المواعظ
%PM, %21 %592 %2016 %16:%آب

الأحد الأول من إيليا - إيمانٌ بالله ومحبةٌ للقريب ورجاء وطيدٌ

كتبه
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الأحد الأول من إيليا

إيمانٌ بالله ومحبةٌ للقريب ورجاء وطيدٌ (2 تسالونيقي 1: 1- 12)

    قدّم بولس الشُكر لله لأجل كنيسة تسالونيقي لأن الإنجيل، بشارة ربّنا يسوع المسيح، أعطت ثمرها في هذه الكنيسة ويشهد على ذلك قوّة إيمانهم ومحبّتهم واحدهم للآخر وثباتهم في الرجاء. صارَ بولس يفتخِر بهذه الكنيسة أينما ذهبَ، كونها جماعة فتيّة ولم يقضي معهم بولس الوقت الكافي، مثلما فعل في جماعات أخرى، بل أُضطرَ لمغادرتها سريعاً، عارفاً أنهم يعانونَ إضهادات ومُضايقات جمّة من اليهود. هذه الإضطهادات والمٌضايقات جعلتهم راسخين في الإيمان، وأكثر قُرباً واحدهم للآخر، يعيشونَ الرجاء لا تعليما بل أسلوبَ حياة، فأنتصر الله فيهم ومن خلالهم. 

    ثلاث فضائل ذكرها بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثس مؤكدا على: الإيمان والرجاء والمحبة، والباقية هي المحبة. ففي حين أنه يؤكد في بدءِ رسالتهِ الثانية إلى كنيسة تسالونيقي على فضيلة الرجاء، لأن الكنيسة تعيش الضيق والاضطهاد. هذا الإضطهاد والضيق لم يتمكن من التقليل من عزيمة مؤمني الكنيسة، بل تقووا في الإيمان، عارفين أن الذي دعاهم لن يخذلهم، لأنه يُحبهم، لذا، إزادودا محبّة واحدهم للآخر. بالطبع نحن كمسيحيين لا نفصل بين هذه الفضائل، فهي تعبيرٌ عن موقف روحي واحد ينتظره الله من الإنسان: أن يشتاق إليه مثلما أن الله يرغُب في صداقةِ الإنسان. 

    ولكن يبقى السؤال: كيف لمؤمني كنيسة قورنثس أن يحافظوا على قوّة الإيمان وحماسة المحبة وثبات الرجاء في وقت الضيق والاضطهاد؟

أول ما نفهمهُ من تحيّة بولس لكنيستهِ هو أن الروح القُدس فاعلٌ في الجماعة (الفرد) فيُثبت المؤمِن في مسيرتهِ ويسندهُ ليعيش ثمار هذا الروح: "المحبة والفرح والسلام والصبر واللطف وكرم الأخلاق والإيمان" (غلا 5: 22)، وهو ما يمدحهُ بولس في كنيسة تسالونيقي. فالله هو الفاعِل في حياة الجماعة التي أستسلمَت له، ولن يتمكّن الشر، بكل قواتهِ من أن ينالَ منهم هذا الإيمان، تماماً مثلما لم يتمكن الشرير من أن يسلُبَ من شهداء الكنيسة قوّة الإيمان بالله الذي كان مَلكَ حياتهم المُطلَق. هذا الإيمان له أن يقرأ الحاضر المُتعِب والمُحزِن بعيون الله التي يرفضها العالم. نظرة الله التي تحتضِ ماضي الإنسان وحاضرهِ لتحملهُ إلى مُستقبلٍ واعدٍ يبدأهُ من الآن، وهذا بحاجة إلى ذاكرةٍ صادقة تعترِف بكلِ ما حققهُ الله في حياتنا، ونأسف لأننا نتناسى معجزات الله أمام أي صعوبة نختبرها. مَن يحمل هذه الذاكرة سيتمكَن من مواصلة مسيرة الإيمان على الرغم من الصعوبات، فيُحِب بمحبةٍ الله، ويجد في محبة القريب فرصة مُقدسة ليُجسّد هذا الحب، بل يطلُب من الله أن يجعلهُ أهلاً لمثل هذه المحبة. محبة القريب لن تكون "إحساناً" بل واجباً ومسؤولية يطلبها المؤمن في حرارة الصلاة مثلما صلّت الأم تريزا: "يا ربُّ إجعلنا هلاً لنخدُم الآخرين في كل العالم الذين يموتون من الفقر أو الجوع. أعطهم، من خلال أيادينا خُبزهم اليومي، ومن خلال محبتنا السلام والفرح". هكذا جعلَ الله من المحبة دعوة للإتحاد به، السُكنى معه. فالإيمان والرجاء سينتهيان يومَ إتحادنا بالله، أما المحبة فلن تنتهي بل تتعظّم لأن الله هو المحبة.

    ربنا لم يخذعنا بل كان صادقاً معنا منذ البدء إذ بشرنا بإنجيله الذي يتضمن الصليب، وفيه الكثير من الضيق والإضطهاد، ومُشكلتنا هي دوماً أننا نرغبُ في حياة مسيحية من دون صليب، ونريد الإيمان بمسيحٍ من دون صليب، وقيامةٌ من دون صليب، وهذا مُستحيل لأن هذه شكلٌ من توافقية مع العالم، وإنتصار للمُجرّب الذي حاول أن يُنثي ربّنا عن طريقه حتى النهاية، ليسمَع نشيد الإنتصار من ربّنا: "لتكن مشيئتُك لا مشيئتي" (مر 14: 36). أن نعيش أمناء للدعوة التي دُعينا إليها كمسيحيين اليوم، يعني أن نكون أمناء لها في أدق تفاصيلها، وهذا يتطلّب تشخيص النظر على ربّنا يسوع، فمنهُ وفيه نستلهِم القوة لموصالة المسيرة. وهو ما يُبقي كنيسة تسالونيقي قوية في إيمانها وفاعلةً في محبتها وراسخةً في رجائها. 

     اليوم يسألنا بولس من خلال تحيّته إلى كنيسة تسالونيقي المُضطهّدة عن معنى وأثر بشارة ربّنا يسوع في حياتنا؟ كم من مرّة نتوقّف عند الصعوبات التي تواجهنا ونتراجع إلى الأمكنة المُظلمة من حياتنا متشكينَ من غياب الله وتجاهله ِلأحزاننا؟ هل لنا أن نُسمِعَ الله صوتَ التسابيح والتمجيد أم أن صوت التذمر والتأسف والمرارة يُبطِل عذوبة هذه التسابيح؟ حتّى إن كُنا نعيش مثل هذه اللحظات القاسية والمُحزِنة، ونحنٌّ دوماً إلى أحلامٍ غير منجزة، هذه اللحظات المؤلِمَة هي دعوة لنا من جديد لنتذكّر كم أن الله كان مُحباً فسندنا في أوقات ضعفنا وعزانا في ضيقنا وصرنا ما نحن عليه بسبب محبتهِ، وهو آمينٌ ليواصل معنا المسيرة ليكِشِف لنا أنه كان معنا، بل حملنا وقت الضيق من دون أن نعي حضورهُ. 

04e6b188a2d6c9

قراءة 935 مرات آخر تعديل على %PM, %05 %608 %2016 %16:%أيلول

رأيك في الموضوع

الرجاء اكمل كل الحقول المؤشرة بعلامة *