المواعظ
%PM, %10 %614 %2016 %16:%أيلول

الأحد الأول من الصليب - أن تتألموا من أجل المسيح

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الأول من الصليب

أن تتألموا من أجل المسيح (فل 1: 27- 2: 11)

      "سيروا سيرة تليقُ ببشارة المسيح ..." وهذه المسيرة هي مسيرة ألمٍ وصليبٍ بالضرورة. هذا الألم ليس عقاباً من الله بل نعمة منه: "هذا وهِبَ لكم من الله، هذا ما قالهُ بولس لكنيسة فيلبي، وهو تعليمٌ وبشارة للكنيسة جمعاء. فكما أن ربّنا يسوع المسيح حملَ صليبَ الألم مرفوضاً من قبل الناس التي أرادتَ أن تنزعَ عن ألمهِ كل مجدٍ وكرامةٍ، فماتَ على الصليب مرذولاً ومُهاناً، هكذا يُدعى كل مَن يتبعهُ إلى أن يتألمَ من أجله، ليكونَ كل مَن يتبعهُ مسيحاً آخر لمَن هم من حولهِ. تباعةُ ربّنا يسوع ليست إلتزامَ تعاليمهُ فحسب، بل الإلتصاق به، هو المرفوض والمتألِم والمائت على الصليب. قرارُ تباعة ربّنا يسوع هو إختياري: أنت حُر يا إنسان في أن تتبعَ يسوع أو أن ترفضه، ولكن التألم من أجل ربنا يسوع ليس اختيارياً البتّة، فلا يُمكن أن يكون ربّنا يسوع مسيحاً ومُخلصاً، من دون الألم والصليب.

 

      في مثل هذا الطريق لا يُمكن للمسيحي أن يعرِف إلا المسيح وحدهُ، لأنه "أنكرَ نفسهُ"، فلا يهتمَ بما يعرِف هو، ولن يُفكِر بما يظنهُ صحيحاً، بل أن الفكر الأوحد والمُطلَق هو ما يُفكِر به المسيح فقط الذي سلكَ أمام الله والناس في "تواضعٍ وطاعةّ تامّة". لذا، لا مجال أبداً للعمل من أجل مجدٍ شخصي، ولا مكان للمنافق أن يكون في الكنيسة، الجميع يعمَل بتواضعٍ ومحبةٍ من أجل تمجيد إسم المسيح يسوع، ناظرين إليه هو الذي تجسّد ليتمجّد إسمُ الآب وحدهُ. التخلي عن المجد الشخصي، والبحث عن مجد الله هو "الصليبِ" بحد ذاتهِ، فالكنيسة مُجرّبة في كل وقتٍ وزمان لتُّثبّت نفسها كمؤسسة عالمية وتسقط في خطيئة السكونَ والاستقرار، والبحث عن المجد الشخصي، ولكن الروح القُدس يُقودها دوما لتخزح منتصرة على هذه التجربة وتستجيب لحضور الله من أجل أن تكون جماعة تحملُ البشارة، بشارة ربّنا يسوع من أنه غلبَ خطيئة العالم.

 

      نسعى مراراً كمسيحيين لأن نُثبّت لأنفسنا وللآخرين أن أسلوب حياتنا هو الأصح مسيحياً، من دون أن نقبلَ بتواضع ومحبّة أن الله هو أعظمَ من أفكارنا ومن أسلوب حياتنا، وهو قادرٌ على أن يجذبَ إلى نفسهِ كل إنسان حيثما كان، فلا حاجة إلى الدفاع عن يسوع، والذي يُؤدي في أحيان كثيرة إلى خلقِ حالةٍ من الشقاق داخل الكنيسة. تباعتُنا لربنا تدعونا لأن نكون مُستعدين لأن نمنحَ الآخرين الغفران، وهو تنازلٌ عن حقٍّ شخصي، وهو صليبٌ بحدٍ ذاته، كل ذلك من أجل بُنيان جسد المسيح، الكنيسة. فطلب بولس من كنيسة فيلبي، ومنّا اليوم، أن نتوجه بأنظارنا نحو الآخر، وأن نُفكِرَ فيما هو ضروريٌ لخلاصه، لا من مُنطلق: أنا أفهمُ من الآخر وأعرف منه بما هو ضروريٌ لخلاصهِ، بل هو أفضلُ منّي: "فليعد بتواضع الضمير كلٌ واحدٍ منكم قريبهُ أفضلَ منه". ومع التواضيع علينا أن نتعلّم الطاعة على مثال يسوع، لا طاعة إلى قوانين فحسب، بل أن تكون طاعتُنا جواباً لمحبّة الله لنا بيسوع المسيح، وهو ما يُميّز طاعة المسيحي عن غيره.

 

      فلكي تعيش كنيسة فيليبي نشيد التمجيد الذي تُنشده في الإفخارستيا: "الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ اسْماً فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ. لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ" (2: 6- 11). على أعضائها جميعاً أن يختاروا فكرَ المسيح وأسلوبَ حياتهِ إلتزاماً مُطلقاً، فمن ثمار حياتهم سيُعرفونَ إن كان المسيح "السيّد والرب"، أم أن "سيداً آخر صار معبوداً لهم". فلا مجال للمُفاخرة، ولا يُمكن إستغلال الكنيسة بحثاً عن مجدٍ شخصي، بل يجب أن يُشارِك كل عضوٍ في بناء الكنيسة، جسد المسيح بتواضعٍ ومحبة صادقةٍ، في إتفاق الفكر والقلب.

      

     نحن مُلزمون دوما بأن نكون "مسيحاً" لمَن نعيش معهم ونتقاسم معهم الحياة بكل تفاصيلها. هذا ليس ثمرة ما "صنعهُ ربّنا يسوع من أجلنا"، وإلا فنحن ملزمون إذن بأن نتبعَ كَل مَن يستشهد لأجل قضية إنسانية شريفة. نحن ملزمون بأن "نعيش حسبما يليقُ ببشارة المسيح" لأننا صرنا "في المسيح"، ولذلك نُشاركه الصليبَ والألم من أجل خلاص العالم. فالصليب إذن ليس ألةَ إعدامٍ، بل إشارة إلى ما صنعهُ الله لأجلنا، ودعوة لمُشاركة المسيح يسوع بشارتهُ، فنُفكَر فيما كان هو يُفكِر، ونُحبُّ الآخرين مثلما هو يُحبهم، ونخدمهم مثلما هو يخدمه. أن نسمح له بأن يخدمهم ويُحبهم من خلالنا. وهو تحدٍ لعالم اليوم الذي يسعى لإبراز "الإنجازات الفردية" على حساب الجماعة (الكنيسة). فالأهم هو المسيح يسوع الذي قدّم نفسه للآب في عطاء مُحب تام. هذا هو قانون الحياة الأخلاقية المسيحية: "أن نعيش حياتنا بمحبّة ِالمسيح يسوع".

قراءة 1190 مرات آخر تعديل على %PM, %10 %628 %2016 %17:%أيلول

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *