهم على الضفة الأخرى، فقرر العودة بنفسه ليُحضرهُ، فعاد ماشياً على الماء أمام أنظار الجميع: فعلّق بعضهم مع بعضٍ قائلين: هذه هي رعاية المطران ومحبته لنا أرسلَ كاهن لا يعرف السباحة!

   النبي الحقيقي يرى الحياة بعيون الله، فلا يتكبّر ولا يتعالى على الآخرين، بل ينتقِد ويفضح الخطايا، ولا يعتبرها خطايا الآخرين، بل، ولأنه يُحُبُ شعبهُ ويعبدُ الله بأمانةٍ، بل يراها مسؤوليتهُ الشخصية: أنا المسؤول عنها، مؤكداً لهم أن حُبَّ الله هو النعمة التي ستُخلِص الكنيسة من الخطيئة. لذا، يتجرأ حزقيال لا يُحبك الله لأنك تغيرت وتبتَ إليه، بل يُحبك لكي تتغيّر، حب الله يدعوك للتوبة. من أجل هذا يقول بولس اليوم: نحن بحاجة إلى أنبياء. 

قراءة 1250 مرات آخر تعديل على %PM, %09 %512 %2016 %14:%تشرين1

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *