المواعظ
%PM, %28 %600 %2016 %16:%آب

الأحد الثاني من إيليا - لا تملّوا من عمل الخير

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الثاني الأول من إيليا

لا تملّوا من عمل الخير (2 تسالونيقي 2: 15- 3: 18)

    عانت كنيسة تسالونيقي الكثير من المُضايقات بسبب حسد جماعة اليهود، فكتبَ لهم الرسول بولس مؤكداً لهم صلاتهُ إلى ربّنا يسوع المسيح ليُعزي قلوبهم ويُثبتها في كل قولٍ وعملٍ صالحٍ. ففي وقت الضيق يحتاج كل واحدٍ منّا إلى أن يعرِف أنه ليس وحيداً أو منسياً، بل هناكَ مَن يُصلي من أجلهِ، وأن الله هو إلى جانبهِ ليجتازَ بإيمان وثباتٍ الصعوبات التي يختبرها. إلهنا عارفٌ بأنه بذرَ كلمتهُ في قلوب مؤمنة لكنها مُعرضة للكثير من التجارب والضيقات، وهي بحاجة إلى أن تتطهّر وتتجذر في كلمتهِ دوما. نحو هذه "النُضجُ الروحي" يتطلّع الرسول بولس ويرغبهُ لكنيسة الله في تسالونيقي، أي أن يُدركوا أن هناك مَن يُصلون من أجلهم ويطلب منهم الصلاة من أجلهِ، فلا يتوهموا أنهم "جماعة خارقة" لها أن تجتاز هذه الصعوبات وحدها وتنسىّ بقية الجماعات، جسد المسيح، أو أن تسقط في إتكالية مريضة بداء "الضحيّة"، والذي يمنع صاحبهُ من أن يجتاز صعوبات الحياة فينسحِب إلى السكينة، إلى الموت البطيء.

     وطلبَ الرسول بولس اليوم من المؤمنين: "أن لا يملّوا من عمل الخير"، بل أن يواصلوا البحث عن كل الطُرق التي فيها تظهر محبّة الله للآخرين من خلالهم وعلى أيديهم. هناك ثلاثة شياطين تتحدانا في مواصلة عمل الخير الذي نسعى إلية. التجربة الأولى كامنة في أننا مراراً نتكاسل من مواصلة فعل الخير ونحن نواجه هول الشّر وجسامتهُ في العالم والذي يضرِب حياتنا فيترك ضحاياهُ في فقرٍ أو حزنٍ أو قلقٍ، ونجد أنفسنا أحياناً عاجزين أمام جسامة المسؤولية قائلين لأنفسنا: "أنا أفقر وأضعف من أن أحل مشاكل الفقراء". هنا، تُرشدنا الأم تريزا من خلال عبرة حياتها إذ تحدّاها يوماً صحفياً قائلا: "ما أثرُ عملِك أمام مأسأة العالم، قطرةُ في بحرٍ، أجابت الأم تريزا: دعاني الله لأكون أمينة لا ناجحة. 

     وهناك شيطانٌ ثانٍ يتحدنا ونحن نسعى إلى عمل الخير وهو كثرة الإنتقادات التي نسمعها على نحو مُباشر أو غير مُباشر والتي تُحبِط العزائم وتُطفيء شرارة الحماس فينا. ربّنا يسوع لم يُبالِ أبداً بما سمعهُ من إنتقادات عن فعل الخير، لاسيما يومَ السبت، وعندما حاول يهوذا منعَ المرأة من سكب العطر على رأس ربّنا، عارضهُ ربّنا قائلاً: دعوها، فهو فعلٌ خير سيُذكَر أينما اُعلنَت بشارة الإنجيل. 

     والشيطان الثالث، وهو الأخطر، هو تجربة "المساومة مع الشّر"، والذي فيه يسعى المؤمِن إلى إيجاد حلول وسط، أو حلول مقبولة متنكراً لجذرية الحلول الإنجيلية، والتي تُصيبنا بشكلٍ من البرود الروحي بل الجفاف. هي أشبه ما يكون بقبول النمو مع الشوك الذي ما أن يكبُر حتّى يخنق الحياة التي في البذور. هذه التجربة تدفعنا مراراً إلى إيجاد مُبررات لعدم مواصلة فعل الخير، وأحياناً كثرة إلى تبرير خطايانا، والحال، يتطلّع إلهنا إلى أن يكون فينا من الصدق والصراحة مع الذات، ما يجعلنا صريحين مع أنفسنا، فلا نسمح لشيطان المساومة التي يبذر بذاره إلى جانب كلمة الحياة التي زرعها الله في قلوبنا، فهذا الشيطان يُريد خنق كلمة الحياة لتموتَ من دون ثمار.

    يروي آباؤنا الروحيون عن الراهب دانيال الذي أسره البرارة من ديرهِ وحبسوهُ في سجنٍ تحت حراسةٍ مُشددة. في يومٍ من الأيام رأى أن حارسهُ غارقٌ في نومٍ عميق، فأخذ حجارة وضربَ بها رأسي الحارس وقتلهُ وهرب. لكنه تندم على فعلتهِ فارتمّى عند أقدام رئيس أساقفةٍ الأسكندرية وروى له قصتّه، فطمئنهُ قائلاً: "إن الله خلّصك من هذه الوحوش، وهو سيُخلّصُك من هذه الخطئية". جوابٌ لم يُطمئِن الراهب، فسافر إلى روما ليلتقي بابا روما، بطاركة الكنيسة، والذين أرشدوهُ إلى ضرورة أن يهدأ روحياً، لكنه لم يقتنع من كل هذه الشهادات. أخيراً قرر أن يُسلِم نفسه إلى الوالي معترفاً بجريمتهِ فأمرَ بحبسهِ ثلاثين يوماً قائلاً له في يوم إخلاء سبيلهِ، متعجباً من طريقة معافبة نفسه: "صلي من أجلي أيها الراهب". هذا كلّه لم يُرضي الراهب دانيال الذي خاف من محاسبة الله لجريمتهِ، وقلِقَ من مسامحة الناس، فضميّره بكّتهُ ولم يُعطهِ نوماً هادئاً. فقرر ومن أجل التكفير عن جريمتهِ أن يضع نفسه، وبشكل سري، في خدمة مريض مُصابٍ بالقروح فيحملهُ إلى حيث الشمس، ويُطعمهُ ويمسح له فمهُ.

     يأتي طلبُ مار بولس اليوم: "لا تملوا من عمل الخير"، والسبب: لأن الله لم يملُ من محبتنا على الرُغم من الخيانات المتكررة التي يختبرها في علاقتهِ معنا. فإن كان الله هو الذي أحبنا أولاً، ويواصل محبتهُ لنا، فهذا يعني عمليا ًأن نواصِل نحن فعلَ الخير حتّى مع الذين يكرهوننا ويمتمنون لنا الشر، وهذا يحتاج إلى قلبٍ مُعزى بالصلاة، ومُثبَت في صداقة أمينة مع الله، هذه الأمانة هي الطريق إلى القداسة، إذ فيها يبقى القلبُ يقظاً حارساً على الكلمة من كل التجارب والشرور التي تُريد قتل بذرة الحياة فيا. وهذا ممكن فقط إن تمكنّا أن نروي القلب من كلمة الله، ومن الصلاة إلى الله واحدنا من أجل الآخر، حتّى وإن كُنا نُعاني الضيق والصعوبات.

 

050669bc11eeac

قراءة 1125 مرات آخر تعديل على %PM, %05 %608 %2016 %16:%أيلول

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *